الدرس في شرح لامية ابن الوردي 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ الوصية الأولى في منظومة ابن الورد التي تنادي بطلب العلم الشرعي وتحذر من الكسل، مبيناً أن السماع المقصود هو القبول والعمل. ويستدل بآيات القرآن والأحاديث النبوية على وجوب طلب العلم وذم الكسل بوصفه من صفات المنافقين وآفة تمنع الخير.
يؤكد المقطع أن تحصيل العلم الشرعي يتطلب الذكاء والاجتهاد وطول الزمان والتعليم على يد العلماء، محذراً من أن الكسل وراحة الجسد يحولان دون نيل العلم. وينبه إلى خطر الاشتغال بالمال والدنيا عن الفقه في الدين مستدلاً بحديث «فتنة أمتي المال» داعياً لجمع الهم على الفقه الشامل.
يحث الناظم على هجر النوم الزائد عن حاجة الجسد لا النوم كله، موضحاً أن من يدرك قيمة العلم عند الله ومكانته يستهين بتعبه وماله ونومه في سبيله. ويبين أن بذل الجهد في طلب العلم في الدنيا أهون من الحسرة في الآخرة، مستشهداً بأقوال العلماء وآيات تنظيم الليل والنهار.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال ابن الورد رحمه الله تعالى في منظومته اللامية: «أي بني يسمع وصايا جمعت حكما قصت بها خير الملل». قوله: «أي بني» تصغير «ابني»، وهنا التصغير ليس للتحقير؛ لأن التصغير يأتي بعدة معان، منها التحقير ومنها غيره، فالتصغير هنا أراد به الشفقة والترحم. فقال: «أي بني»، و«أي» حرف نداء يستخدم غالبا للقريب، ويحتمل أن يكون هذا الابن المنادى ابنه من النسب، وأن الخطاب له، فهو يوصي ابنه، وهي وصية كذلك لمن سمعها. ويحتمل أن يكون المراد مطلق الصبيان والطلبة، وهذا أسلوب معلوم في اللغة: أن الكبير إذا رأى طالبا صغيرا أو صبيا صغيرا يقول له: «أي بني»، ولم يكن ابنه من النسب، وإنما شيء عرف في اللغة، فيحتمل هذا وهذا. «أي بني» يعني يخاطب ابنه من النسب، أو يخاطب غيره من الصبيان والطلبة. وقوله: «اسمع»، المراد بالسماع هنا القبول والعمل بهذه الوصايا التي ستلقى، ليس المراد السمع المجرد عن العمل، وإنما المراد: اسمع واعمل بما ستسمع من هذه الوصايا. والوصايا جمع وصية، وهي ما يقدمه الإنسان إلى غيره بحرص ليؤخذ عنه. والمراد بهذه الوصايا هنا نشر العلم، ونفع المسلمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدلالة على الخير، كل ذلك ستسمعه من كلام الناظم فيما سيأتي إن شاء الله. وقوله: «جمعت حكما»، «حكما» جمع حكمة، والمراد بها العلم المقرون بالعمل، أو الكلام الموافق للواقع. فهذه الأبيات في الحقيقة صارت حكما يتداولها العلماء، سمعتم بقولي: «كل من سار على الدرب وصل»، هذا مما موجود في هذه الوصية وسيأتي معنا قريبا إن شاء الله تعالى. قول الناظم: «فما أبعد الخير على أهل الكسل»، هذا أيضا حكمة، تضرب بها في بعض المواضع. ففي الحقيقة هذه المنظومة اجتمعت على حكم كثيرة، صارت يعني منقولة ومشهورة عند العلماء، فضلا عن طلاب العلم. وقوله: «خصت حكما»، «خصت» يعني انفردت واختصت بها خير الملل، ويريد بها دين الإسلام، فدين الإسلام خير الملل، كما قال الله عز وجل: ﴿ ورضيت لكم الإسلام دينا ﴾، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ﴾، وآكد في الأحاديث الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام في قوله عليه الصلاة والسلام: «فضلت هذه الأمة على سائر الأمم بست»، فذكر منها يعني بعض تلك، مثل يعني الرسول الذي بعث إليها أنه خاتم الأنبياء ولا نبي بعده، وذكر أيضا جعل الأرض لهذه الأمة مسجدا وطهورا، وذكر غيرها من تلك الخصائص والفضائل التي فضلت بها هذه الأمة. فمعنى البيت: ينادي ابنه فيقول له: أقبل مني هذه الوصايا التي قد ذكرت منها ما ذكرت، وسأذكر منها ما ستسمع، فإن هذه الوصايا جمعت حكما كثيرة، فيها من الأسلوب الحسن والكلام البليغ، وخير الشعر ما كان حكمة، وصدق هذا خير الشعر، فصار شعره من الحكمة التي يتناقلها العلماء. فاسمع هذه الوصايا فخصت ببيانها وجمعها خير الأديان، وهو دين الإسلام، وكأنه يقول: هذه الحكم ليست من تلقاء نفسي، وإنما مأخوذة من هذا الدين، وجمعتها من أدلة الكتاب والسنة. وقوله: «كل من سار على الدرب وصل»، هذا له أدلة كثيرة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ﴾، فكل من سار على صراط الله المستقيم وصل. وهكذا قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ﴾، فمن اتبع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصل، والأدلة على هذا كثير، وهكذا غيرها من الحكم التي ذكرها، فأخذها من هذا الدين، فكانت أولى هذه الوصايا قوله: «اطلب العلم ولا تكسل، فما أبعد الخير على أهل الكسل». هذه أول وصية أوصى بها ابنه بعدما شوقه للاستماع لهذه الوصايا. البيت الأول هذا فيه شيء من التهيئة ومن التشويق، كأنه يقول له: افتح سمعك وهيئ نفسك، فقد جمعت لك وصايا فيها من الحكم ما خصت بها هذه الملة وهذا الدين، فالطالب الآن منتظر: ما هي هذه الوصايا؟ هذا فيه شيء من التشويق والتهيئة للإنصات والقبول لما سيلقى. فقال له: «اطلب العلم ولا تكسل». «اطلب» فعل أمر وهو للوجوب، وهذا ما أخذ كما ذكرنا أن هذه الحكم مأخوذة من كتاب وسنة، فهذا مأخوذ من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وقل رب زدني علما ﴾، فأمر نبيه بالزيادة من العلم. وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أنس عند ابن ماجة: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، والحديث يحسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله. والمراد بالعلم في هذا الحديث العلم الواجب الذي لا بد لكل مسلم أن يتعلمه: كعلم العقيدة والتوحيد، وعلم فقه الصلاة وما يبطلها أو يفسدها، وكذلك فقه الصيام، وفقه الحج لمن أراد الحج. فلذلك علم هذه الأحكام من الأمور الواجبة. «فاطلب» هنا بمعنى الأمر. وقوله: «ولا تكسل»، الكسل هو التثاقل والفتور عما لا ينبغي الفتور عنه. فطلب العلم شرف ورفعة، فلا ينبغي التثاقل عنه. فهو يقول له: اطلب العلم ولا تتثاقل عنه، ولا تفتر عنه، بل استمر واجتهد وجد في طلب العلم وفي تحصيل العلم، لأنه لا يمكن أن تحصل العلم إلا بالجد والاجتهاد والكد والصبر، كما قال الله عز وجل: ﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ﴾. الكسل ينافي الصبر. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز»، يعني لا تكسل وتتثاقل وتفتر عن فعل الخير. وإذا نظرت في سيرة العلماء لوجدت أن السر في ظهورهم ونبوغهم في العلم هو الجد والاجتهاد والصبر. فهو يأمر هنا بالاشتغال بالعلم وترك السآمة والكسل، فإن الكسل والسآمة والفتور آفة خطيرة شنيعة على أهلها. فمن قاطرتها ما ذكر: «فما أبعد الخير على أهل الكسل». الكسلان لا ينال خيرا، بعيد عنه الخير، لأنه كلما أراد أن يعمل الخير تثاقل وتكاسل عن فعل الخير. أراد أن يحفظ القرآن وهو نائم، كسلان، متثاقل. أراد أن يحافظ على الصلاة وهو كسلان، يأتي متأخرا، ربما قد فاتته ركعة وركعتان، أو فاتته الصلاة بالكلية والعياذ بالله. هذا من الكسل، وهذا من صفات أهل النفاق، الكسل عن أمور الخير، هذا من صفات أهل النفاق، كما قال الله عز وجل في صفاتهم: ﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ﴾، قاموا كسالى متثاقلين، ما عندهم نشاط واندفاع إلى عمل الخير. ولذلك جاء في حديث البراء: لما يأتيه العمل الصالح على صورة، يأتي العمل الصالح المؤمن على صورة رجل حسن المنظر وطيب الريح، فيقال له: من أنت؟ قال: نعم العمل الصالح، فإني ما علمت إلا سريعا في طاعة الله، بطيئا عن معصية الله. سريع يعني نشيط ومجتهد في طاعة الله، هذه صفات المؤمن. فأما الكسلان فما أبعد الخير على أهل الكسل. والخير هو ضد الشر، الخير ضد الشر. فمعنى البيت يقول له: اجتهد في تحصيل العلوم الدينية ولا تكسل، لأن أصحاب الكسل بعيدون من العلوم والمعارف والخيرات بعدا عجيبا، حتى لا ينالونها أبدا. هذا هو المعنى. وهناك أبيات جميلة للإمام الشافعي يقول فيها: «أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبئك عن تفصيلها ببياني ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة وتعليم أستاذ وطول زمان» الشاهد منه: ذكاء وحرص واجتهاد. حرص واجتهاد ضد الكسل والتثاقل. نعيد الأبيات: «أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبئك عن تفصيلها ببياني ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة وتعليم أستاذ وطول زمان» ومعنى البيت: أنك إذا أردت نيل العلم فاجمع هذه الصفات الست أو الخصال الست. ذكاء: يعني يكون عندك فهم، فهذا سرعان ما تتحصل على العلم. وحرص واجتهاد: يكون عندك حرص. قد إنسان يكون عنده ذكاء ضعيف لكن عنده حرص، ففتح الله عليه. كم نعلم من طلاب علم كانوا لا يفهمون إلا قليلا، فصبروا واجتهدوا وكرروا الدروس، ومن الكتاب يدرسه خمس مرات، ست مرات، إلى أن فتح الله عليهم، فصاروا ممن يشار إليه بالبنان، وممن يستفيد منه الإخوان. فالاجتهاد والحرص مهم في طلب العلم. وأما قوله: «وبلغة»، يعني ما يتبلغ به طالب العلم في الرحلة لطلب العلم، وفي كذلك النفقة، والتفرغ، فيجمع له ما يسر الله ليبلغه ذلك الاستمرار بالتنقل بين المشايخ أو المراكز أو نحو ذلك. «وتعليم أستاذ»: يعني تدرس عند شيخ، تجلس وتدرس عند شيخ. العلم ما تأخذه من الكتب فقط، الكتب فقط مين؟ ولكن الشيخ هو الذي يفتح لك أبواب العلم. ورب مسألة لو بحثتها في الكتب لجلست عليها الأيام الطوال، بل وربما الأشهر الكثيرة، فبجلوسك مع هذا العالم يعطيك إياها في خمس دقائق، يلخصها لك ويبين لك راجحها. هذا من بركة الجلوس في حلقات العلم وتني الركب بين المشايخ. ثم قال: «وطول زمان»، يعني ما تريد العلم في يوم ويومين، تستمر سنوات طوال حتى تنال العلم. وكما قال غير واحد من أهل العلم جاءت عنه هذه العبارة: «لا ينال العلم براحة الجسد». إذا يريد راحة الجسد ويريد الدنيا يعني الحياة الدنيوية التي هي أكل وشرب ونوم ودخول وخروج، هذا ما يستفيد لطلب العلم، لأنه طلب راحة الجسد، ما طلب راحة القلب. من يطلب راحة القلب يطلبه بالعلم والصبر عليه والجد فيه والاجتهاد، هذا الذي يريد راحة القلب والنفس. أما الذي يريد راحة الجسد، هذا همه الأكل والشراب: اليوم غداء، غداء شيء، لحم، شيء، صيد، طبخة طيبة، كبسة، عسل، وهكذا يتخير من المأكول أشهر المأكولات. هذا ما يريد راحة القلب، يريد راحة الجسد. ها يريد ينام، يريد يعني يتسح من دكان إلى آخر، ومن مول إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، يومين في هذا المكان، وثلاثة أيام في مكان آخر. هذا ما يريد راحة القلب والنفس، يريد راحة الجسد، فهذا لا ينال العلم، لا ينال العلم براحة الجسد، إنما ينال بالجد والاجتهاد والصبر. وجاء عن الشعبي أنه قال: «قل لطالب العلم يتخذ نعالا من حديد». لماذا يتخذ نعالا من حديد؟ لأن كان طلاب العلم يتنقلون على أقدامهم من شيخ إلى آخر، ومن بلد إلى أخرى، فإذا لبس نعال كالناس تتكسر عليه هذه النعال لكثرة المشي والتنقل. حتى الآن في حياتنا التي نعيشها، الذي يمشي كثير يستهلك نعال أكثر، صح؟ أما الذي يجالس في بيته أو جالس في مكانه، هذا ربما النعال اللبس يجلس معه عشر سنوات ما يستهلك. مثل السيارة: السيارة التي كل يوم هي في الكراج كم يجلس الإطار؟ يجلس يعني سنوات. لكن الذي كل يوم من سيئون إلى عدن إلى الغيضة، ربما شهر شهرين ويغير الإطار، صح؟ لأن كثير التنقل. وهكذا كان السلف يكثرون التنقل، لا من أجل تجارات دنيوية أو من أجل سياحة في الأرض، لا، إنما من أجل طلب العلم. لذاك يقول الشعبي: «قل لطالب العلم يتخذ نعالا من حديد، إن أراد فعلا طلب العلم، إن أراد فعلا طلب العلم». فصدق الناظم رحمه الله: «فما أبعد الخير على أهل الكسل». الكسلان لا ينال خيرا، والله المستعان. ثم قال: «واحتفل بالفقه في الدين، ولا تشتغل عنه بمال وخول». «احتفل» أي اجمع همتك على الفقه في الدين، لأنهم قالوا: «احتفل» من جمع حواسه للفهم في الدين، وهو بمعنى الجمع والامتلاء، يعني كن ممتلئا بالفقه، كن ممتلئا بالفقه، احتفل بالفقه لا بالأكل. «احتفل» يعني يجمع همك أو همتك أو نفسك، وكن ممتلئا بالعلم والفقه، واعتني بذلك، واجمع حواسك للفهم في دين الله سبحانه وتعالى. لأن معنى الفقه هنا الفهم في اللغة، وهو المراد والله أعلم في هذا الموضع، ليشمل جميع العلوم: علوم العقيدة والأخلاق والسلوك والعبادات كذلك. لأن الفقه في مصطلح الأصوليين من المتأخرين كما هو معلوم لديكم هو: العلم بالأحكام الشرعية بأدلتها التفصيلية، هذا على اصطلاح أهل الأصول. لكن الفقه في اللغة يأتي بما هو أعم من ذلك، وهو بمعنى الفهم في العلم، فيشمل جميع العلم. ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين». هل معنى يفقه في الأحكام الشرعية فقط مع معرفة أدلتها؟ لا، هذا من الفقه واضح. فالفقه يشمل كل علوم الشريعة، كل علوم الشريعة، فيشمل ذلك الفقه والأصول والعقيدة والتوحيد والأخلاق والمعاملات، كل ذلك يدخل في معنى الفقه. فقوله: «واحتفل بالفقه» أي بالعلم والفهم فيه في الدين، لا في الدنيا. «ولا تشتغل عنه بمال وخول». نعم، يعني لا يشغلك عنه المال، والمراد بالمال ما ملكته، وقيل هو ما سوى العين يعني النقود التي تبيع وتشتري بها. والخول: ما أعطاه الله تعالى من النعم كالأعبيد والإماء والبيوت ونحو ذلك، فهذا ما خوله الله. والمال: ما كان نقدا في يده، وليس بعين، كالدنانير والدراهم، في وقتنا هذا الريال. فيقول: لا تشتغل عن جمع العلم والفقه فيه بمال ولا خول. هذا معنى هذا البيت. فهو ينهى عن الاشتغال عن العلم بما هو من موانعه. فمن موانع العلم المال والحشم. وانظروا الآن، لا أقول إلى عامة الناس، بل إلى طلاب علم كانوا على هذا الدرب، درب العلم والتعليم والدعوة، فاشتغلوا عن ذلك بأموالهم ودنياهم، فصرفوا عن هذا الباب. هذا أغلب ما يشغل، لا أقول عامة الناس، بل حتى طلاب العلم. وصدق النبي عليه الصلاة والسلام إذ يقول: «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال». فتجد انشغال الناس أكثر في هذه الأزمان بأموالهم وحشمهم وفللهم وسياراتهم ومزارعهم، فهو مستعد أن يهلك نفسه من أول ما تطلع الشمس إلى أن تغيب في هذه الدنيا، ما يأتي إلى البيت إلا للنوم، فيقوم وإلى الدنيا. كم قرأ من القرآن؟ كم حفظ من العلم؟ كم جلس من مجالس العلم وحلقات الذكر؟ لا تجد شيئا. انشغال بهذه الدنيا والعياذ بالله. فيحذر هنا الناظم من ذلك، يقول: احتفل بالعلم، يعني اجمع العلم والفقه في الدين، ولا تنشغل بغيره من الأموال والحشم والدور والقصور. هذا هو معنى البيت. ثم قال: «وهجر النوم». قال: «وهجر النوم وحصله، فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذل». يقول: اهجر النوم، يعني اترك النوم، والمراد بالنوم هنا النوم الكثير، لأن النوم كثيره ضرر وقليله ضرر، والوسط أن ينام الإنسان النوم العدل المفيد الطبيعي، وقدره بعض العلماء ما كان ما بين أربع ساعات إلى ست ساعات، ومنهم من زاد قليلا في اليوم، هذا هو النوم الطبيعي. أما أن تنام عشر ساعات، اثنتي عشرة ساعة، خمس عشرة ساعة، كم بقي لك من اليوم؟ اليوم أربع وعشرون ساعة. طيب، فلا يعني تتعلق بهذا. فكما تقدم أن النوم كثيره ضرر وقليله ضرر، ولا يستغني عنه الإنسان إذا كان بعدل وقدر بما يرتاح به الجسد ولا يتضرر. ولذلك جعل الله عز وجل النوم آية، يعني ما بين... بعض الناس يتحمل هذا، لا، لكن كما ذكر عن بعض العلماء هذا ما فيه ضرر، يتحمل أربع ساعات، ينام مثلا في الليل ثلاث ساعات، وفي النهار ساعة، لو نام من الساعة الحادية عشر إلى الساعة الثانية ثم قام وتهجد، لا بأس بهذا. لكن قالوا: إلى ست ساعات، إلى سبع ساعات، بعضهم زاد، لا بأس في اليوم، في اليوم لا بأس أن يكون كذلك، تجعل لك قيلولة في النهار حتى تنشط على الطلب والطاعة والعبادة، وتجعل لك أكثر ساعات في الليل. فهو آية، النوم آية من آيات الله، وهو فيه الإنسان صفة كمال لا يستغنى عنه، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ ومن آياته منامكم بالليل والنهار ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿ وجعلنا الليل لباسا ﴾، جعلوه هادئا ساكنا كي يسكن فيه هذا الإنسان، ﴿ وجعل النهار معاشا ﴾، فهيأ الليل للنوم والسكون والراحة، وهذه آية من آيات الله، وهيأ النهار للعمل والمعاش، للعمل والمعاش واليقظة. ولكن الآن بعضهم عكس الآية، فجعل الليل معاشا والنهار سباتا، وهذا خلاف آية الله عز وجل. وقد اكتشف طبيا أن نوم الليل ليس كنوم النهار، نوم الليل ليس كنوم النهار في استغناء الجسد بنوم الليل أكثر من استغنائه بنوم النهار، وهذا شيء معلوم. انظر في رمضان: ربما تنام في نهار رمضان سبع ساعات أو ست ساعات وتقوم وأنت ما زلت كسلان تريد أن تنام، صح؟ لكن في الليل ربما تنام ساعة أو ساعتين وتقوم ما شاء الله أنشط ما يكون. فهذه آية من آيات الله. فالشاهد أن قول الناظم هنا: «وهجر النوم»، ليس معناه اترك النوم بالكلية، هذا ما يستطيع أحد، هذا ما يستطيع أحد. ولكن يقول: اهجر النوم الذي هو زائد عن ما يحتاجه الجسد. أن طالب العلم إذا تعلق بالنوم وصار ينام في الليل ما شاء الله من بعد العشاء إلى الفجر، يصلي الفجر ينام ساعة أو ساعتين، يصلي الظهر ينام، متى يتحصل على العلم؟ ومتى ينشط لطلب العلم؟ فكما ذكرنا الأئمة أن تنام في الليل خمس ساعات، ست ساعات، وفي النهار ساعة أو نصف ساعة، لا بأس بهذا، هذا مما يحتاجه الجسد. مع أن العلماء ذكروا أن طالب العلم غنيمته السهر بالليل، لأنه يكون يعني أقرب للهدوء والسكون والفهم والاستيعاب، بخلاف النهار ربما يكون هناك من الضوضاء، ويكون هناك من كذلك التشتت في كثرة الإضاءة أو نحو ذلك. فلو قرأت في سير العلماء لرأيت ربما تذاكروا الحديث من بعد العشاء إلى أن يطلع الفجر، ويطلبون العلم. الإمام الشعبي يذكر عنه أنه يقوم يعني مرات ومرات يوقظ... يصبح المصباح ويكتب الفوائد والعلم، ذكر عنه ذلك في سيرته. فالمهم قول الناظم هنا: «وهجر النوم» يعني النوم الكثير الذي يضر بالجسد ويوجب كذلك ضياع الوقت ونحو ذلك، وإلا فالنوم لا غنى للإنسان عنه. فلم يرد ابن الورد ترك النوم مطلقا، بل أراد الحث على الجد وكذلك البعد عن الكسل، وأراد التنبيه على قيمة الوقت، وأن الوقت لا يمضي على طالب العلم في النوم والأكل والكلام، بل يستغل وقته فيما يعود عليه بالنفع. ثم قال: «وحصله»، يعني حصل العلم، «فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذل». هذا أيضا حكمة: «فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذل». ما معنى هذا؟ يعني من عرف قدر مطلوبه، والمراد به هنا العلم. أنت الآن تطلب شيئا رفيع القدر، أليس كذلك؟ وهو طلب العلم. تعرفون فضل العلم وفضل العلماء. فمن يعرف المطلوب الذي هو يطلبه الآن وهو طلب العلم، يحقر ما بذل. ما معنى «يحقر ما بذل»؟ يعني يعد كل ما بذله من أجل الوصول إلى هذا المطلوب حقيرا، لا قيمة له. ومن ذلك النوم، ومن ذلك المال، ومن ذلك الاشتغال بالخول. عرفتم هذا الآن: أنت الآن مثلا تريد أن تصل إلى غاية، تريد أن تكون حافظا للقرآن، ها، تريد في ستة أشهر أن تتقن القرآن، تقوم الساعة الثانية ليلا، تترك النوم وتحفظ، وبعد الفجر تستمر. أنت الآن ضحيت بنومك وراحتك، طيب، لكن عندك هذا الشيء حقير، لا قيمة له، لماذا؟ لأنك تسعى إلى عز وإلى مطلوب عظيم، ألا وهو العلم، فتحقر ما تبذله. طيب، قيل لك: هناك شيخ يقرئ الناس القرآن، ولكن هو يحتاج إلى شيء من المال، فلا تبخل أن تعطيه شيئا من المال، لماذا؟ لأن عندك هذا المطلوب الذي تريده أعظم، أجل، فالمال هذا الذي تبذله لا قيمة له عندك، حقير. لا تقول: أنا خسرت كذا وكذا. تريد الحج، فقيل لك: الحج هذا السنة بعشرة آلاف ريال سعودي، ما يعادل المليون وثلاثمئة يمني، فأنت لا تعتبر هذا المال عندك حقير مقابل أن تصل إلى هذا المطلوب العظيم. انظروا كيف جعل هذا البيت حكمة، حكمة يرددها العلماء: «من يعرف المطلوب يحقر ما بذل». كل ما بدله من أجل الوصول إلى هذا المطلوب العظيم وإلى هذه الغاية النبيلة، يحقر كل ما بدله، سواء كان مالا، سواء كان نوم، ترك راحته ونومه من أجل أن يصل إلى هذا. وهذا في أمور الدين، في أمور العلم، في أمور الآخرة. فانظر إلى أهل الدنيا: ربما أحدهم يريد أن يتزوج امرأة حسناء، فيضحي ويشتغل ويشتغل حتى يجمع المال، ربما ينام في اليوم ساعتين فقط من أجل أن يصل إلى هذا المطلب الدنيوي، فيقال له أيضا: هذا «من يعرف المطلوب يحقر ما بذل». هو هنا ماذا حقر؟ من شأن الراحة والنوم من أجل أن يصل إلى هذا المطلوب الذي أراده. هذا في أمور الدنيا، فكيف في أمور الآخرة وهي أعظم وأجل؟ فهمتم معنى هذا البيت. فمعنى هذا البيت كما هو مبين من كلامنا: يعني يقول: اترك كثرة النوم أو نوم الليالي، أيها الطالب، لأجل تحصيل مطلوبك وهو الفقه والعلم، لأن من عرف قدر مطلوبه عند الله، وكذلك علم نفاسته بين الناس، بذل كل ما بوسعه من أجل تحصيل ذلك المطلوب، وعد ذلك المبذول حقيرا، حقيرا لا قيمة له، مقابل أن يصل إلى هذا المطلوب. هذا هو معنى هذا البيت، والله تعالى أعلم. وبهذا نكتفي، وإلهنا... اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة.