الدرس في شرح لامية ابن الوردي 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يحذر ابن الورد من نظم الشعر طلباً لعطايا السلاطين، داعياً إلى لزوم الشعر النافع الذي يحمل الحكمة والأدب والجهاد. ويستدل بأحاديث تفرق بين الشعر الحسن الذي هو حكمة، والشعر القبيح الذي يُعد باطلاً وإذلالاً للنفس.
يبيّن المقطع أن الشعر محمود إذا التزم الحق وتجنب الكذب والمبالغة، مستعرضاً موقف الإمام الشافعي والشيخ الوادعي الداعي لحفظ العلم النافع من الأشعار. ثم يشرح منظومة الإلبيري متناولاً تشبيه المنتقدين بالكلاب العاوية، الحث على طلب العلم ومفارقة الأهل، وذم الاتكال على الأنساب مستدلاً بحديث «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه».
أعلن المحاضر انتهاء الوقت المحدد للدرس، موضحاً أن ما تبقى سيتم استكماله في جلسة قادمة إن شاء الله. واختتم بالبسملة والتوكيل على الله مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً قديراً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال ابن الورد رحمه الله تعالى في منظومته اللامية: قال: «انظم الشعر ولازم مذهبي، فالطراح الرفد في الدنيا أقل». قول: «انظم» يعني: انظم الشعر واكتب الشعر، وكن ممن يقول الشعر. و«لازم مذهبي» أي: من الملازمة. فابن الورد كما سمعتم في ترجمته محب للشعر، فله نظم كثير، منه هذا النظم، ومنه في النحو، وفي الفقه، ونحو ذلك، فهو شاعر. فيقول: «قل الشعر ولازم مذهبي» في الاعتناء بالشعر. والشعر نظمر، والاعتناء به من الأمور التي تقوي العالم. فالشعر فيه شيء من القوة في اللغة، وفي كذلك استقامة اللسان، وفي الأدب ونحو ذلك. فهو يحث على نظم الشعر، ويريد بالشعر هنا الشعر الجائز الطيب، الخالي من الباطل، من الغلو، من المدح. يريد بالشعر الشعر البعيد عن المجون والفسق، وذكر القدود والصدور والغزل ولحو ذلك. إنما يريد بالشعر الشعر الطيب الذي يراد منه النصح والأدب، الذي فيه من الحث على الأخلاق، وعلى العلم والآداب، والجهاد في سبيل الله ونحو ذلك. فالشعر: حسنه حسن، وقبيحه قبيح. حسنه حسن، وقبيحه قبيح. وورد حديث يحسنه العلامة الألباني في السلسلة: «لأن يمتلئ جوفي قيحاً أحب إلي من أن يمتلئ شعراً». هذا الحديث يحمل على الشعر البذيء، الشعر السيء. وإلا فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما عند أبي داود، ويصححه العلامة الألباني: «إن من الشعر لحكمة». فالشعر الذي فيه من الحكم، وفيه من الآداب، وفيه من الشجاعة، فهذا ممدوح، بل عده النبي عليه الصلاة والسلام من الحكمة كما سمعت. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يحث حسان بن ثابت على هجو المشركين، ويقول له: «اهجهم وروح القدس معك». يعني: قل فيهم شعراً. لأن العرب كانت تعتني بالشعر وتتغنى به، وتسمعون عن المعلقات السبع، يعني أفضل أشعارهم كانوا يعلقونها في الكعبة، يكتبونها ويعلقونها. فعندهم الشعر من صميم أدبهم، وكانوا يتبارون بالشعر. فهذا يهجو، وذاك يهجو الآخر، وهذا يمدح، وذاك يمدح، وهكذا. فالشعر كما تقدم: حسنه حسن، وقبيحه قبيح. وقبيحه قبيح. قول الناظم: «انظم الشعر ولازم مذهبي، فالطراح الرفد في الدنيا أقل». هذا الشطر من البيت استشكل على بعضهم. وأفضل ما قيل فيه: أولاً نأخذ ألفاظه. فقوله: «فالطراح»؛ الإطراح من الطرح، وهو الترك. والرفد بكسر الراء: هو العطاء أو العطية. يعني: إعطاء مال مقابل قول شعر، فيقال له: رفد. فيقول: ترك العطية التي تعطى في الدنيا أقل من القلة. فما معنى هذا الشطر؟ كأنه يقول: إنما أمرت بملازمة مذهبي وهو قول الشعر، لأن ترك العطية يعني العطاء، ومن جملة هذا الذي يعطى عليه الشعر الحسن الذي فيه علم وفيه حكمة. لكن يقول: هذا الشعر العطاء فيه أقل. فالعطاء فيه أقل، إنما يعطى في ماذا؟ في الشعر المبتذل الذي فيه غلو، والذي فيه إطراء زائد. هذا الذي يعطي عليه الملوك. صح. هذا الذي يعطي عليه الملوك. أما مذهبي وهو قول الشعر الحسن في العلم والأدب والحكم، فهذا العطاء عليه أقل، فهو شيء مزهود فيه، لا يقرب منه إلا بعض الخواص. يعني: قول هذا النوع من الشعر مزهود فيه لمن أراد العطاء. صح. فكأنه يقول: لا يكون همك من الشعر أن تعطى مقابل ذلك الشعر، لا يكون ذلك همك. فهذا هم المداحين كذلك الذين يريدون رعاعة وحطام هذه الدنيا. وبعضهم عدل في البيت، وقال: كأن البيت يستقيم بقولنا: «انظم الشعر ولازم مذهبي في الطراح الرفد فالدنيا أقل». هكذا عدله بعضهم. قال: «انظم الشعر ولازم مذهبي في الطراح الرفد فالدنيا أقل». وعلى هذا يكون المعنى واضحاً: يعني يقول: «لازم مذهبي في الطراح الرفد»، فيكون المعنى: لازم مذهبي ومسلكي في ترك العطايا وابتغاء المال. فهمتم هذا الآن؟ ها. إذا قلنا: إن البيت هكذا يقرأ: «انظم الشعر ولازم مذهبي في الطراح الرفد فالدنيا أقل»، يعني: لازم مذهبي ومسلكي في ترك العطايا وابتغاء المال من وراء الشعر، فالدنيا أقل من أن يبذل فيها، أو يبذل فيها المرء ما وجهه وذل نفسه. ها، يعني: لا يذل نفسه فيقول شعراً باطلاً من أجل أن يعطى المال. فهذا المال فائدته قليلة لأنه يذهب بماء الوجه وحياء النفس. فهمتم هذا الآن؟ هذا معنى آخر لمن عدل في البيت، فقال: «انظم الشعر ولازم مذهبي في الطراح الرفد فالدنيا أقل». فالدنيا أقل. والمهم: إن الشاعر يحث على الشعر، ويحذر من أن يكون قصد الشاعر العطايا من السلاطين أو من الأمراء. لأن هذا كان موجوداً في زمانه، كان الشعراء يأتون عند أبواب السلاطين، فيدخلون عليهم ويمدحونهم بأشعارهم. وهذا الأمير لما يسمع هذا الشعر وهذا الإطراء وهذا المديح يفتخر ويتعالى ويفرح، فمقابل هذا الشعر يعطي هذا الشاعر شيئاً من حطام هذه الدنيا. فإذا الشاعر: هل عمل هذا الشعر لوجه الله؟ ما قاله إلا من أجل هذا العطاء. وهذا موجود إلى الزمان. هذا ربما يدخل على بعض المسؤولين أو بعض الوزراء أو بعض المدراء في مناسبة ما، فيقول فيه شعراً فيعطيه. وبعض الشعراء كذلك في آخر قصيدة يلمح إلى هذا، كأنه يطلب شيئاً من المال بأسلوب شعري. وهذا هو الذي ذمه المؤلف أو الناظم، لأن في ذلك ابتدال وإذلال للشعر. فإنك تقول الشعر من أجل الدنيا، هذا لا شك يجعلك تقول الباطل. فربما هذا الأمير أو ذاك الوزير ظالم، فأنت تجعله من أعدى الخلف، تجعله أمير المؤمنين، وهو من أفسق الفساق ومن أفجر الفجار، لأن همك ليس إحقاق الحق، وإنما ما ستعطاه من حطام هذه الدنيا. فقد نزه الناظم هذا الصنف من الناس، فقال: «فالطراح الرفد في الدنيا أقل». ماذا تفيدك هذه الدنيا، وقد أذللت نفسك وأهنت نفسك بهذا الباطل الذي قلته؟ ثم قال: «ولا يزال يمدح في الشعر وقول الشعر فهو عنوان على الفضل». وما أحسن الشعر إذا لم يبتذل. قوله: «فهو» الضمير هنا يعود على ماذا؟ يعود على الشعر. يعني: فالشعر عنوان على الفضل. والعنوان: ما يستدل به على الشيء. العنوان ما يستدل به على الشيء. وقال: عنوان الكتاب، وعنوان الدرس، يعني: ما يستدل به على الشيء. وقال له: «عنوان والفضل» أي: الفضيلة. فضيلة الشاعر وفطنته وعقله يدل عليه قوله واعتنائه بالشعر. فجعل الشعر... ثم قال: «وما أحسن الشعر». هذا يسمى أسلوب التعجب، يسمى أسلوب ماذا؟ أسلوب التعجب. مثل ما تقول: «ما أجمل السماء!». وكيف يكون إعراب «ما أجمل السماء» و«ما أحسن الشعر»؟ تقول: «ما» هنا تعجبية، وتعرب هنا مبتدأ، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. و«أحسن» فعل ماض، والفاعل هنا محذوف وجوباً، و«الشعر» مفعول به. والفعل والفاعل المحذوف والمفعول به في محل رفع خبر للمبتدأ «ما». هكذا يكون إعراب «ما أفعله»، «ما أحسن الشعر»، «ما أجمل السماء». إذا أردت أن تتعجب من شيء يكون الفعل مبنياً على الفتح: «نفعل» ماضٍ، «ما أحسن»، «ما أجمل»، ويكون ما بعده الاسم مفعولاً به فينصب. «ما أحسن الشعر» هذا يسمى تعجب. فالشاعر هنا يقول: أي شيء عجيب! فجعل الشعر حسناً مقبولاً عند العقلاء، فتعجب من ذلك. لكن قيد هذا التعجب بقوله: «إذا لم يبتذل». ومعنى «يبتذل»: يعني يمتهن، يمتهن بما تقدم من إذلال الشعر بقول الباطل والكذب. فلا يبالغ في المدح، أو يبالغ في الذم أيضاً. الشعر منهما: هو مدح، ومنهما هو ذم. فرغم إذا كره جماعة ما أو فرداً ما هجاه، والهجاء بمعنى الذم. فقال فيه ما ليس فيه. هذا أيضاً يذم. هو مثلاً ذا علم جعله جاهلاً، أو ذا نسب جعل نسبه وضيعاً. هذا أيضاً يذم. فالعدل في الشعر: أن يقال فيه الحق، أن يقال فيه الحق. أما أن يبتذل، يعني: يمتهن، ويقال بكلمات فيها من الكذب، وفيها من الفجور ونحو ذلك، فهذا هو الذي حذر منه الناظم. حذر منه الناظم. فهذا المهم: حث على قول الشعر والاعتناء بالشعر، وفيه تحذير كذلك من امتهان الشعر بقول الباطل والزور. والعلماء كثير منهم ربما صرفوا عن الشعر لأنه مشغول بما هو أفضل. ورد ذلك عن الإمام الشافعي. الإمام الشافعي يقول الشعر، لكنه ما تعمق فيه. فقال بيتاً رحمه الله يدل على هذا المعنى، فقال الإمام الشافعي: «ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد». لبيد: شاعر معروف مشهور. فهنا يقول: «ولولا الشعر بالعلماء يزري»؛ «يزري» بمعنى: ينقص من قدر العلماء. لماذا ينقص؟ لأن العلماء مشغولون بما هو أهم من الشعر، مشغولون بتحقيق المسائل الفقهية، ومشغولون بالأصول والتفسير. فانشغالهم بالشعر يضعف الجانب الآخر. فلذلك ترك كثير من العلماء يعني التعمق في الشعر. وإلا فهم ينقلون الشعر، وكذلك يقولون الشعر في كتبهم، وفي كذلك دروسهم، وفي محاضراتهم. شيخنا الوادعي رحمه الله كان يحب الشعر ويترنم به، ويأمر الطلاب أن يكتبوا. كان معنا دفاتر مثل هذه، نجعل جزءاً للرجال: مقطع حرف الهمزة، حرف الباء، حرف الجيم، وكذا. وقسم للعقيدة، وقسم للفقه، وقسم للأحاديث الضعيفة، وقسم لعلم المصطلح والحديث، وقسم للشعر. يجعل قسماً للشعر، فيقول شعراً، ثم يقول للطلاب: اكتبوا. فيكتبه الطلاب ويحفظونه. كم حفظنا لدون تعب! لأنه كان يكرر هذه الأبيات، حفظنا منه أبياتاً كثيرة، رحمه الله تعالى، ولا تزال راسخة في الذاكرة. كثير من الأشعار حفظت في مجالسه، وكلها أدب، وكلها حكمة، وكلها كذلك علم. من تلك الأشعار التي حفظناها كان دائماً يرددها: «ما حوى العلم جميعاً أحد لا، ولو ما درسه ألف سنة إنما العلم كبحر زاخر، فاتخذ من كل شيء أحسن». هذه نصيحة على شكل شعر. ماذا قال؟ وهذا مفيد لطالب العلم. قال هذا الشاعر، وكان يترنم الشيخ بهذا: «ما حوى العلم جميعاً أحد، يعني: لا أحد يجمع العلم كله. لا، ولو ما درسه ألف سنة. ولو كان يحفظ ويدرس هذا العلم ألف سنة. إنما العلم كبحر زاخر، العلم شيء واسع عظيم مثل تلك البحار الواسعة. فاتخذ من كل شيء أحسن. إن تقى من العلم ما هو أحسن، ما هو أحسن». وهكذا حفظنا منه رحمه الله. «ولو أن كل كلب عوى ألقمته حجراً، كان الحصى كل مثقال بدينار». هذا كان يقوله إذا قرئ عليه: «يا شيخ، فلان قال عن كذا وكذا، يا فلان، يا شيخ، قال الحزب الفلاني فيك كذا وكذا». والشيخ يسمع، وما تشعر إلا ويقول الشيخ: «ولو أن كل كلب عوى ألقمته حجراً، كان الحصى كل مثقال بدينار». قال الإمام البخاري رحمه... ويبدأ في درسه ويعرض عن هذا القول. وهكذا، كم كم حفظنا منه رحمه الله تعالى! كان يترنم بالأشعار. وهذا أمر طيب أن يحفظ طالب العلم ما تيسر له من الشعر. ليس مراد المؤلف أن يكون الطالب هو الشاعر، كل طالب أو كل عالم يكون شاعر، لا. وإنما يحفظ من الأشعار ما يتيسر. والحمد لله نحن في هذا الوقت قد درسنا كثيراً من تلك الأشعار. أخذنا لامية... أو قبل ذلك الحائية لابن أبي داود، وهذا شعر في العقيدة، وما يسمى بالشعر التعليمي. وأخذنا أيضاً لامية شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا أيضاً شعر وهو في العقيدة. وأخذنا كذلك منظومة الإلبيري، وهي في الأخلاق والآداب والحث على العلم، وهو شعر أيضاً. ونحن الآن في هذه المنظومة، منظومة الإلبيري رحمه الله تعالى. «ولو أن كل كلب عوى» يعني: الآن الكلاب كثيرة، صح؟ فلو كل كلب عوى، يعني: أصدر صوتاً، وقمت أنت ترميه بالحجر، فربما ما تجد الحجر الذي ترميه، فتضطر أنك تروح تشتري الحجر. لصار الحصى كل مثقال بدينار. لأن الكلاب كثيرة وهي دائماً تعوي. كم ستأخذ من حجر؟ سينتهي الحجر. إذن إذا انتهى الحجر ماذا تفعل؟ تذهب وتشتري حجراً من أجل أن ترمي... الكلاب. وهؤلاء الذين يتكلمون عليه، شبّههم بالكلاب. لو أن كل واحد... هو دائماً يقول: لو أن كل أحد تكلم علينا رددنا عليه، لا تعبنا. ولكن هؤلاء ما يستحقون. مثل الكلاب التي تعوي، هل ترميها؟ لا، ما ترميها. تركها تعوي، تركها تعوي، وأنت تمشي في طريقك، ما يضرك ذلك. ها، الكلب لو قلت هكذا ربما يحرق... ما ضعيف، ما تلقى له بال. هذا هو المعنى. هذا هو المعنى، وأشعار جميلة، ويختار الأشعار الجميلة. ولو أردتم كل أسبوع نأخذ شيئاً من هذه الأشعار التي قيدناها من ترنم الشيخ حفظه الله لفعلنا ذلك إن شاء الله. مقيد: «ما حوى العلم جميعاً أحد، لا، ولو ما درسه ألف سنة. لا، ولو ما درسه ألف سنة. إنما العلم كبحر زاخر، فاتخذ من كل شيء أحسن». وكان يردد قول الزمخشري، وإن كان هذا الرجل ضال، لكن أتى بأبيات طيبة في طلب العلم: «سهري لتنقيح العلوم ألذ لي من وصل غانية وطيب عناقي وتمايلي طرباً لحل عويصة أشهى وأحلى من مدامة ساقي وأَلَذ من نقر الفتاة لدفها نقراً لألقي الرمل عن أوراقي أأبيت سهران الدجى وتبيته نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي؟». كان يترنم بهذه الأبيات. وأيضاً كان يردد قول ذاك الذي ذهب وترك زوجته وأولاده من أجل طلب العلم، وهي قوله: «نعم خلفت عرسي يوم السير باكية، يا ابن المبارك تبكيني بغناتي خلفتها سحراً في النوم لم أرها، فطيف أدي منها شبه كياتي عرسي وأهلي وجيراني تركتهم، وجئت نحوك في تلك المفازات أخاف والله قطاع الطريق، أخاف والله قطاع الطريق بها وما أمنت بها من لدغ حياتي، إلى أمقال... إلى أمقال». رحمه الله. يا أهل مر... أمقال، أمقال، أمقال، أمقال. وإلا رميناكم بأبياتي. وقبلها أيضاً قال: «ماذا؟ اجلس لنا ساعة». قال فيها: «نعم، أمقال. وإن... وإن خص ذاك، وإلا في العشيات أبياتي». جميلة. كان دائماً يترنم بها، ويحث الله بالعلم على المقطوع والجد في طلب العلم. وهكذا الصبر على مفارقة الأهل والأولاد ونحو ذلك. فالشاهد: أن طالب العلم لا بأس أن يكون عنده حصيلة من الشعر، يحفظ الأبيات الجميلة، والأبيات التي فيها من الحكمة والأدب والأخلاق ونحو ذلك. ثم قال الناظم: «مات أهل الفضل، لم يبقَ سوى مقرف، أو من على الأصل اتكل». «مات أهل الفضل»: أهل الفضل يعني: أهل العلم والكرم والشرف. وهذا فيه من الناظم نعي لأهل زمانه، نعي لأهل زمانه. فيقول: في هذا الزمان الذي أنا فيه مات أهل الفضل وأهل العلم وأهل الجود والكرم والشرف، فلم يبقَ إلا مقرف. والمقرف هو: الرذيل، دنيء الأصل، دنيء الأصل. أو من على الأصل اتكل. إما ما عنده نسب ولا أصل. والمراد بالأصل هنا: الآباء والأجداد. أصول الشخص: آباؤه وأجداده. كما أن الفروع هم: الإخوة، الأخوة وأبناء الإخوة. والأصول: الآباء والأجداد. فهو يقول: لم يبقَ إلا دنيء الأصل، رذيل، أو كذلك متكبر مفتخر على الناس وعلى أمثاله وأترابه، فيقول: أنا من أولاد كذا وكذا، وكان أبي، وكان جدي. وهذا لا ينفع، كما قال القائل: «إن الفتى من يقول: ها أنا ذا، ليس الفتى من يقول: كان أبي». هذا هو الفتى. فالناس ينظرون إلى العمل وإلى الميدان، ما ينظرون إلى كون فلان من نسب رفيع وهو كسلان وهو فاسد مفسد. هذا ما يغني عنه شيئاً. لو كان النسب يتكل عليه، لم يكن أبو لهب ولا أبو طالب في النار، وهو عم النبي عليه الصلاة والسلام. فكما قال، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، لم يسرع به نسبه». فهذا معنى قول الشاعر: أن الإنسان لا يتكل على النسب، وإنما يكون الفخر بالأعمال والصلاح والتقى. فهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «يا صفية، يا فاطمة، أنقذوا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً». لا يأتي الناس بأعمالهم وتأتون بأنسابكم. هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا: ليس الفتى من يقول: كان أبي. «إن الفتى من يقول: ها أنا ذا، ليس الفتى من يقول: كان أبي». فهذا في زمانه، وكيف الآن في زمانه؟ نحدث ولا حرج. كم من أناس اعتمدوا على أنسابهم، خصوصاً من يزعم أنه من آل البيت، يقول: نحن جدنا سيشفع لنا لأننا من نسبه، ويتكل على هذا النسب. فتراه تاركاً للصلاة، مرتكبا للمعاصي. فهل هذا ينجو في اتكاله على نسبه؟ أبداً ما ينجو. فإذا: ليس النسب هو المنجي لك من عذاب الله، إنما هي الأعمال. فهذا الذي أراد الناظم رحمه الله. الوقت قد جاء، فنكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر