الأسباب الجالبة لنزول الأمطار

الخطبة بعنوان الأسباب الجالبة لنزول الأمطار، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 14 جمادى الآخر 1439هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أسباب انقطاع المطر وعلاج القحط بالتوحيد والتقوى

تتناول الخطبة ظاهرة تأخر نزول المطر وجفاف الآبار والمزارع، وتربط ذلك بأسباب شرعية ككفر النعم والشرك وضعف الإيمان. تستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تربط نزول البركات بالإيمان والتقوى وإخلاص العبادة لله وحده.

علاقة المعاصي ومنع الزكاة بحبس المطر ودعاء الاستسقاء

يبيّن الخطيب أن منع الزكاة والمعاصي من أعظم أسباب حبس القطر ومنع الأرزاق مستدلاً بآيات وأحاديث. يحث على التوبة والاستغفار واللجوء إلى الله مستعرضاً صفة صلاة الاستسقاء التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم عند القحط.

صلاة الاستسقاء: شروطها وآدابها وأثر التوبة الصادقة

يبيّن المقطع أن صلاة الاستسقاء سبب لنزول المطر بشرط التوبة الصادقة والإخلاص والتضرع لله. يستشهد بفعل عمر رضي الله عنه بالتوسل بدعاء العباس وفعل النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة مؤكداً أن اتباع الكتاب والسنة والتقوى مفاتيح رحمة الله.

الصلاة على النبي وبدء الأذان

يبدأ المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ثم ينتقل إلى تكبيرات الأذان والشهادتين. يشكل هذا المقطع مقدمة صوتية للخطبة أو الدرس تتضمن الأذكار الافتتاحية المعتادة.

  • 15 جمادى الآخرة 1439هـ - 02/03/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إنه لا يخفى على أحدٍ منكم ما حصل للعباد والبلاد من الضرر بتأخر الغيث من السماء، فالآبار جفَّت، والمزارع يبسَت، والثمار ذبُلَت، والأسعار غلَت. أيها المسلمون، عباد الله، هناك أسئلةٌ تدور في الذهن: لماذا لم ينزل المطر علينا؟ لماذا تمرُّ بنا السحابة الشهور بل والدهور فتمرُّ مرور الكرام، فسرعان ما تتبدَّدُ وتذهب، أو إذا نزل المطر نزل قليلاً ضعيفًا؟ أسئلة تحتاجُ منا إلى وقفات، وإلى تأمُّلٍ وتفكُّرٍ واعتبار. أيها المسلمون، عباد الله، اعلموا أن النعمة إذا شُكِرَتْ بَقَتْ وَقَرَّتْ، وإذا كُفِرَتْ ذَهَبَتْ وَفَرَّتْ، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. إن نزول المطر من السماء نعمةٌ عظيمةٌ ومنَّةٌ جليلةٌ امتنَّ الله عز وجل بها على عباده، وأشاد بها في كتابه، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فبدأت الآية بالأمر بعبادته، وختمت الآية بالتحذير من الشرك به، لتعلم أخي المسلم أن من أعظم الأسباب التي يمنُّ الله عز وجل بها على عباده هو عبادة الله عز وجل وتحقيق التوحيد له وحده، والحذر من الشرك والأنداد. فكيف بمن يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله، أو يتعلق بغير الله، أو ينذر لغير الله، أو يخاف من غير الله، أو كذلك يذبح لغير الله؟ كيف لهذا أن يُغيثه الله وأن يرحمه الله وقد جعل له الأنداد؟ قال الله عز وجل في كتابه الكريم وهو يُبين لنا سببًا آخر من أسباب نزول هذه النعمة، ألا وهو الإيمان بالله وتحقيق تقواه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. فهل حقَّقنا الإيمان الذي يتضمَّن الإيمان بالله في ربوبيَّته وألوهيته وأسمائه وصفاته؟ هل خِفنا من الله وحدَه؟ هل دعونا الله وحدَه؟ هل استغثنا بالله وحدَه؟ هل ذبحنا لله وحدَه؟ هل توكَّلنا على الله وحدَه؟ هل نذرنا لله وحدَه؟ لنسأل أنفُسنا، عباد الله، هل حققنا معاني الإيمان حتى نسعد بهذه الآية العظيمة فتتنزل علينا البركات والرحمات؟ هل حققنا التقوى لله عز وجل؟ هل عملنا بطاعة الله وامتثلنا أمر الله؟ هل اجتنبنا ما نهى الله عنه وزجر؟ فلنسأل أنفسنا، عباد الله. إن التقوى من أعظم أسباب الرزق، لا في نزول القطر فحسب، بل في غيرها من الأرزاق. قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. إنك يا عبد الله إذا اتقيت الله عز وجل لربما خصك الله بهذه النعمة، والله يكرم من يشاء من عباده. فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «بينما رجل في فلاة من الأرض إذ سمع صوتًا في سحابة: اسقِ حديقة فلان. فأفرغت ماءها في حَرَّة ذات شرَج، أي في أرض قوية ذات حجار سود وذات فتحات وقنوات متعددة. قال: فأفرغت ماءها في شَرْجٍ منها، أي في فتحة واحدة من هذه الشرَج الكثيرة. قال: فتتبَّع الرجل الماء فإذا هو برجل قائم يحول الماء بمسحاته. فقال له: ما اسمك؟ قال: اسمي فلان بن فلان، الاسم الذي سمع في السحابة. فقال هذا الرجل صاحب الحديقة للسائل: ولم تسأل عن اسمي؟ قال: سمعت صوتًا في سحابة الذي هذا ماءها يقول: اسقِ حديقة فلان، الاسم الذي ذكرت لي. فماذا تصنع؟ ماذا تصنع حتى خصصت بهذه النعمة دون غيرك من الخلق؟ فقال له صاحب الحديقة: أما إنك قد سألتني فإني أنظر إلى ما يخرج منها، إلى حصادها وما تنتجه هذه المزرعة، فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثها للفقراء والمساكين، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثًا». عرفتم السبب، أيها المسلمون، عباد الله: إنها تقوى الله، إنها إعطاء حق الله عز وجل للفقراء والمساكين. فإن الزكاة الواجبة إذا منعت منع القطر من السماء، كما عند ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام أقبل على المهاجرين فقال: «يا معشر المهاجرين، خمسٌ إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن»، وذكر من هذه الخمس وهو موضع شاهدنا: «وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا». إنها المعاصي، عباد الله، إنها المعاصي هي التي منعت عنا الأرزاق، وهي التي بسببها قست القلوب وبَعُدَت عن علام الغيوب سبحانه وتعالى. يقول ابن القيم عليه رحمة الله كما في كتابه «الجواب الكافي»: «وما استجلب رزق بمثل ترك المعاصي، بمثل ترك المعاصي». فاحذروا، عباد الله، من معاصي الله عز وجل، فهي والله من أعظم الأسباب في منع الأرزاق عنا. أيها المسلمون، عباد الله، يدعوكم ربكم عز وجل إلى التوبة والإنابة والرجوع إليه إن أردتم صلاح الأحوال. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. فارجعوا إلى الله، عباد الله، واتركوا المعاصي والذنوب، وتوبوا توبةً صادقة، واطلبوا ذلك من الله سبحانه وتعالى، فعنده الرزق، وعنده نزول الغيث، وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته، وهو الولي الحميد. ويقول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ * أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. عباد الله، إننا مضطرون، وإننا محتاجون إلى هذه النعمة، وربكم عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. فالجأوا إلى الله، عباد الله، وتضرعوا إليه أن ينعم عليكم بهذه النعمة التي بها كثرة الأرزاق والخيرات وسعادة الناس. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وهو يبين بركة هذا الماء الذي ينزل من السماء: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾. ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. فاتقوا الله، عباد الله، وتوبوا إلى الله واستغفروه. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. أسأل الله بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يتوب علينا، إنه هو التواب الرحيم. الحمد لله وحده، وصلاة وسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المؤمنون، عباد الله، فقد أخرج أبو داود في سننه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، ويصححه العلامة الألباني، أن الناس في عهد النبي عليه الصلاة والسلام قد قحطوا، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأمر بمنبر فأخرج به إلى المصلى، ثم وعد الناس يومًا، فخرج بهم حين بدا قرص الشمس، أي حين ارتفعت الشمس قدر رمح، كصلاة العيد، ثم قعد على المنبر عليه الصلاة والسلام، فكبر الله وحمده، ثم خطبهم عليه الصلاة والسلام، ثم رفع يديه يدعو عليه الصلاة والسلام، يدعو، ثم أعطى الناس ظهره ورفع يديه رفعًا شديدًا حتى بدت إبطيه، أي بياض إبطيه عليه الصلاة والسلام، يتضرع إلى الله عز وجل، ثم حول رداءه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تفاؤلًا بتحول الحال، ثم نزل عليه الصلاة والسلام من منبره واستقبل الناس، ثم صلى بهم، ثم صلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة. فإذًا هذه الحالة التي نحن فيها قد مرت بصحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذًا من الأسباب التي بها ينعم الله عز وجل على عباده بهذه النعمة صلاة الاستسقاء، وهو طلب السقيا، أن يصلي بهم من يرون فيه الخير والصلاح، من يرون فيه التقى والاتباع، من يرون فيه العلم والخشية، يصلي بهم ويدعو لهم. فهذا عمر رضي الله تعالى عنه، كما ثبت في صحيح البخاري، كان يستسقي بعم النبي عليه الصلاة والسلام، العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، فكان يقول: «اللهم إنا كنا نستسقي بك بنبيك عليه الصلاة والسلام، ونستسقي بعم نبيك صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فاسقنا». لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد مات، ولا يجوز الاستغاثة بالميت، إنها عقيدة التوحيد، فكان يستسقي بعم نبيه، أن يطلب منه الدعاء، ويتوسل إليه أن يطلب منه الدعاء لأنه حي وهو من آل بيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيُسقون. نعم، يُسقون باستسقائهم لله عز وجل. لأنه ليس القصد من الاستسقاء أن يخرج الناس ويصلون وهم لا يزالون على فسقهم وفجورهم، وهم لا يزالون في أغلال المعاصي والذنوب، لم يتوبوا ولم ينوبوا ولم يستغفروا ولم يتوبوا توبةً صادقة. فالعبرة، عباد الله، ما في القلوب من الصدق والتوبة والإقبال على الله عز وجل، ثم بعد ذلك دعاء الله سبحانه وتعالى والتضرُّع إلى الله عز وجل بصدقٍ وخشوعٍ وتوبةٍ واستغفار. هذا معنى صلاة الاستسقاء. أيها المسلمون، عباد الله، وإنا كذلك من صور الاستسقاء الاستسقاء في يوم الجمعة في آخر خطبة الجمعة أو في أثناء خطبة الجمعة. فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب على المنبر، فدخل رجلٌ، أو فدخل أعرابي، فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي وانقطعت السبل، فادعُ الله أن يغيثنا، فادعُ الله أن يغيثنا. فرفع النبي عليه الصلاة والسلام يديه ودعا، يقول ثلاثًا: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا». قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: فوالله ما كان بيننا وبين سَلْع، أي جبل في المدينة، من بنيان ولا دار، حتى طلعت قَزَعَةٌ من ورائه، فتوسطت السماء، ثم انتشرت، ثم أمطرت في الحال، ثم أمطرت، فأصبحت كذلك سَبْتًا، أي أسبوعًا كاملًا، حتى تضرر الناس منها. فجاء هذا الرجل في الجمعة الثانية فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي وانقطعت السبل، فادعُ الله أن يكفها عنا. فدعا الله: «اللهم حوالينا ولا علينا». فانقطع المطر. انظروا، يا عباد الله، إلى أثر الدعاء، وإلى أثر التضرُّع، وإلى أثر الصدق في التوبة إلى الله سبحانه وتعالى. فتوبوا إلى الله جميعًا، أيها المؤمنون، لعلكم تفلحون. واعلموا أن هذه النعمة قد بيَّن لنا ربنا عز وجل أسبابها، وقد تقدَّمت، وملخَّصها: توحيد الله عز وجل واتباع كتابه وسنَّة نبيِّه. قال الله عز وجل: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. فرحمة الله عز وجل تكون باتباع الكتاب والسنة، وبالإيمان به إيمانًا صادقًا، وبتقوى الله عز وجل، وبالاستغفار، وبالتوبة والرجوع إليه، وبترك المعاصي والذنوب، وبالاستقامة على دينه وشرعه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. وبالتضرُّع إلى الله بصلاة الاستسقاء، وبالدعاء في أي موطن وفي أي حال. ومن أجمع الأدعية التي ثبتت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا نافعًا غير ضارٍّ عاجلًا غير آجل». فأكثروا من مثل هذا الدعاء، وتضرَّعوا إلى الله في سجودكم، وفي أوقات الاستجابة، وفي يوم الجمعة، وفي صلاة الاستسقاء إن دعا إلى ذلك ولي أمر المسلمين أو من ينوب منابه، فإن هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يتوب علينا، إنه هو التواب الرحيم. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا نافعًا غير ضارٍّ عاجلًا غير آجل. اللهم إنك القائل: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾، اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك، اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك. اللهم فأرسل علينا السماء مدرارًا، اللهم فأنزل علينا السماء مدرارًا. اللهم رحمتك بعبادك المؤمنين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.