الخطبة بعنوان أحكام العشر والأضحية، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٧ ذو القعدة ١٤٣٦ هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تستعرض الخطبة فضيلة الأيام العشر الأولى من ذي الحجة مستندة إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية وآراء علماء كابن تيمية وابن القيم وابن باز، مبينة أن العمل الصالح فيها يعدل الجهاد في سبيل الله. وتدعو المسلمين إلى اغتنام هذه الأيام بالإكثار من الصيام والذكر وسائر القربات، خصوصاً يوم عرفة ويوم النحر.
يبيّن المقطع فضيلة الأضحية وكونها شعيرة عظيمة شرعت في جميع الملل وقرنها الله بالصلاة، مع بيان خلاف العلماء في وجوبها أو كونها سنة مؤكدة ورأي ابن عثيمين بالاحتياط بفعلها. كما يستعرض أحكامها من حيث نوع الحيوان وسنّه، وقسمة الأضحية وأكلها والصدقة منها والهدية، ويشترط لصحتها أن تكون من بهيمة الأنعام وبالسن المعتبر شرعًا.
يستعرض المقطع شروط صحة الأضحية من حيث سن الحيوان ووقت الذبح والسلامة من العيوب المانعة للإجزاء، مؤكداً أن المقصود هو التقوى لا مجرد اللحم والدم. كما يبين أحكاماً للمضحي كترك الأخذ من الشعر والأظافر في العشر الأول من ذي الحجة، والنهي عن بيع شيء من الأضحية أو إعطاء الجزار منها، مع جواز الأضحية عن أهل البيت.
يختتم المتحدث الخطبة بالصلاة والسلام والتسليم على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، داعياً الله أن يتقبل من المسلمين صالح الأعمال في هذه الأيام المباركة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن من فضل الله عز وجل علينا ورحمته أن شرع لنا مواسم للخيرات وأوقاتًا لمضاعفة الأجور والحسنات، لتتزكى نفوسنا وتزداد أجورنا وتغفر ذنوبنا. وإنه وبعد يومين أو ثلاثة أيام نحن على استقبال أيامٍ فاضلة من أيام الأعمال الصالحة، تلك الأيام التي ذكرها ربنا في كتابه معظِّمًا لها، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. فقد جاء عن ابن عباسٍ وغيره أن الليالي العشر هي العشر الأولى من ذي الحجة. وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من أيامٍ العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام»، يعني الأيام العشر الأولى من ذي الحجة. قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرجَ بنفسِه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». فانظروا عباد الله إلى عظيم فضل هذه الأيام، وكيف أن العمل الصالح فيها يوازي عمل ذاك المجاهد الذي خرج للجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله فلم يرجع بشيء، لا بماله ولا بنفسه. فإن هذه الأيام العمل الصالح فيها عظيم. أيها المسلمون، ولذلك ينبغي علينا معاشر المسلمين ألا نغفل عن الأعمال الصالحة فيها، فإنها قد فضلت على أيام العشر الأخير من رمضان، وليس على لياليها، كما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: العشر الأواخر من رمضان والعشر الأول من ذي الحجة، أيهما أفضل؟ أيهما أفضل؟ أيهما أفضل؟ فقال رحمه الله: الأيام الأول من ذي الحجة أفضل من أيام العشر الأخير من رمضان، وليالي العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالي العشر الأولى من ذي الحجة. وقد أيد هذا التفصيل البديع تلميذه ابن القيم عليه رحمة الله، وهكذا الشيخ ابن باز عليه رحمة الله يقول بهذا التفصيل كما في كتابه "حديث المساء". وما ذاك إلا لمنزلة هذه الأيام ولعظيم فضلها والعمل الصالح فيها. لذلك بيَّن بعض العلماء الحكمة والسبب في كون هذه الأيام أفضل من غيرها في تضاعف الأعمال، فقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى كما في كتابه "فتح الباري" أنه قال: والأظهر والله أعلم أن سبب امتياز هذه الأيام لمكان اجتماع أمهات العبادات فيها من الصلاة والصيام والصدقة والحج، وهذا لا يتأتَّى في غيرها، فإن الحج لا يكون إلا في هذه الأيام ولا يكون في غيرها. فهي الأيام عظيمة أيها المسلمون، فيها يوم عرفة وهو يوم عظيم من مواطن استجابة الدعاء، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة». وهكذا صيام يوم عرفة فيه أجر عظيم، كما في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن صيام يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والسنة الباقية». هذه الأيام فيها يوم النحر، يوم الحج الأكبر، يوم يتقرب الناسكون بذبح هداياهم وبذبح أضحيتهم تعبُّدًا لله عز وجل، وهو يوم عيد للمسلمين يفرحون فيه ويوسِّعون على أنفسهم وعلى أهاليهم، وهو يوم ذكر لله سبحانه وتعالى. هذه الأيام هي أعظم الأيام وهي أزكاها عند الله عز وجل. ألا فلنحرص عباد الله على الجد والاجتهاد فيها، وأن تُخصَّ بما لم يُخصَّ غيرها من الأيام، فنُكثر من الطاعات والعبادات والقربات. فالصيام، فالصيام أمرٌ مشروع يدخل في عموم الأعمال الصالحة، وقد ورد حديثه جديدة عن زوجته، عن بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصوم، كان يصوم التسع من ذي الحجة، ويصوم كذلك يوم الإثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وصحَّح هذا الحديث العلامة الألباني عليه رحمة الله، فلا حرج ولا جناح على من صام هذه الأيام، فهي أيامٌ فاضلة وهي من أعظم الأعمال الصالحة، أي الصيام. وهكذا نُكثر في هذه الأيام من ذكر الله عز وجل من التهليل والتسبيح والتكبير، فإن هذه الأيام أيام تكبير، كما جاء عند البخاري معلقًا ووصله غيره وهو أثر صحيح أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان إلى السوق فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. فكبروا الله عز وجل وأكثروا من ذكره في هذه الأيام الفاضلة، في هذه الأيام المباركة، لا تجعلوها كغيرها من الأيام. وإن كثيرًا من الناس، وإن كثيرًا من الناس ربما جدَّ واجتهد في العشر الأواخر من رمضان لما يعلم من فضلها ومن ليلة القدر فيها، ولكنه يغفل في هذه الأيام ولا يجتهد ولا يسابق ولا يثابر في عمل الصالحات. فإن هذه الأيام كما تقدَّم من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أفضل من أيام العشر، أي صباح هذه الأيام أفضل من صباح أيام العشر الأواخر من رمضان. فهذا يدعو أيها المسلمون إلى الجد والاجتهاد في طاعة الله عز وجل في هذه العشر. نسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من المتسابقين للخيرات ومن المتنافسين في عمل الصالحات، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنَّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، ومما ينبغي أن يتفقه فيه المرء المسلم قبل دخول هذه العشر أن يتفقه في أحكام الأضحية، وهو الذبح من بهيمة الأنعام في أيام الذبح من يوم العيد إلى آخر أيام التشريق تعبُّدًا لله عز وجل وتقربًا إليه. فهذه العبادة عبادةٌ عظيمة، من أخلص العبد لله عز وجل فيها نال من الأجور العظيمة. فقد قرن الله عز وجل هذه العبادة بالصلاة التي هي أفضل أعمال الجوارح، وذلك في موضعين من كتابه. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. والنسك هو الذبح لله عز وجل. هذه العبادة كل الأمم شُرِعت في شريعتها، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾. ففي كل ملة، في كل أمة شُرِعت هذه العبادة، عبادة الذبح لله عز وجل تقربًا إليه، وهذا فيه برهانٌ بيِّنٌ واضح على أن هذه العبادة فيها مصلحةٌ دينية ودنيوية، فلذلك شُرِعت في كل زمان وفي كل مكان وفي كل ملة. وقد اتفق وأجمع العلماء على مشروعيتها، أي مشروعية الأضحية، وإنما اختلفوا: أهي سنةٌ أو واجبة؟ فجمهور أهل العلم على أنها سنةٌ مؤكدة، وذهب جماعةٌ من المحققين على أنها واجبة. والأقرب والله أعلم ما قاله العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله كما في رسالته في أحكام الأضحية، قال: والأدلة في ذلك متكافئة، وسبيل الاحتياط ألا يدعها قادرٌ عليها، ألا يدعها قادرٌ عليها، لما فيها من تعظيم الله عز وجل وذكره، وبراءة الذمة بيقين، براءة الذمة بيقين. فيا من رزقك الله عز وجل استطاعةً وقدرة، فلا تترك هذه الشعيرة العظيمة، لا تترك هذه الشعيرة العظيمة. فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد جاء في سنته القولية والفعلية والتقريرية فعل هذه الشعيرة العظيمة. نعم، يقول أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه كما في الصحيحين: «ضحَّى النبي عليه الصلاة والسلام بكبشين، ليس بكبشٍ واحد، بكبشين أقرنين أملحين، ذبحهما بيده، سمَّى الله وكبَّر، ووضع رجله على صفاحهما». وهكذا جاء من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أنه قال: «قَسَمَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ أُضْحِيَةً فَصَارَتْ لِي جَذَعَةٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُضَحِّي بِهَا قَالَ ضَحِّ بِهَا». فانظروا إلى رسولنا عليه الصلاة والسلام، فانظروا إلى رسولنا عليه الصلاة والسلام كان يقسم الأضحية بين أصحابه، وفي هذه فائدة جليلة وسنة نبوية: أن قسمة الأضاحي والتصدق بها من أجلِّ العبادات في وقت هذه النسك العظيمة، ألا وهي الأضحية. فإن استطعت أن تتصدق بأكثر من أضحية فإن أجر ذلك عظيم. بل قد ذهب العلماء إلى أن في وقت الأضحية الأضحية أفضل من الصدقة بالمال، ولو كان المال أكثر من ثمن الأضحية، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعدل عن هذه النسيكة حتى في وقت المجاعة وحاجة الناس إلى النقود، لم يأذن لأصحابه أن يتركوها، كما جاء في حديث سلمة بن الأكوع في الصحيحين أنه أصاب الناس مجاعة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ مَعَهُ أَضْحِيَةٌ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَمَعَهُ مِنْهَا شَيْءٌ»، يريد أن يعين المحتاج فيعطى من هذه الأضحية. فدل ذلك على أن الأضحية في هذه الأيام، أي أيام الذبح، أفضل من الصدقة بثمنها، بل وبأكثر من ثمنها. ألا فأحيوا هذه الشعيرة العظيمة، وواسوا إخوانكم المسلمين بما تستطيعون، لكم الأجر. ولذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالأكل من هذه الأضحية وبالإطعام. بل قد أمر قبل ذلك ربنا عز وجل في كتابه فقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. وقال عليه الصلاة والسلام كما في حديث سلمة بن الأكوع: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا». وقوله «أطعموا» عام يشمل الصدقة ويشمل الهدية. فأمر الأضحية أوسع من أمر الصدقة، فإنها تُعطى كذلك للغني من باب الهدية حتى تتألف القلوب أو تتآلف القلوب، وحتى تتحاب القلوب. وهكذا جاء في حديث عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا». فأمر بالصدقة، فكل ذلك يدل عباد الله على عظيم هذه النسك العظيمة والشعيرة الجليلة، ألا وهي الأضحية. وأما مقدار ما يُخرج منها فقد قال بعض أهل العلم أنه يُخرج منها الثلث، ومنهم من قال النصف، وكل ذلك اجتهادات من أهل العلم، ومطلق الأحاديث يدل على مطلق التصدق ولو بشيء يسير، ولكن كلما تصدق المسلم بشيء كثير كلما كان أكثر له في الأجر. ولذلك يقول العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله: إن هذه الأضحية جمعت ثلاث فوائد: الفائدة الأولى التمتع بالأكل منها، ولذلك لم يأمر الشرع بالتصدق بها كاملة. وأما الفائدة الثانية فهو حصول الأجر والثواب وذلك بالتصدق بشيء منها. وأما الفائدة الثالثة فهو التودد إلى إخوانك المسلمين وذلك بالهدية. فلذلك شُرِع في هذه الأضحية الإدخار والتصدق والهدية، معنى كلامه رحمه الله تعالى. أيها المسلمون، عباد الله، ألا واعلموا أن الأضحية حتى تقع موقعها وحتى يصح ثوابها لا بد لها من شروطٍ أربعة: الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، فلا تصحُّ بغيرها، فلا تصحُّ بالغزال ولو كان ثمينًا، ولا تصحُّ بالأرنب أو الدجاج، وإنما تصحُّ ببهيمة الأنعام. وأما الإبل فيصحُّ الاشتراك فيه، فيشترك فيه سبعة، لما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في أمر الصحابة بالاشتراك في الإبل كما في الهدايا في الحج. وهكذا البقر يصحُّ الاشتراك فيه. أما الغنم فلا يصحُّ الاشتراك فيه، وإنما تصحُّ وتجزئ عن رجلٍ مع أهل بيته، عن رجلٍ مع أهل بيته من أولاده وزوجته أو إخوانه إن كانوا معه في البيت أو أخواته إن كن معه في البيت. وأما أن يشترك اثنان كل واحدٍ ببيته ومطبخه فهذه لا تجزئ. وهكذا من شروط الأضحية أن تكون بالسن المعتبر شرعًا، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث جابرٍ رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّانِ». والمسنَّة قال العلماء: من الإبل ما بلغت خمس سنين ودخلت في السادسة، ومن البقر ما أتمت سنتين ودخلت في الثالثة، ومن الغنم، الغنم يشمل المعز والضان، فالمعز ما أتم سنة ودخل في الثانية، والضان ما أتم ستة أشهر ودخل في السابع من الأشهر. فينبغي عليك أخي المسلم أن تتحرى هذا السن إن أردت الأجر، وإن أردت هذه الأضحية تقع موقعها، فتحَرَّ هذا السن، واسأل أهل الخبرة إن كان معك أغنام أو أردت أن تشتري أغنامًا. وهكذا من شروط الأضحية أن تكون في الوقت المحدد شرعًا. وأول وقت الأضحية عند انتهاء الخطيب أو عند انتهاء الإمام من الصلاة في يوم العيد، فإذا انتهى من الصلاة جاز لك أن تذبح، والأفضل أن تذبح بعد الخطبة لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، فقد قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث البراء في الصحيحين: «مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ». وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى». هذا هو أول وقت الأضحية. أما آخرها فالصحيح أنه في آخر أيام التشريق، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، فينتهي وقت الذبح بغروب شمس هذا اليوم. وهكذا عباد الله من شروط الأضحية أن تكون سالمة من العيوب المانعة من الإجزاء، ولله الحمد والمنة. فإن هذه العيوب قد جمعت في حديث البراء بن عازب كما عند الترمذي وغيره، وصححه العلامة الألباني والوادعي رحمهم الله تعالى، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِي: الْعَوْرَاءُ بَيِّنٌ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ بَيِّنٌ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ بَيِّنٌ عَرَجُهَا، وَالْكَسِيرُ الَّتِي لَا تَنْقَى» أي الهزيلة التي لا مخ فيها. فإن كانت الأضحية فيها علم من هذه العيوب فاحذر أن تضحي بها. قال العلماء: ويقاس على هذه العيوب وهو من القياس الأولوي ما كان أشد منها عيبًا، فلا تصح الأضحية بالعمياء وهي التي فقدت عينيها، لأن العوراء هي التي فقدت عينًا واحدة، وهكذا من باب أولى ألا تصح الأضحية بمن كسرت رجلها لأنها أولى من العرجاء البين عرجها، وهكذا المبشومة التي انتفخ بطنها فهي أشد ربما من المريضة، وهكذا قس على ذلك ما هو أعظم من هذه العيوب. فهذه عبادة، فإن الله عز وجل لا يريد منك يا عبد الله ما أنفقته في هذه الأضحية، إنما يريد منك التقوى، ويريد منك التقرب إليه وإيثار طاعته على ما سواه. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. فلذلك قال العلماء: كلما كانت الأضحية أكثر لحمًا وأحسن منظرًا وكذلك أسلم من العيوب كلما كانت أفضل. فالنبي عليه الصلاة والسلام قد ضحَّى بكبشين أملحين، قالوا: والأملح هو الذي خالط بياضه شيء من السواد، وهو غاية في الجمال. وهكذا ضحَّى بكبشٍ ينظر في سواد ويأكل في سواد ويمشي في سواد، أي حوالي عينيه سواد وحوالي رجليه سواد وحوالي كذلك فمه سواد، وهذا غاية في الجمال. فكلما كانت الأضحية أفضل وأسمن وأكمل خلقًا وأحسن منظرًا كلما كانت أفضل ثوابًا وأجرًا. فاحرصوا عباد الله على أداء هذه العبادة كما يحب الله عز وجل، كما يحب الله سبحانه وتعالى. أيها المسلمون، عباد الله، ومن أراد الأضحية فإنه يمنع من أن يأخذ شيئًا من شعر رأسه أو من شعر شاربه أو عانته أو إبطه أو أن يأخذ من أظفاره أو شيئًا من جسده، لما صح في صحيح مسلم من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعَرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ، حَتَّى يُضَحِّيَ». فإذا دخلت العشر فلا تأخذ شيئًا مما ذُكر في هذا الحديث. وكذلك جاء في صحيح مسلم: «فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَلَا مِنْ جَسَدِهِ شَيْئًا». فهكذا الجسد كذلك مما جاء في حديث أم سلمة في رواية أخرى. فإذا عباد الله، من أراد أن يضحي فليلتزم بهذا الهدي النبوي، يتجهز قبل أن تدخل هذه العشر إن أراد أن يأخذ شيئًا مما ذُكر في هذا الحديث. أيها المسلمون، عباد الله، إن من أحكام الأضحية أيضًا ألا تبيع منها شيئًا، وألا تعطي الجزار منها شيئًا، لأنك ذبحتها لله عز وجل. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي: «وَلَا تُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَلَا تُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا». قال العلماء: لأنك جعلتها لله عز وجل فتذبحها كاملة لله سبحانه وتعالى. وليس معنى هذا أن لا تعطي الجزار أُجرةً أخرى من مال أو من لحم آخر من غير لحم هذه الأضحية، فلك أن تعطي الجزار مالًا أُجرةً على ذبح هذه الأضحية، وإنما النهي عن أن تعطي الجزار من نفس هذه الأضحية. وهكذا من أحكام الأضحية عباد الله أنك كذلك تُضحِّي عنك وعن أهل بيتك، وعن أهل بيتك إن كانوا عندك في البيت، تُضحِّي عنهم. والنهي الذي جاء في حديث أم سلمة هو خاصٌ بالمُضحِّي فقط، أي بالذي اشترى هذه الأضحية، أما أهله فلا يشملهم هذا النهي لأنهم مُضحَّى عنهم وليسوا بمُضحِّين، وليسوا بمُضحِّين. وهكذا من أحكام الأضحية عباد الله أنك إذا تصدَّقت على من لم يُضحِّي فكذلك لا يشمله هذا النهي، فالمُضحَّى عنه لا يشمله هذا النهي، وإنما يشمل من ضحَّى. وهكذا ينبغي أن تعلم أنك لا تُضحِّي عن الغير وتترك الأضحية عن نفسك، فأولًا تُضحِّي عن نفسك ثم تعطي من هذه الأضحية أو تُضحِّي بأضحيةٍ أخرى عن غيرك، فهذا هو الذي ينبغي أن يعلمه المضحِّي. نسأل الله بمنِّه وكرمه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، أعداءك أعداء الدين، أعداءك أعداء الدين. اللهم ولِّ علينا خيارنا ولا تولِّ علينا شرارنا، واجعل ولايتك فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك. اللهم عليك بالحثالة الروافض المجرمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم لا ترفع لهم راية ولا تحقق لهم غاية، واجعلهم لمن بعدهم آية، يا ذا الجلال والإكرام. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.