بين يدي الساعة

المحاضرة بعنوان بين يدي الساعة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 21 جمادى الأخر 1439هـ ألقاها

أشراط الساعة ودلالاتها الإيمانية مع تقديم محاضرة "بين يدي الساعة"

يستهل الخطيب بالحديث عن علم الساعة المختص بالله وحده، مبيناً أهمية معرفة أشراطها لأربعة أسباب: دليل صدق النبوة، زيادة الإيمان، تذكير بقرب الآجل، ومعرفة التعامل مع الفتن. ثم يقدم محاضرة بعنوان "بين يدي الساعة" يلقيها الشيخان أبو همام وأبو العباس، ويثني على دار الحديث بالشحر ودورها في تخريج الدعاة والعلماء.

الساعة في القرآن: قربها وإنكار الكفار لها

استعرض الخطيب آيات قرآنية متعددة تبين قرب الساعة وإنكار الكفار لها، وأن علمها مختص بالله وحده مع التحذير من غفلة الناس عنها. ثم تحدث عن دار الدنيا كونها ممراً إلى الآخرة، وختم بالإشارة إلى حديث نبوي في صحيح البخاري عن عذر الغدر.

حديث عوف بن مالك في ست من علامات الساعة وحديث أنس في رفع العلم

يسرد المقطع إسناد ومتن حديث عوف بن مالك عن ست علامات للساعة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وأولها موته وفتح بيت المقدس. ثم ينتقل لشرح حديث أنس بن مالك في أشراط الساعة كرفع العلم وظهور الجهل، مع تعليق العلماء على اختلال الضرورات الخمس.

أشراط الساعة المتحققة: انتشار القتل، نار الحجاز، قتال التتار، واتساع المدينة ومكة

يستعرض المقطع أحاديث نبوية صحيحة تصف علامات الساعة التي تحققت عياناً، منها انتشار القتل والهرج، وقتل الرجل أهله، وخروج نار من الحجاز أضاءت أعناق الإبل ببصرة سنة 654هـ، وقتال التتار، واتساع عمران المدينة ومكة. ويؤكد المتحدث صدق النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأعلام النبوية.

  • 23 جمادى الآخرة 1439هـ - 10/03/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيا عباد الله، إخواني في الله، فإنه مما تقرر علمه وأُصِّل فهمه في ضوء أدلة الكتاب والسنة أن علم الساعة ووقوعها وحصولها مما اختص به واستأثر به ربنا جل وعلا، لم يشاركه في ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ﴾، وقال ربنا جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾. إلا أن الله جل وعلا لحكمةٍ أرادها جعل للساعة أمارات وعلامات مؤذنةً لقربها ولدنوها، قال سبحانه: ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ﴾، أي جاء علاماتها وما يدل على قرب وقوعها. عباد الله، وإنه ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يكون على معرفةٍ وبينة لأشراط الساعة، وذلك لأمورٍ عدة: أولاها أنك يا عبد الله من خلال تعرفك على أشراط الساعة تتعرف على أعظم أدلة من دلائل صدق نبوته عليه الصلاة والسلام، فها هي أشراط الساعة منها ما قد وقع، ومنها ما يزال يقع، ومنها إلى الآن لم يقع. روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: بينما أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فشكى إليه الفاقة، ثم جاءه آخر فشكى إليه قطع الطريق. قال عدي: فأعرض إلي النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «يا عدي، أرأيت الحيرة؟» فقلت: يا رسول الله، لم أرها ولكني أنبئت عنها. قال: «لئن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف أحدًا إلا الله». فقلت في نفسي: فأين دعار طي الذين سعروا في البلاد؟ ثم قال له عليه الصلاة والسلام: «يا عدي، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى». فقلت: يا رسول الله، كسرى بن هرمز؟ قال: «كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يريد من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه». هذه أمارات من أمارات الساعة. قال عدي بعدها، قال رضي الله عنه: «ولقد رأيت الظعائن ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف أحدًا إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز». ثم قال لمن في زمنه: «ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يخرج الرجل بملء كفه من ذهب أو فضة». نعم عباد الله، أشراط الساعة تعتبر من أعظم دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. ثانيًا: من خلال تعرفك على أشراط الساعة يا عبد الله ثم تجدها أمامك ماثلة رأي العين، فإن يقينك يزداد على يقين، ويزداد إيمانك إيمانًا، كما قال ربنا جل في علا: ﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾. أشراط الساعة تزيد في إيمانك يا عبد الله. ثالثًا: من خلال تعرفك على أشراط الساعة ويتحقق ذلك لديك، كان ذلك إيمانًا بقرب قيام الساعة وأنه قد آن للدنيا بالذهاب والإنصرام وبالزوال والانهيار، فيكون هذه الأشراط دافعًا لك يا عبد الله لإصلاح عملك، لأنه ما بقي من الدنيا إلا القليل، إلا النزر اليسير. رابعًا: من خلال تعرفك على أشراط الساعة يا عبد الله تكتسب أن يكون عندك إلمام كيف تواجه الأمور وكيف تواجه هذه الأشراط إذا وقعت. فأنت يا عبد الله إذا كنت في زمن فسمعت أن نهر الفرات حسر عن جبل من ذهب فلا تلتفت إليه، وإذا سمعت بخروج الدجال وما أتى من خوارق العادات فانأ عنه، وإذا سمعت بأهل الغربة والغرباء فابحث عنهم وانضم إليهم. وهكذا يا عبد الله يكون حالك، لكن هذا لا يتأتى إلا بمعرفة أشراط الساعة. وحينها قد يسأل أحدنا هذا السؤال، وحق له أن يسأل: فما هي أشراط الساعة؟ الجواب: هذا ما سنسمعه بإذن الله في هذه الليلة في هذا المسجد لهذه المحاضرة المقامة في هذا المكان والتي بعنوان «بين يدي الساعة»، والتي سيلقيها علينا أخوان فاضلان وشيخان كريمان: ألوهما الأخ الشيخ أبو همام عبد الله بن علي باسعد حفظه الله تعالى ورعاه، والأخ الشيخ أبو العباس محمد بن جبريل بن داود حفظه الله تعالى ورعاه. وهما يعتبران من خيرة إخواننا المدرسين ومن أفاضل مشايخ أهل السنة العاملين، نحسبهم كذلك والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحدًا. كما استفاد الكثيرون من عامة وخاصة من دروسهم الماتعة ومن فوائدهم الرائعة ومن توجيهاتهم ونصائحهم النافعة، والتي يشهد بها كل من درس عندهم وجلس إليهما. وهما أيضًا حفظهم الله يعتبران من أبناء هذه الدار، من دار الحديث بالشحر العامرة، والتي يشرف عليها فضيلة شيخنا المفضال الشيخ المربي أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله تعالى ورعاه، وفقه الله جل وعلا لكل ما يحبه ويرضاه، وسدد ربي على الخير خطاه. فهو حفظه الله مع بعده وغربته فإنه لا زال يشرف على هذه الدار، وكم بذل ما يملكه وما يقدر عليه في سبيل استمرارها وتواصلها، فجزاه الله خير الجزاء. هذه الدار العامرة عباد الله التي كانت ولازالت تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، كم خرجت هذه الدار من خطباء ووعاظ ومن دعاة وحفاظ ومن طلاب علم نجباء ومن مشايخ كرام. فضل هؤلاء ونفعهم لم يقتصر عليهم، بل إن علمهم ودعوتهم في شرق الدنيا وفي غربها، هنا وهناك في مجتمعاتهم وفي بلدانهم. عباد الله، إن هذا الخير ينبغي علينا جميعًا أن نحرص عليه وأن نلتف حوله، كل بقدر جهده: ذاك بوقته، وذاك بجسمه، وذاك بحضوره، وذاك بماله، وذاك بسعيه. فإن وجود هذه الدور إخواني في الله إنما في الحقيقة وجود للدين والسنة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والمحاضرة مع الشيخين الفاضلين ستكون بإذن الله بعد ركعتي السنة الراتبة. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾. إن خير الكلام كلام المولى جل جلاله، وخير الحديث حديث نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. أما بعد، فأحمد الله جل وعلا إذ يسر مثل هذه المجالس العلمية التي يتذاكر فيها كلام المولى سبحانه وتعالى وما صح من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي مثل هذه الأعمال ينبغي إنفاق الزمان، إنفاق الزمان في أبواب العلم النافع، وفهم ما جاء عن الله عز وجل وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من أعظم المقاصد الشرعية التي جاء مدحها في نصوص كثيرة في الكتاب وفي السنة. وأحمد الله جل وعلا إذ يسر هذا اللقاء في هذه الدار العامرة بالخير منذ نحو بضع وعشرين سنة، تدعو إلى التوحيد وإلى السنة وإلى اجتناب البدع وغير ذلك، وإلى بث العلم النافع وأمور كثيرة. لمسجد أسس على التقوى من أول يوم، أحق أن تقوم فيه ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾. أيها المؤمنون عباد الله، ويقوم على هذه الدار شيخ كريم فاضل من أهل العلم الذين طلبوا العلوم النافعة على من يوثق بعلمه من أهل العلم والرأي الراسخين فيه، كشيخه العلامة الفقيه المحدث الزاهد أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى المتوفى سنة 1422 للهجرة، أو شيخه العلامة الفقيه النحرير محمد بن صالح بن عثيمين المتوفى سنة 1421 للهجرة. وفي هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن وقل فيه الطلب وكسل فيه الطالب، ألا وهو الشيخ العالم الجليل أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي آل بريك حفظه الله تعالى. ويقوم ثلة من الدعاة إلى الله وطلاب العلم الفضلاء المشايخ، وهم عدد سواء في باب الإدارة أو في باب التعليم أو الإشراف أو غير ذلك، كل يقدم لنفسه عند الله ما يقدر عليه، وهذا من باب التعاون على الخير العظيم الذي يحصل به نصر هذا الدين وظهوره ويكون بعده التمكين. كالشيخ الفاضل أبي إبراهيم عوض بن عرو، جزاه الله خيرًا، والشيخ أبو أمام، وأبو هاشم، وأبو معاد، وأبو يوسف، جماعة، والأخ سالم، وغيرهم، والأخ سعد، وجماعات لا أستحصي ذكرهم في مثل هذا المجلس. وأما عن الموضوع الذي أحب أن أطرقه فهو موضوع كما جرى في العنوان: «بين يدي الساعة». فأمر الساعة عظيم، فإن الكفار أنكروا الساعة كما قال المولى جل وعلا: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ﴾. وقال الذين كفروا: ﴿ لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ﴾. فأمر الله نبيه أن يجيبهم بالقسم، وهذا لم يكن، لم يوجد في كتاب الله إلا في ثلاثة مواضع، هذا أولها: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾. وقال جل وعلا فيهم: ﴿ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن ظُنُّ إِلَّا ظَنٌّ وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾. وكذبوا رسلهم وأنبياءهم وجحدوا الساعة، فقال الله عز وجل آية عظيمة فيها التهديد العظيم، فقال جل وعلا للمكذبين للرسل الذين كذبوا رسلهم كقوم ثمود وعاد وقوم فرعون وقوم لوط، قال جل وعلا في سورة القمر في آخرها: ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴾. كما قال جل جلاله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ﴾. فأنكروا الساعة وكذبوا بها، فتوعدهم الله بالوعيد العظيم. وسألوا رسول الله كالمتعنتين، سأل كفار قريش وقالوا: يا محمد، إن كانت هناك ساعة، فهلا حددت وقت وقوعها وزمنها؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾. قطع يسير من أول النهار بين الإشراق والضحى، أو قبل الغروب في وقت الأصيل ونحوه: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾. وقال عز قائل حكيمًا: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ ﴾. فالله أجل وعلا بيّن ذلك. وقال سبحانه: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ﴾. وبيّن لنا ربنا جل جلاله في كتابه الكريم أن الساعة قريب، فقال عز قائل حكيمًا: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ﴾. فبيّن أن الساعة قد اقتربت: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ الآيات. وبيّن الله جل جلاله أن أمر الله قريب، فقال عز قائل حكيمًا: ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾. وقال عز قائل حكيمًا: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ﴾ في آيات بنحو بضع وثلاثين موضعًا من كتاب الله عز وجل فيه بيان هذه القضية. ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ﴾. آيات كثيرة في هذا الباب. وقال ربنا جل وعلا مبينًا موقف أهل الكفر وموقف المؤمنين: ﴿ اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴾. وبين الله جل وعلا أن علم الساعة مختص بالله، فقال عز قائل حكيمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ﴾ الآية. وقال عز قائل حكيمًا: ﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾. آيات كثيرة في هذا الباب. فأمر الساعة أمر عظيم، الدنيا دار مرور، أيام معدودة وساعات محدودة، ثم تأتيك ساعتك الصغرى وهي الموت، ثم الساعة الكبرى. فمن عمل صالحًا فلنفسه، ومن أساء فعليه. أيها المؤمنون عباد الله، وأحب أن أقف بهذه الدقائق مع حديث من أصح الأحاديث في هذا الباب، انفرد به الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري رحمه الله تعالى وغفر له في صحيحه في كتاب الجزية، فقال: «باب ما يُعذر من الغدر، وقوله تعالى: ﴿ وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ﴾». ثم ساق رحمه الله من طريق شيخه الحميدي، وهو أول من افتتح به صحيحه، فقال: حدثنا الحميدي، وهو عبد الله بن الزبير، الذي كان يقول فيه الإمام أحمد: «الحميدي إمام عندنا»، وكان يقول ابن أبي حاتم: «الحميدي أثبت وأعلى أصحاب ابن عيينة». والحميدي شيخ الحرم، إمام معروف، عبد الله بن الزبير الحميدي القرشي. قال: حدثنا الوليد بن مسلم، وهو من أئمة دمشق، صاحب تصانيف العظيمة، حتى قيل في تصانيفه: «من قرأ تصانيف الوليد بن مسلم الدمشقي رحمه الله صلح للقضاء»، وعنده تدليس ينتفي إذا صرح، في طبقتين، ليس هذا موضعه. قال: حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر، أحد رؤساء دمشق وأعلامها، إمام كبير. قال: حدثنا عبيد الله بن يسر، عبيد الله بن يسر بن عبيد الله، عبيد الله بن يسر الحضرمي الدمشقي، أحد أثبت الرواة عن أبي إدريس الخولاني. قال: حدثني أبو إدريس الخولاني، إمام من الأئمة دمشقي أيضًا. قال: حدثني عوف بن مالك. الإسناد كله شاميون دمشقيون، كل الإسناد من أهل الشام ومن أهل دمشق رحمهم الله، وأكثر الرواة من أئمة المغازي والسير. والمغازي معلوم أن أسانيدها فيها ضعف غالبًا إلا قليلا، كما قال العراقي في ألفيته: «في السيرة واعلم بأن السيرة تجمع ما صح وما قد أنكر، وفيها أحاديث صحيحة جمعت في أشراط الساعة، وألف فيها المصنفون والأئمة المصنفات الكثيرة في كل زمان، منهم من جمعها، ومنهم من تحرى فيها الصحة، كما هو معلوم من تصانيف أهل العلم». قال عوف بن مالك رحمه الله رضي الله عنه: «كنا في غزوة تبوك، قال: فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة له من أدم، فقال: "أعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يكون فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا تدع بيتًا من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية"، وفي رواية: "راية"، "فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا"». انتهى هذا الحديث. هذا الحديث العظيم فيه بيان ست من علامات الساعة تكون بين يدي الساعة. قال ابن المنير: خمس وقعت والسادسة لم تقع، كما في تعليقاته على صحيح البخاري. في رواية أن عوف بن مالك، في رواية ابن ماجة، قال: «جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في خباء له من أدم، خباء له من أدم، فجلست بفناء الخباء». الخباء صغير، جلس بالفناء. وفي رواية ابن أبي عاصم رحمه الله: «جئت إلى رسول الله وهو في قبة، في قبة له من أدم، فسمع ركن رجلي، فقال: من هذا؟ قلت: عوف بن مالك. قال: ادخل يا عوف بن مالك. قال: قلت: أدخل كلي؟ قال: نعم، ادخل كلك». قال الراوي في هذا الإسناد الذي هو عند البزار: قال الراوي: «وذلك لصغر الخباء، الخباء صغير فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، فعوف بن مالك قال: أدخل كلي، الخباء ضيق، أم أدخل بعضي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ادخل كلك». وغزوة تبوك وقعت في أيام حر شديد باقع على المسلمين، ذرعهم من شدة الحر والتعب، حتى سميت غزوة جيش العسرة لعسر الأمر. وأنزل الله جل وعلا فيها: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ الآية. ﴿ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ﴾ الفاض في غاية البلاغة في وصف حال المؤمنين في ذلك، في تلك الغزوة. وكانت غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة في شهر رجب قبل حجة الوداع. قال العماد ابن كثير رحمه الله: باتفاق أهل العلم ولا خلاف في ذلك. فغزوة تبوك كانت في السنة التاسعة، سنحتاج لهذا التاريخ عند الكلام على فتح بيت المقدس إن شاء الله تعالى. ثم قال صلى الله عليه وسلم ذاكرًا العلامة الأولى: وباب علامات الساعة فيه أحاديث كثيرة وجليلة. «أعدد ستًا بين يدي الساعة». وفي الباب في الصحيحين عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: «إني محدثكم حديثًا لا يحدثكموه غيري، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، ويشرب الخمر، ويقل الرجال، وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد"». هذا من أحاديث أشراط الساعة، وهو حديث عظيم. يقول الإمام بدر الدين العيني رحمه الله في كتابه النافع «عمدة القاري في شرح صحيح البخاري»: «والظاهر أن هذا الحديث فيه اختلال الضرورات الخمس التي جاءت الأديان كلها واتفقت الأمم كلها على وجوب حفظها، وهي: العقل، والدين، والنفس، والمال، والعرض. جاءت الشرائع كلها بحفظ هذه الضرورات الخمس». قال العيني بدر الدين: «والخلل فيها أو في نظامها خلل في ذلك المكان الذي تقع فيه، حينما تختل الضرورات الخمس». ثم قال: «فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم"، قال: هذا خلل في الأديان، حينما يرفع العلم ولا يكون رفعه إلا بقبض العلماء، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في الصحيحين: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"». هذا الحديث العظيم الذي استعظمته عائشة كما في صحيح مسلم، فيه بيان ذهاب العلم بذهاب العلماء، وقلة الرحلة، وقلة الطلب، فيتصدر أنصاف المتعلمين فيحدث الشر العظيم للأمة: «فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». وهذا موجود اليوم، موجود اليوم. هذا في هذا الباب يحصل الضلال العظيم بسبب مثل فتوى من لا يحسن الفتوى ولا يفقهها، ولا طلب علمًا عند من يوثق بعلمه، ولا جالس أهل العلم بالركب، ولا فقه من دينه فقهًا يؤهله إلى ما يتصدر إليه، يحصل الضرر العظيم. وفي حوادث التاريخ عبرة عظيمة في مثل هذا الموضع، وليس هذا موضع بيان مثل هذا الأمر، فيه لطائف. ثم قال رحمه الله تعالى: «والزنا» قال: «يذهب الأعراض والأموال أيضًا، وكذلك شرب الخمر يفسد العقول والأموال، فإنه بحاجة إلى مال، فتكثر الجريمة في المجتمعات التي تفعل ذلك». «ويقل الرجال» قال رحمه الله وغيره من أهل العلم: «هذا يدل على سفك الدماء بالاغتيالات وبغيرها حتى يهلك الرجال، فيكون لخمسين امرأة قيم واحد، أي رجل واحد من عصبتهن إذا احتجنا رجعنا إليه، ابن عم بعيد، ابن ابن جد، فتجد خمسين امرأة ترجع إليه». نحن ما رأينا هذا الآن في هذا الزمان، ولكنه سيقع وسيكون. ومن ذلك أيضًا ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، حتى يفيض المال وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، أو يظهر الهرج». قالوا: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: «القتل، القتل، القتل»، ثلاث مرات، يكرر النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا نراه عيانًا، انتشار القتل انتشارًا ذريعًا، نسأل الله العافية والسلام. والهرج في أصله اختلاط الأمور، يقولون: هرج ومرج، هذا الأصل في بناء الكلمة، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم خص هذا المعنى العام بالقتل. وثبت أيضًا في صحيح مسلم، والذي نفسي بيده، في حديث بهرير أيضًا: «لا يأتي زمان حتى لا يدري القاتل فيما قتل، ولا المقتول فيما قتل». وهذا أيضًا موجود، نسأل الله العافية. يغتال، فإذا سئل بعض الناس لا يدري لماذا القاتل قتل أو المقتول قتل. نسأل الله العافية والسلامة. عبث، عبث عظيم، نسأل الله العافية والسلامة. وهذا من أعلام النبوة. وثبت أيضًا في حديث أبي ذر: «لا تقوم الساعة حتى يقتل الرجل أباه، ويقتل أمه، ويقتل أخاه، ويقتل ابن أخيه». قالوا: يا رسول الله، وفينا عقولنا يومئذ؟ نحن بعقولنا ذاك اليوم عجيب، والله كيف يقتل أباه ويقتل أمه ويقتل أخاه ويقتل ابن أخيه؟ كيف الناس عصبة ويعتصب الرجل لأهله كيف يخارجهم ويقتلهم؟ عجيب، وفينا عقولنا يومئذ؟ قال: «ينزع عقول أهل ذلك الزمان حتى يكون كالهباء». الهباء هو الضوء الذي يدخل في الغرفة المظلمة فترى ذرات من الأتربة تتحرك. عقول أهل ذلك الزمان في حجم تلك الذرات المتحركة، أي عقول صغيرة. وهذا شاهدناه في العام الماضي في بعض مناطق نجد، شباب اثنان يقتلون أمهم: «يلا يا أمي، انزلي تحت». نزلت إلى وطعنها سبع طعنات. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حتى يقتل أباه ويقتل أمه ويقتل أخاه». رأينا من يقتل إخوانه ويقتل ابن أخيه. رأينا ذلك: خرجوا شاب من الشباب في نواحي نجد والقصيم، اسمه نسيت اسمه، فراحوا إلى البر، وإذا بهم يضربوه بالآل ويصوروا أنفسهم. نسأل الله العافية والسلام. هذا ابن أخيهم، تربى معهم ويلعب معهم. سبحان الله! يخرجوا حتى يقتل الرجل أباه ويقتل أمه ويقتل أخاه ويقتل ابن أخيه. نسأل الله العافية والسلام. علامات نراها عيانًا. وثبت أيضًا في صحيح مسلم من طريق سعيد بن المسيب قال: حدثني أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرة». قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله الدمشقي: «وقد وقع ذلك في زماننا هذا، في سنة أربع وخمسين وستمائة للهجرة، خرجت نار، خرجت نار في شرقي المدينة في الحرة الشرقية، نار عظيمة جدًا، أضاءت لها أعناق الإبل، لمن كان في طرف المدينة يرى أعناق الإبل بأطراف مدينة بصرة في نواحي العراح». قال رحمه الله: «وقد كتب أهل العلم في ذلك الكتب، وتواتر الأمر عند جميع أهل البلدان من الشام والحجاز وغيرها». وقد كتب وأخبرني بذلك الثقات. الإمام النووي متوفى سنة ست وسبعين وستمائة للهجرة، توفي أبو زكريا النووي رحمه الله، فيكون حضر القصة وسنه نحو عشر سنوات، سنه نحو عشر سنوات، صغير. أما أبو شامة الدمشقي فحضرها وكان شيخًا، كان شيخ أهل الحديث في بلاد الشام وهو شافعي المذهب رحمه الله، صاحب «الحوادث والبدع». قال: «كتب لنا الكاتبون على ضوء تلك النار». هذه النار خرجت، ومن صفتها أنها قليلة الحرارة وأنها طويلة في السماء، خرجت من الحرة، انفجرت ثم صارت شهرًا كاملًا تطير في السماء على مسافات بعيدة جدًا، نار عمودية، يقرب منها الإنسان يكتب على ضوءها، ليست فيها تلك الحرارة الشديدة، وبقيت شهرًا كاملًا. متى حصل هذا؟ في سنة أربع وخمسين وستمائة للهجرة، أي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنحو ستمائة وأربعين أو ستمائة وستة وأربعين سنة. الله أكبر، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم أيضًا من نفس الطريق، طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما كأن وجوههم المجان المطرقة، وحتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر». قال الإمام النووي وغيره: «وقد وقع ذلك في هذا الزمان، فقاتل المسلمون الترك، ووقعت بينهم الوقائع». المراد: التتار. والتتار يقول العلماء: بدو الترك. الترك الحضر، لكن التتار البدو. «حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر». قال الإمام النووي رحمه الله: «وقد رأينا ما وصفهم به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم عيانًا، صفة صفة كما وصفهم المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: والحرب بيننا وبينهم تكررت مرات، ونسأل الله أن يجعل العاقبة للمسلمين». انتهى كلامه. أعلام عظيمة. ومن الأعلام في هذا الباب أحاديث كثيرة، منها ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يصل بنيان المدينة إلى إهاب، أو قال: يهاب». وإهاب عبارة عن بئر ماء على بعد أميال من المدينة. يقول شيخ المشايخ الشيخ حمود بن عبد الله التويجري في كتابه «إتحاف الجماعة»: «وقد وقع ذلك في زماننا». الشيخ حمود متوفى تقريبًا سنة أربع عشرة وأربعمائة وألف للهجرة. يقول: «وقد وقع ذلك في زماننا، فاتسع بنيان مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وصل إلى تلك البئر». تساع عظيم. وثبت أيضًا علم من أعلام النبوة وهو أن بيوت مكة تعلو جبالها، ويجري الماء إلى ميناء. جاء هذا أيضًا، وهذا علم من أعلام النبوة. اليوم تذهب مكة، البيوت على الجبال، وصدق المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والماء يصل إلى داخل ميناء مخيمات، والماء موجود، كانوا يسمونه يوم التروية لأنهم ينقلون الماء من أجل الحج، المكان مقطع وصحر. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الماء يصل إليه، هذا نراه اليوم عيانًا. أحاديث الساعة أحاديث كثيرة، يراها الرائي. فكما قال الله عز وجل: ﴿ اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَن

شاركنا على