الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 92، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع مسألة علم الساعة وأدلتها من القرآن والسنة، ويبين الحكمة من إخفاء علم الساعة وهي الحث على الاستعداد لها دائمًا بعمل الصالحات. الله سبحانه وتعالى استأثر بعلمها ولم يطلع عليها أحدًا من خلقه.
المقطع يحذر من الذين يدعون علم الساعة ويحددون موعدًا لقيامها، ويذكر أمثلة على كذب هؤلاء ومحاولاتهم الخاطئة. بعض العلماء نسبوا إلى أنفسهم معرفة موعد الساعة ولكنهم أخطأوا في ذلك.
الحكمة من إخفاء الساعة هي أن ينشغل الإنسان بما ينفعه ويعد للساعة عملًا صالحًا. ينبغي على المسلم أن يركز على إعداد الأعمال الصالحة للساعة بدلًا من الانشغال بحسابها وتوقيتها.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: هل يعلم أحد متى تكون الساعة؟ وكما قلنا في هذا الفصل، سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى المسائل المتعلقة بالإيمان باليوم الآخر، ومن هذه المسائل ما يتعلق بالساعة وبأماراتها وأشراطها، فكان منه هذا السؤال: هل يعلم أحد متى تكون الساعة؟ قال رحمه الله تعالى: مجيء الساعة من مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، كما قال تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾. وهذه الآية واضحة الدلالة في أن الله سبحانه وتعالى استأثر بعلم الساعة، ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾. وقال تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغته﴾. وقول سبحانه وتعالى: ﴿قل إنما علمها عند ربي﴾ دلالة على أن علم الساعة مما اختص به الرب سبحانه وتعالى، ﴿لا يجليها لوقتها إلا هو﴾. والتجلية هو إظهار الشيء، جلاء فلان الخبر أي أظهره وأوضحه، فالتجلية بمعنى الظهور والوضوح. فقول سبحانه: ﴿لا يجليها لوقتها إلا هو﴾ فدل ذلك على أن الله عز وجل جعل علم الساعة من علمه جل في علاه. وقال تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيما أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها﴾. الآيات. وفي قوله سبحانه: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها﴾ أي متى وقتها؟ لأن المرسى بمعنى التثبيت، أرسى الشيء أثبته، فمرساها وقت ثبوتها وبقوعها، فهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، ﴿إلى ربك منتهاها﴾. قال: ولما قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: فأخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، وذكر أماراتها. وهذا الحديث من أوضح الأحاديث دلالة وبيانًا في أنه لا أحد في هذا الوجود يعلم بعلم الساعة. فقد قام جبريل عليه السلام بسؤال رسول الله عليه الصلاة والسلام عن الساعة، لم يجبه نبينا، وإنما ذكر أن المسؤول لا يزيد علمه عن علم السائل، أي كلاهما في عدم العلم سواء. ومن هؤلاء أولئك: جبريل عليه السلام وهو أعظم الملائكة منزلة، ومحمد عليه الصلاة والسلام أعظم البشر منزلة، فهؤلاء ما عظم منزلتهم، لا أحد منهم يعرف متى تقوم الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، وذكر أماراتها. قال: وزاد في رواية: في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى، وتلا آية السابقة، وهي في قول تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾. فهذه من العلوم التي غيب الله سبحانه وتعالى أمرها وعلمها، واختص به الرب جل في علاه، ما هنالك أحد ينازع الله سبحانه وتعالى في علمه بهذه الأمور. إذن علم الساعة من علوم الغيب، وما الحكم من ذلك؟ الحكم من ذلك، إخواني في الله، مسألة تربوية عظيمة، عندما أخفى ربنا سبحانه وتعالى علم الساعة، يجعل هذا الإنسان يكون دائمًا وأبدًا منهمكًا ومنشغلًا بعبادة ربه سبحانه وتعالى، لأن علم الساعة في علم المجهول، الله أعلم متى تقع، فلجهلك بوقتها يجعلك يا عبد الله مستعدًا لها في كل آن وفي كل حين. فلازلت تعمل وتعمل وتعمل، وكلما اعتراك ضعف أو اعتراك نسيان، ثم تذكرت قرب وقوع هذا اليوم، كان ذلك من أعظم الدواعي إلى أنك تنشغل بالساعة، فهذا إخواني فيها الحكمة من وراء إخفائها: العمل لهذا اليوم. ومن هنا جاء في الحديث الصحيح، عندما جاء ذلك الرجل يسأل، قال: «يا رسول الله متى الساعة؟ متى الساعة؟» فالساعة يا عبد الله لا يعترف بوقتها، ولهذا ماذا قال نبينا؟ أشار إلى هذا السائل إلى ما هو أهم من معرفة وقتها، لأن الانشغال بهذا لا يمكن لأحد أن يصل إليه، فقال له نبينا: «وما أعددت لها؟ وما أعددت لها؟» فالعبرة يا عبد الله في هذا اليوم الإعداد للساعة والقيامة، ما يكون من عملك الصالح. خلاصة الأمر، إخواني في الله، أن علم الساعة من أمور الغيب، وجد أناس إخواني في الله تقحموا هذا الباب، وأرادوا أن يصلوا إلى إدراك علم الساعة، وهؤلاء من طوائف شتى، من اليهود ومن النصارى، وأكلوا بعقيدتهم. وبعض اليهود يزعم أن عمر الدنيا أربعة آلاف سنة، والنصارى أضافوا ألف سنة، فقالوا: عمر الدنيا خمسة آلاف سنة، ثم يعتريها الفناء، ثم تقوم الساعة. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أوصاف هؤلاء ممن انشغل بذكر مواعيد ومواقيت لقيام الساعة، فقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى -كما في مجموع الفتاوى-: «فغالبهم كاذبون مفترون»، أي غالب هؤلاء ممن ظهر للناس بأرقام والتواريخ، غالب هؤلاء من الكذبة وممن افترى على الله كذبًا. وأذكر في سنوات ليست ببعيدة، عن بعض النصارى -بعض فرقهم طبعًا- أن قام أحد كبرائهم وزعم أن الساعة ستقوم في سنة قريبة معاصرة، فإذ بأتباعه يصدقون خبره، وقد استعدوا للساعة أيما استعداد، حيث أنهم تركوا كل ما كانوا يملكونه، إما صدقة وإما بيعًا وإما عطاء قربة لربهم وقربة لله. فأجاء الموعد المحدد، وهم ينتظرون نزول الساعة، فإذا به مرت تلكم اللحظة، ثم اللحظات، ومرت الأيام والأسابيع والشهور والسنوات، وما قامت الساعة أبدًا، وما قامت الساعة. وحتى قيل: إن بعد ذلك قاموا هؤلاء وتشاجروا فيما بينهم، كل يريد أن يسترد ملكه الذي قد قسمه وزعه. فهؤلاء منها الكذب والدجل والافتراء، أنهم يدعون علم الساعة، ولا زالت المحاولات، ولا زالت المحاولات تُمنى من بعض الناس ممن يدعي أنه يستطيع أن يصل إلى علم الساعة، ولكن غالب هؤلاء -كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى- غالب هؤلاء من الدجاجلة ومن الكذبة ومن المضلين ومن المفترين. إنما هي التخرصات، تخرصات لربما يريد أن يبحك على أتباعه، أو لربما يريد أن يشتهر بين الناس. لكن هنا ملاحظة في عبارة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أنه ذكر الغالبية، ما ذكر الكلية، الذي يدعي علم الساعة، كان الأصل أن يحكم عليهم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بأنهم جميعًا كاذبون مفترون، لكن ما حكم على الجميع بالكذب، وإنما قال: الأغلبية. من الذي يفهم من كلام شيخ الإسلام؟ يفهم من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على أن هناك أناسًا، طائفة من الناس، من لربما دخلوا في هذا المضمار، وذلك بذكر تواريخ لقيام الساعة، وهو لا يشملهم وصف الكذب، ولا يشملهم وصف الافتراء. وهؤلاء نعم، أناس ينسبون إلى العلم والدين، وجد من بعض العلماء من أئمة الإسلام من زلت قدمه، ودخل في هذا الباب، وأخذ يحدد بعض التواريخ التي تقوم عليها الساعة. من أمثال الإمام السهيلي رحمه الله تعالى، إذ أنه قام بتجميع الحروف المقطعة الموجودة في أوائل السور، فبعدما جمعها قام بطرح المكرر منها، ثم حساب هذه الحروف بحساب الجمل، ثم خلص إلى أن قيام الساعة بعد مئات السنين فقط. وهذه كانت المحاولة خاطئة، بدليل أن هذه الدنيا قد عاش الناس بعدها بمئات السنين، وما جاء الموعد الذي يذكره. وهكذا من أمثال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى، كذلك له محاولة في هذا الباب، بل ألف مؤلفًا، رسالة سماها «الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف»، وخلص فيه رحمه الله تعالى إلى أن عمر هذه الأمة المحمدية أكثر من ألف سنة، لكن لا تزد عن خمسمائة سنة، أي أقصى حد لهذه الأمة ألف وخمسمائة سنة، أي إذا جاء ألف وخمسمائة سنة من الهجرة، هذا يكون قيام الساعة. ونحن في عام كامل الآن ألف وأربعمائة وسبعة وستين، باقي عشرات السنوات. وهل هذا الكلام صحيح؟ لا، ليس بصحيح، بدليل أين أمارات الساعة؟ أين علامات الساعة؟ علامات الصغرى لم تظهر، لم يكتمل ظهورها، أعني نعم ظهرت بعضها، لكن البعض الآخر ما ظهر، الملاحم هذه تعتبر من أشراط الساعة الصغرى، لأن لم تظهر، بل هي بعيدة. لو أردنا أن ننظر بإنصاف، بعضها بعيد، وهي الملاحم العظمى تكون بين أهل الإسلام وبين غيرهم من أعداء الدين، كأهل الروم والنصارى، هذه علامات الصغرى، فضلًا عن علامات الكبرى، لأن لم يظهر منها شيء، سيأتينا ما يتعلق بالدجال والدابة ونزول عيسى عليه السلام. وهذا يحتاج إلى عشرات السنين. فلهذا خطأ العلماء السيوطي رحمه الله تعالى في هذه المسألة، وأما ما خلص إليه، كما رد عليه من كان في زمنه، كأمثال السخاوي رحمه الله، ومن كان بعد زمنه، كالأمير الصنعاني، وجماعة من أهل العلم، خطأوا السيوطي بهذا، وأن هذا خطأ باطل، ما ينبغي الإقدام عليه. لكن يبقى السؤال: كيف يقول -طبعًا غير هؤلاء أكثر- إنما أذكر بعض النماذج من أئمة العلم الذين حاولوا أن يكتشفوا عدد أو وقت قيام الساعة؟ وحتى نعرف عبارة شيخ الإسلام، لماذا ذكر الغالبية ولم يذكر الكلية؟ يوجد من هم من أئمة الدين من حاول أن يحدد ويجرب بذكر تواريخ في علم الساعة، لكنهم أخطأوا. طبعًا قد يقول: وكيف هؤلاء دخلوا في هذا المضمار، والنصوص واضحة في هذا الباب؟ هؤلاء يستدلون ببعض الأدلة، هذا الذي جعلهم يشتهدون في هذا الباب، أنه وقفوا على بعض الأدلة، لكن الأدلة التي وقفوا عليها، إما أن بعضها أدلة صريحة، لكنها غير صحيحة، كحديث أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة. نعم، هذا أحاديث مروية، لكن كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «المنار»: «وأن هذا من أبين الكذب»، هذا من الكذب الصراح، أن تحدد عمر الدنيا بسبعة آلاف، هذه أحاديث مروية. فبعض هؤلاء ما يهتم بتنقية الأحاديث، فيظفر بأي حديث، ثم يبني عليه مسائل. فأولًا، لو ربما ظفروا مثل هذه الأحاديث، وهي أحاديث صريحة، لكن غير صحيحة. أو بعضها بالعكس، وهي أن تكون أحاديث صحيحة، لكن غير صريحة، كما جاء في الصحيح: أن نبينا سئل عن الساعة، فنظر إلى أصغر القوم، قال: «إن يعش هذا مئة سنة، وقد قامت الساعة»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فهذا ليس معناه أن نبينا أراد أن تقوم الساعة على الكل، وإنما قيام الساعة بمعنى الساعة الصغرى، لأن من مات قامت قيامته، من مات قامت قيامته. وهكذا يقول نبينا، بعدما صلى العشاء، كما جاء في الصحيحين، حيث ابن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه عليه الصلاة والسلام صلى العشاء قبل موته، ثم قال عليه الصلاة والسلام مبينًا هذا الحديث الذي التبس أمره على بعض هؤلاء من أهل العلم، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد». الحديث في الصحيحين، فهذا الحديث بعض من استظهر على أن مائة سنة قيام الساعة، لا يقصد هذا، وإنما أراد نبينا بقيام لا يبقى على ظهر الأرض أحد، أي ممن عاش في هذا الزمن، فخطابه نبينا خطاب لمن حضر هذا المجلس، أنه لا يبقى أحد منكم بعد مائة سنة، مائة سنة له حسب من كلامه، إلى مائة سنة، كل من حضر هذا المجلس، وممن سمع كلامه في ذاك الزمان، لن يبقى على ظهر الأرض، تأتيه المنية، أي أن انخرام القرن يكون بهذه المدة فقط، وليس معنى انخرام الكون، وأن ساعة تقوم. فمثل هذه الأحاديث هي صحيحة، لكن غير صريحة بقيام الساعة، فظفر منها من ظفر، واحتج أنه يستظهر على أن الساعة قريبة، وأن تحسب. وبعضهم استظهر من قوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، كهاتين، وذكر أن نسبة التفاوت بين الأصبعين هي الفترة الباقية للأمة. واجتهادات كثيرة اجتهدها بعض العلماء خروجًا بهذه الأحاديث، فاجتهدوا في معرفة متى تقام الساعة، وكل إخواننا في الله من الأفهام المغلوطة. ولو أنهم اكتفوا بما في الكتاب والسنة، وبسؤال جبريل نبينا، عندما قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، فنبينا صلوات ربه والسلام عليه لا يعلم بها، فما بأولى وأولى من كان دونه عليه الصلاة والسلام لا يعرف بها. وأكثر ما يرد على أمثال هؤلاء من العلماء، ننظر إلى واقع الناس، ها هي الفترات قد مضت، التاريخ الأول والثاني والثالث والراجعوا هؤلاء والساعة لم تقم، بل كذلك الأمارات لم تظهر إلى الآن كما ذكرنا، وكما سيأتي معنا. فدل ذاك إخواني في الله على أن أحدًا لا ينشغل بمثل هذه العلوم. ولا زالت كذلك الفرقة البهائية ظهرت في هذا الأزمان، بالرغم أنها تسعة عشر، المشهور المعروف، وأخذوا يضربون حسابات أرباع في أخماس، وأخماس في أسداس، حتى يخلصون إلى أحاديث فيها قيام الساعة، هي محاولة موجودة، لكن ستبوء بالفصل، إذ أن هذا من علم الغيب، ولن يهتدي أحد لعلم الساعة. والساعة يا عبد الله إنما ربنا -كما مر معنا- أخفاها لحكمة، أخفاها لحكمة سبحانه وتعالى، أن ننشغل بما ينفعنا، لا ننشغل بحسابها، وإنما ننشغل كما قال نبيه: «بماذا أعددت لها؟ أعدد لها يا عبد الله عملًا، لا تعد لها حسابًا». فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.