الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 124، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الإيمان بالعلم هو المرتبة الأولى من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر، ويشمل الإيمان بأن علم الله شامل وأزلي. هذا الإيمان يؤدي إلى الرضا بقضاء الله وعدم الاعتقاد بالصدفة.
اختلف العلماء في حكم أولاد المشركين الذين ماتوا قبل البلوغ، حيث تراوحت آراؤهم بين اعتبارهم خدمًا لأهل الجنة أو أنهم في الجنة أو النار أو يعاملون معاملة أهل الفترة. كل فريق استدل بأدلة من الأحاديث النبوية.
الحديث النبوي حول عمل أهل الجنة والنار يوضح أن من يعمل بعمل أهل الجنة ظاهريًا لكن باطنه مخالف، قد يظهر الله عواره في آخر حياته. يشدد على أهمية العمل الصالح والإيمان بالقدر.
تم اختتام الحديث عن المرتبة الأولى من مراتب الإيمان بالقدر، والإشارة إلى استمرار الحديث عن المرتبة الثانية في الغد. تضمن الدعاء بالنفع بما قيل والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال حوض الحكمي رحمه الله تعالى: ما دليل المرتبة الأولى، وهي الإيمان بالعلم؟ مر معنا، إخواني في الله، ما يتعلق بالإيمان بالقضاء والقدر، وأن الإيمان به إنما يكون بالإيمان بالمراتب الأربع، كما قال العلامة ابن قيم رحمه الله تعالى: فمن لم يؤمن بها لم يؤمن بالقدر. وأولى مراتب الإيمان بالقدر هو الإيمان بالعلم. وقال مؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل المرتبة الأولى، وهي الإيمان بالعلم؟ والعلم الذي نعنيه في باب القضاء والقدر هو الإيمان بعلم الله الأزلي جل في علاه، لأن الله علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، جل في علاه سبحانه. قال مؤلف رحمه الله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، ما من شيء يغيب عن الله، يغيب عن علم سبحانه وتعالى. وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآيات. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. علم الله واسع جل في علاه، علم الله واسع قد أحاط بكل شيء علم جل في علاه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. الله أعلم بمصالح عباده سبحانه وتعالى. فهذه الآيات، إخواني في الله، أوردها وسردها لنا المؤلف رحمه الله تعالى للدلالة على بيان علم الله الواسع الشامل الذي أحاط بكل شيء. فباب القدر يقوم على هذه الركيزة المهمة. أما تعلم أن قضاء الله وقدره، قضاء الله وقدره إنما يكمن بعلمه السابق سبحانه وتعالى. ومن هنا، يا إخواني في الله، تأتينا مسألة مهمة: ما هي الفائدة إذا تعرفنا على هذه المرتبة، معرفتنا لمرتبة علم الله السابق، وأنه ما من شيء يقع أو وقع أو سيقع إلا كان بعلم الله؟ نعلم أولًا، إخواني في الله، أن ما هنالك شيء يسمى صدفة، ما هنالك شيء يسمى صدفة كما يدعيه علماء الطبيعة، ومن أنكر وجود الرب والخالق، ومن تأثر بالأفكار الغربية والإلحادية، من أن الأشياء قد تقع صدفة من غير تدبير ومن غير ترتيب. هذا، نعم، على قول الملاحدة والكفرة والزنادقة. أما على قول أهل الإسلام: لا، فما من شيء إلا يقع بعلم الله، علم الله به فأراده فوقع منه جل في علاه. فما عندنا صدفة، وما عندنا شيء. الأمر الثالث، مما يستفاد من مسألة العلم، إخواني في الله: أن تعلم، يا عبد الله، إذا قرر في ذهنك وفي عقلك وفي صميم عقيدتك أن ما من شيء إلا يقع بعلم الله، ارضَ، يا عبد الله، بما يقع. ارضَ كما قلنا، إخواني في الله، مسألة القضاء والقدر ليست فقط مسألة علمية بحتة تكون في الأذهان، لا، لا بد أن يكون لها واقع ملموس، أثر في سلوكنا. إذا علمت، يا عبد الله، أن ما من شيء وقع في علم الله، إذا اعتقد هذا، اعتقد، يا عبد الله، إذا ما ابتلاك الله ببلية أو أصبت بمصيبة من فقر أو مرض أو مشقة أو آفة أو عاهة فيك أو في نفسك أو في أهلك، نقص في الأموال والأنفس والثمرات وفي الأرزاق، لا يتخلى لك الشك في حالة الضعف: أين الله؟ لا، الله يعلم بهذا، هو الذي علم، هو الذي أراد، وهو الذي قدر وشاء سبحانه وتعالى. هذا مثل، إخواني في الله، لربما قد ينقص عند بعضنا عند وصولنا إلى المحك وكثرة المصائب، لربما واحد منا يتهاون في هذا. المبتلى، يا عبد الله، اعلم أن ما من شيء إلا ووقع بعلم الله. ما أصبت به من مصيبة هو من علم الله فيك وفي أهلك، هو بعلم الله. ما يقع في بلاد المسلمين من كوارث ومصائب هو بعلم الله سبحانه وتعالى. هذا أمر، يا عبد الله، مهم جدًا، يسليك في كثير من مصائبك ومما تمر به الأمة، أفرادًا وأعيانًا ومجتمعات. فهذا، إخواني في الله، ينبغي أن يكون له أثر، أثر في سلوكنا وفي أخلاقنا وفي سيرنا إلى الله سبحانه وتعالى. أن ما من شيء إلا ووقع بعلم الله. أرزاق توزع، تقسم على العباد بعلم الله. قد يقول قائل: سبحان الله، فلان، فلان الثري، تاجر، وما شاء الله، الأرزاق تغدق عليه، تغدق، ما شاء الله، وفي قلبه شيء، كيف يعني هذا ثري يعطى إلى متى؟ وبينما ينظر في نفسه وفي حال بعض الفقراء المساكين المعوزين، الذي ما عنده ما يسد به رمقه، وتتكالب عليه الأمراض والآفات، نكبة بعد نكبة، يقول: سبحان الله، كيف؟ لا تقول: كيف؟ قل: بعلم الله، يا عبد الله، لأسباب، أسباب علمها من علمها وجهلها من جهلها. وقد مر معنا أن باب القضاء والقدر يقوم ويعود إلى حكمة الله، فلله الحكمة البالغة سبحانه وتعالى، يضع الأشياء لغايات حميدة ولغايات محمودة. فما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى يسعفنا في هذا الباب من الدلالة على أن من الإيمان بالقضاء والقدر الإيمان بمرتبة العلم. ثم سرد لنا المؤلف رحمه الله تعالى أحاديث من السنة النبوية في هذا الباب، في بيان أن الله سبحانه وتعالى علم ما كان وما سيكون. قال: «وفي الصحيح، قال رجل: يا رسول الله، أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، عرف هذا. نحن في الدنيا لا زلنا نعيش على ظهرها، وربنا سبحانه وتعالى قد علم بمآلات الأمور، علم بمآلات البشرية، من هو في النار ومن هو في الجنة». فقالوا: «يا رسول الله، أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم. قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: كل يعمل لما خلق له أو لما يسير له». فالشاهد أن الله قد علم بمآلات البشر، فهذا من علم الله السابق سبحانه وتعالى. قال: «وفيه، سئل نبينا صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين». الله أعلم بما كانوا عاملين. فربنا عالم بهم. ومسألة، إخواني في الله، ومسألة أولاد المشركين مما وقع فيها الخلاف بين أهل العلم، بين أهل السنة خاصة وبين غيرهم من الطوائف. ما هو الحكم في أولاد المشركين؟ وأنظار العلماء اختلفت، وذلك تابعًا للأدلة المروية في هذا الباب. فمن أهل العلم من ذهب إلى أن أولاد المشركين يكونون خدمًا لأهل الجنة، نعم، يدخلون الجنة، لكن في منزلة دون أهل الإسلام. فهؤلاء من كان من أولاد المشركين يدخلون الجنة، لكن يكون خادمًا لأهل الجنة. وهذا القول قال به طائفة، وقال: نسبه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى طوائف من الحنابلة، وقال به بعض المعاصرين من العلماء، وهم استدلوا بهذه المسألة بهذا الحكم على حديث رواه البزار، رواه البزار وغيره، من أن نبينا سئل عن أولاد المشركين، فقال: «هم خدم أهل الجنة». ولكن هذا الحديث فيه نظر، وإن كان بعض العلماء كذلك يحسن هذا الحديث، إلا أن فيه نظر في بعض رواته، وتوقف فيه جماعة من أهل العلم. وهذه مسألة، كما قلنا، أولاد المشركين اختلف فيها العلماء. ابن القيم رحمه الله تعالى أوصل المذاهب إلى ثمانية مذاهب، إلى ثمانية مذاهب تدور حول الحكم على أولاد المشركين. وابن حجر أوصل إلى عشرة أقوال منها هذا القول: أنهم خدم لأهل الجنة. لكن هذا الحكم يدور على صحة الحديث. وكما قلنا، نسبه شيخ الإسلام إلى جماعة من العلماء. قول ثاني، منه من قال: أنهم في النار، واستدل بحديث، لكن لا يصح، لأن النبي قال: «هم تبع لآبائهم»، هم تبع لآبائهم. لكن هذا الحكم ما صح. القول الثالث، ومن الأقوال القوية في هذا الباب، قول من قال: أنهم في الجنة، أولاد المشركين أنهم في الجنة. والذي نعنيه وتأمر لهذه المسألة، الذي أعنيه بمسألة أولاد المشركين: ولد مات قبل التمييز والبلوغ، وكان لأبوين كافرين، يهوديين، نصارى، مجوسيين، وثنيين، ما دعاهم على الكفر. فأولادهم ماتوا قبل سن البلوغ، سن التمييز، ما حكمهم؟ قول من يقول: بأنهم خدم لأهل الجنة. قول ثاني، من قال: في النار. وأضعف قول الثالي، من قال: هم في الجنة. واستدل من استدل بهذا القول على ما جاء، في البخاري، من حديث سمرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخًا كبيرًا، وحوله الولدان، فقيل: هذا إبراهيم عليه السلام، وأما الولدان حوله، فهم ولدان الجنة، ممن مات قبل ممن مات على الفطرة. وكل مولود مات على الفطرة، هكذا في الحديث. وكل مولود مات على الفطرة، أي ماتوا صغارًا على الفطرة. فقالوا: «يا رسول الله، لما سمعوا أن النبي حكم على هؤلاء الولدان بأنهم كل من مات على الفطرة، قيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين». فأقر النبي أن أولاد المشركين من هؤلاء، ممن كان حول إبراهيم عليه السلام، وحكمهم الجنة. وهذا قول به جماعة من أهل العلم، ذهب إليه ابن حزم، والقرطبي، والنووي، ورجح ذلك، وجزم به الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، وقال به جماعة من العلماء، كشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وترجيح الشيخ العلامة ابن باز رحمهم الله. فذهبوا جماعة إلى هذا القول، لصراحة الدليل في هذا الباب، في حديث أنهم من من مات قبل الفطرة، أو مات على الفطرة. القول الثالث، أو الرابع في هذا الباب، من أقوال قوية، هو من قال: أنهم من أهل الفترة، يعاملون معاملة أهل الفترة، يمتحنون يوم القيامة، يمتحنون. وبعد الامتحان ينظر فيهم، فمنهم من يكون من أهل الجنة، ومنهم من يكون من أهل النار، يعاملون كما جاء في حديث «الأسد» سريع في أمر الجماعة، وهم: الأعرابي، والأصم، والمجنون، والذي مات في الفطرة. هؤلاء جماعة لم تصلهم الحجة، فيمتحنهم الله يوم القيامة، ويأخذ عليهم العهود والمواثيق: أنهم إذا جاءتهم رسلي تؤمنوا بي، قالوا: بلى. فيرسل ربنا إليهم رسولًا: أن يدخلوا النار، هذا يوم القيامة، أن يدخلوا النار. فمن دخل النار وجدها بردًا وسلامًا، ومن أبى أخذ به إلى النار. فهؤلاء يمتحنون. فألحق جماعة من أهل العلم أولاد المشركين، ألحقوهم بهؤلاء، أن أولاد المشركين مع أهل الفترة، مع الأصم، ومع الأعرابي، الذي جاءته النبوة في سن الكبر، والعتي. هؤلاء يدخلون، يلحق بهم أولاد المشركين، يمتحنون يوم القيامة، بهذا، ويؤمرون بالدخول في النار، فإن دخلوها طاعة لربهم وجدوها بردًا وسلامًا، ومن أبى فإنه مآله إلى النار. وهذا القول قال به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، من أن أولاد المشركين يعاملون معاملة أهل الفترة، بأن يمتحنون، لا نحكم عليهم لا بجنة ولا بنار. وكما قال ابن القيم: «الله أعلم بما كانوا به عاملين». قال به شيخ الإسلام، ابن القيم، ابن كثير رحمهم الله تعالى على هذا القول. فهذه مسألة، إخواني في الله، فيما يتعلق بأولاد المشركين. قال رحمه الله تعالى: «وفي مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم». والحديث في مسلم، عن عائشة، يدلك على علم الله السابق. ربنا خلق الخلق، وعلم من هو من أهل النار، ومن هو من أهل الجنة. قال: «وإن الرجل لا يعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة». قال: «وفيه، قال: إن الرجل لا يعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار». وإن الرجل لا يعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة. والحديث في الصحيحين، عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه. وهذا الحديث، إخواني في الله، من الأحاديث المهمة التي ينبغي أن نستحضر فائدة مهمة بها، وهو أن الكثير منا لربما يسمع لهذا الحديث مختصرًا، وهو أن النبي قال في هذا الحديث: «إن الرجل لا يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها». يدخل النار. هذه المسألة لربما هذا الحديث، وهذا المقطع من الأثر أشكل عند كثير من الناس: كيف هذا؟ ومن هنا تهاون وتوانى الكثير من الخلق بالأعمال، قالوا: يا عبد الله، اسمع لهذا الحديث، الأمور بيد الله، أنا ماذا أفعل؟ فائدة أنا أعمل وأعمل وأعمل. في الحديث: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ما بقي إلا القليل، وتأتيه منيته فيدخل الجنة». فملك وليف، الذي يكون، يسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار. يقول: ها، ليش الفائدة من أعمل إذا الأمور بيد الله؟ والتقليل بقدر الله، إن شاء الله هداني، وإن شاء الله أخذ بناصيتي إلى ما أراد. هل هذا الفهم صحيح؟ لا، يا عبد الله. هذا الحديث الذي ذكره المؤلف بهذه الزيادة مهم جدًا، له أثر تربوي وسلوكي. «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس»، هذا مهم جدًا، هذا مهم جدًا. ليس المقصود بالحديث أن رجلًا عابدًا زاهدًا تقيًا ورعًا منيبًا لله جل وعلا يعمل الأعمال الصالحة صادقًا، وظاهرًا وباطنًا، ثم يهوى في آخر حياته. ليس هذا القصد، لا. وإنما الحديث: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس»، دلالة على أن هذا الرجل نعم عمل أعمالًا صالحة، لكن فيما يظهر للناس، لكن باطنه، خبيئته على خلاف ذلك. إذا لقى الذين آمنوا قال: «آمنا». وإذا خلى إلى شياطينهم، وخلى بعضهم إلى بعض، قال: «إن معكم إنما نحن مستهزئون». يخرج للناس بهيئة الصلاح، يتظاهر بتظاهر العباد الزهاد، لكن إذا خلى مع شاكلته ومع شياطينه، أبطل الكفر والشرك والمعاصي والأوزار. فهذا الرجل، وإن خدع الناس لفترة من الزمن، إلا أن الله سيفضحه في آخر حياته، يفضحه في آخر حياته، بأن يظهر الله عواره قبل موته. يستهزئ بالناس سنوات، خرج للناس بهيئة الصلاح والتقى، ولربما ورع، ولربما رغب، وزهد، وهو في نفسه مع شياطينه يفعل الشرور، الكفريات والشركيات، والله أعلم بما يبطنه من الهوى والذل والمعاصي. فهذا يعيش فترة من الزمن يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، لكن هل يستمر به الحال؟ لا. حتى إذا كان بينه وبين منيته مقدار الشبر، مقدار ذراع، يسبق عليه الكتاب، يظهر حقيقة، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. هذا مصيره، هذا حاله. بهذا يفهم هذا الحديث. وهكذا ما يتعلم بسبب ورود الحديث ووروده، يزاح هذا الإشكال. فالشاهد من هذا، إخواني في الله، أن الله سبحانه وتعالى كذلك قد علم ما عليه الناس. وقال عليه الصلاة والسلام: «ما منكم من نفس إلا وقد علم الله منزلها في الجنة والنار». فالشاهد: علم الله منزلها. وربنا، وربنا علم الله منازل العباد، وهم في أصلاب آبائهم، علم الله منازل العباد وهم في الجنة، علم الله منازل وهذا بعلم الله السابق سبحانه وتعالى. قال: «فقالوا: يا رسول الله، ففيم نعمل؟ أفلا نتكل؟». وهذه شبهة لربما تجري عند بعض النفوس: إذا كان الأمر قد فرغ منه، فلماذا نعمل؟ إذا نتكل على ما كتب. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». فربنا أمر بالعمل، ونبينا أمر بالعمل. فتعمل، اعمل، يا عبد الله، عملك. عملك هو الذي سيوضح لك المسير. ولهذا ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من كان من أهل الجنة عمل بعمل أهل الجنة، ومن كان من أهل النار عمل بعمل أهل النار». فبعض الناس، إخواني في الله، ربما يضطرب عليه الفكر، يقول: دعوني، فالأمر بمكتوب، طب، ماذا ستعمل؟ فيعمل بالزنا، وبالفواحش، وقضاء الشهوات، وبالكذب، وبالمحرمات، ثم ترجو من هذا جنة؟ هذا لا يمكن، يا عبد الله. فأنت متعمد بدخول النار، أنت ما تركت الأمر بالقدر، وإنما أرجعت الأمر إلى نفسك. قال عليه الصلاة والسلام: «من كان من أهل الجنة عمل بعمل أهل الجنة، ومن كان من أهل النار عمل بعمل أهل النار». اعمل، يا عبد الله، فكل ميسر لما خلق له. فستجد التيسير، إن كان فيك صلاح، يا عبد الله، ستجد أن الله يمد لك المدد من عنده، ويجعل لك صلاحًا وعفافًا، فلا تنتكث، يا عبد الله، عن الطريق، أو تنتكس عن المسير. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ إلى قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾. وقال: غير ذلك من الأحاديث. والأحاديث كثيرة، وقبل ذلك الآيات وفيرة في هذا الباب، دالة على أن من الإيمان بالقدر الإيمان، يا عبد الله، بعلم الله السابق، وأن ما من شيء يجري في ملكوت السماوات والأرض، أو يقع من أفعال العباد، من حركاتهم وسكناتهم، إنما كان ذلك بعلم الله جل في علاه. وبهذا، إخواني في الله، انتهينا بإشارة إلى المرتبة الأولى. وفي الغد، بإذن الله، نتكلم ونواصل حديثنا عن المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقدر. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.