الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 10، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع ورود اسمي "الأحد" و"الواحد" في القرآن، مبيناً أن "الأحد" ورد مرة واحدة في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن في الثواب بينما تكرر "الواحد" في مواضع كثيرة. ويدل هذان الاسمان على أحدية الله ووحدانيته في الذات والصفات والأفعال والألوهية والربوبية، فهو المتفرد بصفات المجد والجلال لا شريك له ولا نظير.
يستعرض المقطع سبع دلالات لاسمي الله "الواحد" و"الأحد" تشمل نفي المثل والند، وبطلان التكييف، وإثبات صفات الكمال، والتنزيه عن النقائص، ووجوب الإقرار بتفرد الله بالكمال المطلق، وإفراده بالعبادة، والرد على المشركين. ويؤكد أن تكرار اسم "الواحد" في القرآن جاء لتقرير التوحيد وإبطال الشرك، مبيناً أن الشرك ظلم عظيم لمساواة المخلوق بالخالق.
يستعرض المقطع آيات قرآنية تكرر فيها اسم "الواحد" لتقرير وحدانية الله واستحقاقه للعبادة وحدها، مبيناً أن صرف العبادة لغيره ظلم عظيم ومقارناً بين إله واحد قهار وآلهة المشركين المتفرقة مستدلاً بقول يوسف عليه السلام للسجينين. ويوضح أن العقد بالقلب يعني الاعتقاد الراسخ بإقرار كمال الله المطلق وتفرده بالوحدانية مع إفراده وحده بجميع أنواع العبادة، مختتماً بالاكتفاء بهذا القدر ودعاء الحفظ.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق عبد المحسن العباد في كتابه "فقه الأسماء - مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال: اسمه الأحد، الواحد. قال: أما اسمه تبارك وتعالى "الأحد" فقد ورد في موضع واحد من القرآن في سورة الإخلاص، وهذا بالنسبة لاسمه "الأحد". ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وهي السورة العظيمة التي ورد في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها تعدل ثلث القرآن، لكونها أخلصت لبيان أسماء الرب الحسنى وصفاته العظيمة العليا. وقوله: "تعدل ثلث القرآن" يعني في الجزاء والثواب، لا في الإجزاء. ليس معنى ذلك أن من نذر أن يقرأ القرآن في عشرة أيام، ثم قال: المدة قصيرة، وما أستطيع أن أقرأ القرآن في عشرة أيام، إذن "قل هو الله أحد" تعدل ثلث القرآن، سأقرأها ثلاث مرات وانتهينا، في اعتبار أنني قرأت القرآن كاملاً: ثلث وثلث وثلث. لا، لا تعدل ثلث القرآن في الإجزاء، وإنما في الجزاء والثواب، لما اشتملت عليه من بيان قسم من أقسام التوحيد، وهو توحيد الأسماء والصفات. فهذه السورة كلها تعظيم لله بأسمائه وصفاته: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، فكلها لله. فلذلك جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنها تعدل ثلث القرآن. قال: وأما اسمه "الواحد" فقد تكرر مجيئه في مواضع عديدة من القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، ﴿الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، وغير ذلك من تلك الآيات الكثيرة الموجودة في القرآن. قال: وهما اسمان دالان على أحدية الله، يعني أنه واحد، أحدية الله ووحدانيته، أي أنه هو الواحد الذي يعبد ويقصد. فهو واحد في ذاته، وكذلك واحد في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته. فهذا معنى أحدية الله ووحدانيته: أحدية الله أي أنه واحد لا ثاني له، ووحدانيته أي أنه واحد في ألوهيته فهو الذي يعبد لا يعبد غيره، وفي ربوبيته فهو الذي يخلق ويرزق وينفع ويضر، لا أحد غيره يملك ذلك. وهكذا في أسمائه وصفاته، فله الأسماء الحسنى والصفات العلا، لا يشاركه فيها أحد. كل ذلك من معاني هذين الاسمين. لذلك قال: أي أنه سبحانه هو المتفرد بصفات المجد والجلال. "متفرد" يعني الواحد بصفات المجد والجلال، المتوحد بنعوت العظمة والكبرياء والجمال. وباختصار فهو الواحد في أسمائه وصفاته: فهو واحد في ذاته لا شبيه له، وواحد في صفاته لا مثيل له، وواحد في أفعاله لا شريك له ولا ظهير، وواحد في ألوهيته فليس له ند في المحبة والتعظيم والذل والخضوع. فلا يحب أحد كحب الله، ولا يعظم أحد كتعظيم الله، ولا يذل لأحد كالإذلال لله، ولا يخضع لأحد كالخضوع لله. فهو المتفرد بهذه الأفعال، أفعال العباد. وقد حصر العلماء الدلالات التي يدل عليها هذان الاسمان في نقاط سبع، فقالوا: يدل هذان الاسمان: أولاً: على نفي المثل والند والكفو من جميع الوجوه. فهو واحد لا مثيل له، ولا ند، ولا كفو، لا في الصفات ولا في الأسماء. وهذا كله فيه رد على أهل التعطيل أو التكييف من أهل البدع والضلال. ثانياً: مما يدل عليه هذان الاسمان بطلان التكييف، فليس كمثله شيء، فلا تكييف لصفاته، ويجعل لها مثل. وهكذا. ثالثاً: مما يدل عليه هذان الاسمان إثبات جميع صفات الكمال، فهو الواحد الذي قد كمل في جميع صفاته، فهو عالم، قادر، سميع، بصير. نثبت هذه الصفات على أكمل وجه. هذا أيضاً مما يدل عليه هذان الاسمان. رابعاً: مما يدل عليه هذان الاسمان تنزيهه سبحانه عن النقائص والعيوب. فهو الواحد الكامل، فينزه عن كل عيب ونقص. هذا ما يدل عليه هذان الاسمان أيضاً. خامساً: مما يدل عليه هذان الاسمان وجوب الإقرار بتفرده سبحانه بالكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن نعتقد ذلك بقلوبنا. فله الكمال المطلق، فكل ما يتصوره المتصورون ويتخيله المتخيلون في ذات الله فهو أعظم وأجل، سبحانه وتعالى. فهذا أيضاً مما يدل عليه هذان الاسمان. سادساً: مما يدل عليه هذان الاسمان وجوب إفراده سبحانه بالعبادة وإخلاص الدين له. فإذا اعتقدت أن الله واحد، وجب عليك إفراده بالعبادة. وهذا من أعظم الآثار التي يدل عليها هذان الاسمان. سابعاً: مما يدل عليه هذان الاسمان الرد على المشركين وجميع المبطلين ممن لم يقدر الله حق قدره. فذاك المشرك الذي عبد الشمس أو القمر، أو عبد القبر أو الضريح، هل هؤلاء انفردوا بشيء؟ فلا مثل لهم. فإذا كيف تعبدهم من دون الله؟ من الذي يستحق العبادة؟ هو الواحد سبحانه وتعالى. فهذا فيه رد على هؤلاء الذين يعبدون المخلوق الناقص الضعيف. فهذا كل، أو كل هذه المعاني يدل عليها اسم الله "الواحد" و"الأحد". قال المؤلفون: وقد كان تكرر ورود اسم الله "الواحد" في القرآن في مقامات متعددة في سياق تقرير التوحيد وإبطال الشرك والتنديد. يعني يذكر هذا الاسم في مقام تقرير التوحيد، وأن الله هو المستحق للعبادة وحده، وفي إبطال الشرك، وأن الله عز وجل لا ينبغي أن يعبد غيره. فهذا من أظلم الظلم، من أظلم الظلم أن يعبد غير الله، لأن في ذلك مساواة المخلوق بالخالق. مساواة المخلوق بالخالق: الذي يعبد غير الله ساوى هذا المعبود بالله عز وجل. لماذا؟ لأن هذا المخلوق لا يملك مثقال ذرة، ولا يخلق، ولا يرزق، فكيف يعبد من دون الله؟ فالعبادة محض حق لله عز وجل، فمن انتزع هذا الحق فقد ظلم ظلماً عظيماً، كما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وصفه بأنه عظيم، أعظم الظلم وأظلم الظلم: الشرك بالله. وقد أدرك المشركون ذلك حين عاينوا العذاب يوم القيامة. ماذا قال الله عز وجل عنهم؟ قال الله عز وجل عنهم في كتابه الكريم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾. كيف يسوونهم برب العالمين؟ يعني يعبدونهم من دون الله، وهذا فيه تسوية الخالق بالمخلوق. فالعبادة لا يستحقها إلا الله، فصرفها لغير الله ظلم. صرفها لغير الله ظلم، فهذا من أظلم الظلم أن ينتزع حق فيعطى غير صاحب الحق. هذا حتى في أحوال المخلوقين أمر يستنكرونه ويعدونه من الظلم. أرأيت؟ أرأيت لو أنني بنيت بيتاً، معي وثيقة، بنيت هذا البيت وأكملت هذا البيت، ها فجاء شخص آخر واستحوذ على هذا البيت وأخذ هذا البيت. هذا هذا يعد ظلم، وليس بظلم؟ لأن الذي يستحق هذا البيت هو صاحبه الذي بناه وتعب فيه، فيأتي ذاك الذي ما أنفق ولا حجر واحد في هذا البيت وأخذ البيت. ماذا يقول الناس؟ ها هذا ظالم، اغتصب بيت فلان وأخذه بغير حق، لأن هذا البيت حق لفلان. هذا معلوم بين الناس. فالعبادة ليست هي حق لله؟ ها، فصرفها لغير الله ظلم. ولله المثل الأعلى، صرفها لغير الله ظلم. فلذلك صار الشرك من أظلم الظلم. فهنا يقول: وقد كان تكرر ورود اسم الله "الواحد" في القرآن في مقامات متعددة في سياق تقرير التوحيد وإبطال الشرك والتنديد. قال: فقال سبحانه في تقرير الوحدانية ووجوب إخلاص الدين له: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ﴾. هذا في تقرير التوحيد، هذا في تقرير التوحيد. وقال في آيات أخرى: قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. وما من إله، شوف ذكر الألوهية، وما من إله إلا الله "الواحد"، إذا لماذا ذكر اسم "الواحد"؟ لأن "الواحد" هو المستحق للعبادة. و"القهار" كما سيأتي معنا هذا الاسم، هو المستحق للعبادة. وكذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. إلهكم إله واحد، فهل أنتم مسلمون؟ منقادون لهذا الإله، عابدون له؟ فهل أنتم مسلمون؟ هذا كله في مقامات ماذا؟ تقرير التوحيد، وكذلك إبطال الشرك. قال المؤلف هنا: وقال تعالى في إبطال عقائد المشركين: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. فـ"الواحد" هو الذي يستحق العبادة، أما الذي يتعدد فليس بإله يعبد. وقال تعالى: ﴿أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. انظر الآن إلى المشركين يعبدون آلهة متعددة: هذا يعبد الشمس، وذاك يعبد القمر، وذاك يعبد النجوم، وذاك يعبد القبور، وذاك يعبد الأصنام، وذاك يعبد الجن، وذاك يعبد الملائكة. آلهة متعددة. فالإله يكون واحد، ومن هذا الواحد هو الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال يوسف للسجينين: ﴿أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. الجواب: الله الواحد القهار. فأبطل شركهم بتعدد الآلهة، بتعدد الآلهة. قال: فالواجب على العباد توحيده عقداً وقولاً وعملاً. عقداً يعني بالقلب، عقيدة بأن يعترفوا بكماله المطلق وتفرده بالوحدانية، وأن يفردوه بأنواع العبادة وحده لا شريك له. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. الله حفظ. اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة.