الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 41، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن اسم الله "البر" ورد مرة واحدة في القرآن ويعني الواسع العطاء الذي يشمل جميع الكائنات. يقسم بر الله إلى بر عام يعم كل المخلوقات بالرزق والكرامة، وبر خاص يختص بهدايا الإيمان والتوفيق للطاعة لأهل الإيمان.
يشرح المقطع معنى بر الله الواسع الذي يتجاوز العطاء المادي، ويشمل محبة أهل البر وقبول القليل من العمل مع مضاعفة الأجر. كما يذكر الصفح عن الذنوب، فتح أبواب التوبة، وتتابع النعم الدنيوية والدينية على العباد.
يفسر المقطع البر بأنه التوسع في فعل الخيرات، ويستعرض خصاله الواردة في آية البقرة من الإيمان والإنفاق على ذوي القربى واليتامى والمساكين. ويؤكد أن نيل البر والقرب من الله مشروط بالإنفاق مما يحب الإنسان ويهوى من ماله.
يختتم المتحدث الجلسة بدعاء يطلب فيه من الله الهداية والرزق الواسع معترفاً بكرم الله واستجابته. ثم ينهي الحديث بالشكر لله تعالى على فضله وإحسانه.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق وعبد المحسن العباد في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى"، اسم الله البر: قال: وقد ورد في القرآن الكريم في موضع واحد، وهو قوله تعالى: ﴿ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾ [الطور: 28]. هذا هو دليل إثبات هذا الاسم من القرآن: ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾. وما معنى البر؟ قال: ومعناه أي الذي شمل الكائنات بأسرها ببره ومنه وعطائه، فالبر من البر وهو العطاء والمن. وقوله "بأسرها" يعني جميع الكائنات، لأن بره سبحانه وتعالى بعباده نوعان: بر عام، وبر خاص. فالبر العام هو الذي وسع الخلق كلهم، فما من شخص ومخلوق إلا وسعه بر الله، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، هذا من بر الله سبحانه وتعالى بعباده. وهكذا قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 70]. كل بني آدم، مؤمنهم وكافرهم، ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾، فهذا هو البر العام، بر الله بعباده. وأما البر الخاص فهو هدايته من شاء منهم بهذا الدين القويم، والتوفيق لهم إلى الطاعة والعبادة، ونيل ما يترتب على ذلك من السعادة في الدنيا والآخرة. هذا لا يوفق إليه إلا خواص عباده ممن خصهم بهذه النعمة. قال: فهو مُولِ النعم، واسع العطاء، دائم الإحسان، كل ذلك من بره سبحانه وتعالى بعباده. قال: لم يزل ولا يزال بالبر والعطاء موصوفاً، وبالمن والإحسان معروفاً، ففضل على العباد بالنعم السابقة والعطايا المتتابعة والآلاء المتنوعة، ليس لجوده وبره وكرمه مقدار، فهو سبحانه ذو الكرم الواسع والنوال المتتابع والعطاء المدرار. فهذا هو معنى اسم الله البر، يشمل إحسانه ومنه وعطاءه سبحانه وتعالى. قال: ومما ينبغي أن يعلم هنا أن البر سبحانه يحب أهل البر، فيقرب قلوبهم منه بحسب ما قام به من البر، ويحب أعمال البر فيجازي عليها بالهدى والفلاح والرفعة في الدنيا والآخرة. فالله عز وجل يحب أهل البر لأنه هو البر سبحانه وتعالى، فمن وصف بالإحسان والجود والكرم من عباده فهو يحبه، فيقرب قلوبهم منه بحسب ما قام به من البر، وبحسب أعمال البر. وأعمال البر لا تقتصر على المال فحسب، قد يظن البعض أن بر الله سبحانه وتعالى إنما هو في الرزق بالمال والعطاء، وإنما البر أوسع من ذلك. فمن بره سبحانه وتعالى بعباده أنه يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، فهذا من بره وجوده وكرمه سبحانه وتعالى وعطائه. ومن بره بعباده أيضاً سبحانه وتعالى أنه يتقبل منهم القليل من العمل، ولو عملت مثقال ذرة فإن الله عز وجل يقبلها منك، بل ويضع على هذا العمل القليل الثواب الكثير، هذا أيضاً من بر الله سبحانه وتعالى بعباده. وهكذا من بره أنه سبحانه لا يؤاخذهم بجميع ذنوبهم، ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ ﴾ [فاطر: 45]، وإنما يجزيهم بالحسنة عشر أمثالها، ويضاعف لمن يشاء، ولا يجزي بالسيئة إلا السيئة الواحدة، بل ويكتب لهم الهم، إذا هم العبد بالحسنة كتبها له حسنة كاملة، وأما إذا هم بالسيئة فلم يعملها لم يكتبها عليهم سيئة. وهذا كله من بره سبحانه وتعالى بعباده. وهكذا من بره بعباده فتحه أبواب الإنابة والتوبة والأوبة، فمهما عمل العبد من المعاصي والذنوب والكبائر فإن الله يغفرها له، بل ويبدلها حسنات، كل ذلك من بره وكرمه وإحسانه سبحانه وتعالى. وهكذا يعاملهم بالصفح والغفران ونحو ذلك. ومن بره بعباده أنه يتابع عليهم النعم الدنيوية والدينية: الدنيوية يرزقهم ويمن عليهم بما يمن من ملاذ هذه الدنيا، وهكذا في الدين والآخرة يهديهم ويشرح صدورهم للحق والإسلام. فإذا بره سبحانه وتعالى أوسع مما قد يظنه بعضنا. قال: والبر أصله التوسع في فعل الخيرات، هذا أصل البر، وكل ما هو خير فالتوسع فيه يقال له بر. قال: وأجمع الآيات لخصاله، ما هي خصال هذا البر من الإنسان؟ قال: قوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]. كل هذه من خصال البر: الإيمان بالله وهو أعظم هذه الخصال، ثم الإيمان باليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين. ومن خصال البر من أتى المال على حبه، يعني ينفق ويتصدق وهو يحب هذا المال ويحتاج إليه، فيعطي ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب. ومن خصال البر أقام الصلاة، يعني يقيم هذه الصلاة، هذا من خصال البر. وأيضاً يؤتي الزكاة، وخصال البر أيضاً يوفي بالعهد إذا عاهد، وأيضاً يصبر على البأساء والضراء، الشدائد والأمراض والأوجاع، وعند الحرب. ثم مدح ربنا عز وجل هؤلاء فقال: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾. هذه خصال البر، فمن أتى بها واستكملها فإنه كما قال يقرب إلى الله سبحانه وتعالى بحسب ما قام به من هذا البر. قال: وقال تعالى: ﴿ لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92]، أي من الله، حتى تنفقوا مما تحبون، فلا تنالوا هذا الوصف إلا إذا أنفقتم ما تحبون، يعني من المال، ﴿ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾. قال قتادة رحمه الله: "لن تنالوا بر ربكم حتى تنفقوا مما يعجبكم ومما تهوون من أموالكم". والمعنى: كلما كان المسلم عاملاً بخصال البر كان أقرب إلى ربه سبحانه وتعالى، فنال البر من الله عز وجل. قال: رواه ابن جرير الطبري في تفسيره. ألهمنا الله جميعاً رشد أنفسنا، ورزقنا من فضله وبره وجوده ما لا نحصيه، إنه سميع مجيب. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى شكراً.