الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 49، ألقاها
يناقش هذا الفصل أحكام الصيام للمريض والمسافر، حيث يبين أقسام المرض والسفر وأحكام الصيام في كل حالة. يشرح بالتفصيل متى يجب الصيام ومتى يجوز الفطر للمريض والمسافر.
هذا الفصل يصنف السفر إلى ثلاثة أقسام بالنسبة للصائم: سفر لا مشقة فيه، سفر مشقة خفيفة، وسفر مشقة شديدة. يبين الحكم الشرعي للصيام في كل قسم منها.
يتناول هذا الفصل أهمية السحور في شهر رمضان، حيث يعتبر بركة للصائم يعطيه قوة ونشاطا. كما يشير إلى أنه امتثال لأمر رسول الله ويفرق بين صيام المسلمين وصيام أهل الكتاب.
يبدأ هذا الفصل بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معبرا عن التقدير والاحترام للنبي. يشير إلى أهمية هذه الصلاة كعادة في بداية أو ختام الكلام أو الكتابة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنواصل، إن شاء الله، القراءة في مذكرة ومذكرة في أحكام الصيام للشيخ محمد عبد الوهاب وصابي، رحمه الله. وقلنا: قد قرأنا منها في رمضان الماضي، ووقفنا في نحو نصف الكتاب. قال رحمه الله في ذكر الفوائد: قال الفائدة الثامنة: أقسام السفر بالنسبة للصائم ثلاثة. الأول: ألا يكون فيه مشقة للصائم إطلاقا، ألا يكون فيه مشقة للصائم إطلاقا، ففي هذه الحالة الصوم أفضل، وإن أفطر فلا حرج. إذا كان الصوم في السفر لا يشق على الصائم، فالأمر عنده سواء، أفطر أو صام، لا فرق. فهنا الصوم أفضل. لماذا؟ أولا: لأنه سيصوم مع الناس، وهذا أسهل له في أداء هذه الفريضة. وثانيا: أنه سيصوم في رمضان، وهذا أفضل من قضاء الصيام في أيام أخرى، لما في شهر رمضان من فضائل كثيرة. وكذلك أيضا أن فيه التعجيل ببراءة الذمة، أن تبرأ ذمته من هذا الواجب إذا صامه في أول وقته، في أول زمنه، حينئذ لا يخاطب بأداء هذا الواجب. قال ثانيا: أن يشق عليه الصوم مشقة غير شديدة، ففي هذه الحالة الفطر أفضل. هذه الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم، لكن مشقة غير شديدة، مشقة خفيفة، يستطيع أن يصوم مع شيء من المشقة اليسيرة. فهذا في هذه الحالة الفطر أفضل. لماذا؟ لأن الفطر رخصة، والله عز وجل يحب من العبد أن يأتي رخصة. ومدام أن الصوم فيه شيء من المشقة، مشقة فلا يشق على نفسه، قد رخص الله عز وجل بالفطر، فبهذه الحالة الفطر أفضل. وكذلك أيضا أن الصحابة رضي الله عنهم لما سافروا مع النبي عليه الصلاة والسلام، وكان السفر في يوم حار شديد الحرارة، أفطر جميع الصحابة، لم يصم إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن رواحة، والبقية أفطروا، وما أنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فدل هذا على أنه إذا وجد شيء من المشقة فالفطر أفضل، يفطر ثم يقضي ما أفطره من أيام. قال ثالثا: أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة، ففي هذه الحالة يتعين الفطر. أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة، يعني أكاد أن يهلك إذا صام، ففي هذه الحالة يجب عليه أن يفطر، ولا يجوز له أن يصوم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر»، والحديث الصريح من حديث جابر رضي الله عنه، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا قد ظلل عليه من شدة التعب، وهو صائم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصوم في السفر»، يعني من كان حاله كحال هذا الرجل، يشق عليه الصيام مشقة شديدة، فليس الصوم في حقه من البر والطاعة. وأيضا مثبت بالصحيح: لما أفطر النبي عليه الصلاة والسلام في عام الفتح، وبلغه أن أناسا استمروا على الصيام، قال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة». قال رحمه الله، كما في تفسير ابن عثيمين رحمه الله، وشرح رياض الصالحين. طيب، هذه ثلاثة أحوال وأقسام بالنسبة للمسافر: أن يكون السفر ليس فيه مشقة، فالصيام والفطر فيه سواء، فالصيام أفضل. الحالة الثانية: أن يكون هناك شيء من المشقة اليسيرة، فالفطر أفضل. الحالة الثالثة: أن يكون هناك مشقة شديدة، فالواجب هو الفطر، ولا يجوز الصيام. قال الفائدة التاسعة: أقسام المرض ثلاثة بالنسبة للصائم. الأول: مريض لا يضره الصوم ولا يشق عليه، فهذا لا رخصة له في الفطر. والثاني: مريض يشق عليه الصيام ولا يضره، فهذا الصوم في حقه مكروه. والثالث: مريض يشق عليه الصيام ويضره، فهذا الصوم في حقه محرم. القسم الأول: مريض لا يضره الصوم ولا يشق عليه، فهذا لا رخصة له في الفطر، يعني مرض خفيف، وجع يسير في الأصبع، ألم يسير في الضرس، صداع يسير، ونحو ذلك من الأمراض اليسيرة الخفيفة التي ليس فيها مشقة في الصيام مع وجودها، فهذا لا يترخص برخصة الفطر، فيجب عليه أن يصوم. القسم الثاني: مريض يشق عليه الصيام ولا يضره، يعني هناك مشقة، لكن إن صام فإنه لا يضره الصيام، يستطيع أن يصوم بتكلف وتحمل لهذه المشقة، فهذا الصوم في حقه مكروه، لماذا؟ لوجود المشقة. ومثله ينبغي أن يترخص برخصة الفطر، من قول الله جل وعلا: ﴿وَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. لكن لو صام وتكلف، فصوم صحيح مع الكراهة. القسم الثالث: مريض يشق عليه الصيام ويضره، يعني إذا صام ضره الصيام، فهذا الصوم في حقه محرم. لماذا؟ يحرم؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، ويقول جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. كمن عنده مثلا مرض السرطان، أو الكبد، أو الكلى، أو مثلا من عنده جلطة، أو شلل، أو شيء من هذه الأمراض التي يشق معها الصيام، وشقة شديدة. لو قال: أنا سأصوم ولو هلكت، يقول له: ما يجوز، لا يجوز لك أن تهلك نفسك للآيات المذكورة سابقا، فهذا يجب عليه أن يفطر. قال الفائدة العاشرة: أسباب بركة السحور. قال أولا: السحور بركة لكونه معينا على طاعة الله. وهذا كما ورد في حديث أنس، الصحيحين، في قول عليه الصلاة والسلام: «تسحروا فإن في السحور بركة». فيذكر رحمه الله في هذا الموضع شيئا من بركة السحور. فيقول: السحور بركة، والبركة هو كثرة الخير ولزومه، ثبوته. فالسحور فيه خير كثير. يقول: من بركته أنه يعين على طاعة الله؛ لأنه يعين الصائم على الصيام، والصيام طاعة. السحور يعطي الصائم قوة ونشاطا وهمة لتحمل الصيام، ففيه طاعة، وبه يستعين على أداء الفرائض والواجبات من الصلاة ونحوها. وهذا من بركة السحور، بخلاف لو أن الإنسان ما تسحر، ربما أصبح ضعيفا، كسلانا، تعبانا. ثانيا: السحور بركة لأنه امتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر به: تسحروا، وإن كان هذا الأمر للاستحباب، لكن الأمر موجود، سواء كان الوجوب أو للاستحباب، وهو في هذا الموضع للاستحباب. فكونك تتسحر، أن تتمتثل أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالسحور، ولا شك أن امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم طاعة، يجر عليها العبد، ويثاب. ثالثا: السحور بركة لأنه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتسحر. قال ثابت: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة. وكان في بعض الأحيان قد يترك السحور؛ لأنه كان يواصل الصيام، لكن مع ذلك أمر بالسحور، وتسحر عليه الصلاة والسلام. ففي السحور من بركته أنه اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، والله عز وجل يقول: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. رابعا: السحور بركة لأنه يغني عن عدة أكلات وشربات في النهار. الإنسان إذا كان مفطرا، كم يشرب من الماء، وكم يأكل من الطعام من النهار إلى غروب الشمس؟ يعني أقل شيء سيأكل وجبتين: فطور وغداء. وأما عن الماء فلتكثر. لكن الصائم يتسحر وجبة واحدة، ربما يأكل شيئا يسيرا، ثم يمسك عن الطعام والشراب من الفجر إلى غروب الشمس، فتكفيه أكلة السحر عن أكلات كثيرة، وشربة السحر عن شربات كثيرة. وهذا من بركة السحور. قال خامسا: السحور بركة لأنه فصل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، أي فارق بين صيام أهل الإسلام وصيام أهل الكتاب: اليهود والنصارى، كما جاء في مسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما. أيضا قد يزاد على ما ذكر رحمه الله من بركة السحور: أنه يعين العبد على إدراك صلاة الفجر في جماعة. فكون المسلم الصائم يتسحر قبل الفجر، ولا يبقى إلا وقت يسير بين الانتهاء من السحور وبين الفجر، هذا ما يعينه على أداء صلاة الفجر في بيوت الله جل وعلا مع الجماعة، بخلاف لو تسحر في نصف الليل، ربما ينام ويغفل عن الفجر. فمن بركة السحور أنها تعين الصائم على إدراك صلاة الفجر مع الجماعة. ومنها أيضا من بركة السحور أنها تعين على إدراك وقت السحر، وقت السحر، وهي الأوقات الفاضلة التي يستجاب فيها الدعاء، وقت نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا، فيدركه المتسحر، فيدعو الله عز وجل من خير الدنيا والآخرة. وهذا من بركة السحور. طيب، نتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.