الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 28، ألقاها
يعدد المقطع خصائص شهر رمضان ومنها العشر الأواخر وليلة القدر ومغفرة الذنوب لمن صام أو قام رمضان إيمانا واحتسابا. كما يذكر زكاة الفطر وقبول شهادة العدل الواحد في أول الشهر كخصائص أخرى لرمضان.
يتناول المقطع بعض الخصائص والفضائل لشهر رمضان، منها نزول جبريل لمدارسة القرآن مع النبي وتكفير صوم رمضان للذنوب. يشير إلى أهمية استغلال رمضان في الطاعات لما فيه من أسباب المغفرة والرحمة.
كان النبي يجتهد في رمضان أكثر من غيره من الشهور، ويزداد جوده في العشر الأواخر، ويحيي ليله ويوقظ أهله للصلاة والقيام. ومن قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة كاملة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله في ذكره لخصائص شهر رمضان: قال الرابع عشر أنه خص بالعشر الأواخر التي هي أفضل ليالي السنة، أي جعلت أفضل ليالي السنة في شهر رمضان، في شهر رمضان أفضل ليالي السنة، وهي ليالي العشر الأخير من رمضان، وذلك لأن فيها ليلة القدر التي هي خير ليالي السنة. قال الخامس عشر: أنه خص بأن من صامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه. نعم، حث الشارع على الصيام ورغب فيه، لكن لم يأت فيه هذا الأجر وهذا الفضل أن من صام يوما إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، إلا في صيام شهر رمضان، من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، هذا خص به صيام هذا الشهر، أن من صامه إيمانا بفرضيته وبوجوبه، واحتسابا للأجر والثواب، فإن الله عز وجل يغفر له ما تقدم من ذنبه. قال السادس عشر: أنه خص بأن من قامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه أيضا. كذلك خص قيامه، أي قيام لا يليه صلاة التراويح وصلاة القيام، أن من قامها إيمانا واحتسابا، إيمانا بمشروعيتها واستحبابها، واحتسابا للأجر والثواب، أن يكون عنده قصد الإخلاص لله جل وعلا، وإرادة الثواب والأجر، فلا يصليها يعني رياء أو يصليها عادة أو يصليها حياء أو يصليها وهو متثاقل لها أو كاره أو شيء من ذلك، بل يصليها محتسبا للأجر والثواب من الله جل وعلا، فإنه يغفر له ما تقدم من ذنبه، هذا يعني من خصائص هذا الشهر أن قيام لياليه إذا قامها الإنسان مؤمنا محتسبا فإنه ينال هذا الأجر العظيم. قال السابع عشر: أنه خص بأن من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، نفس الحديث لأبي هريرة في الصحيحين، كذلك أيضا قيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا فإنه ينال هذا الأجر العظيم، هذا خص في هذا الشهر أن ليلة القدر في شهر رمضان. قال الثامن عشر: أنه خص بزكاة الفطر، وزكاة الفطر تدفع وتخرج في آخر شهر رمضان، هي أيضا من خصائص هذا الشهر، أنه تخرج به زكاة الفطر. قال التاسع عشر: أنه خص بقبول شهادة العدل الواحد في أول الشهر، خص بقبول شهادة العدل الواحد في أول الشهر، الأصل أن ثبوت دخول الشهر يكون بشهادة عدلين، يكون بشهادة عدلين لقول النبي صلى الله عليه وسلم «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا» فإن شهد شاهد عدل فصوموا وأفطروا، فاشترط النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام، أي في صيام رمضان شهادة عدلين، وفي الفطر كذلك شهادة عدلين في خروجه، هذا هو الأصل، لكن استثني صيام شهر رمضان بأنه يقبل شهادة العدل الواحد لحديث ابن عمر في السنن قال: «رأيت الناس الهلال فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه»، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة ابن عمر في دخول الشهر، فدل هذا على أنه يثبت دخول شهر رمضان بشهادة عدل واحد، بخلاف غيره من الشهور فإنه لا يقبل فيه إلا شهادة عدلين. قال العشرون: أنه خص بدعاء جبريل والتأمين من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا فيما ورد بحديث أبي هريرة وكعب بن عجرة، حين قال جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام «قل آمين» فقال النبي صلى الله عليه وسلم «آمين» ثلاث مرات، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «إن جبريل أتاني فقال من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة فأبعده الله، قل آمين، فقلت آمين، ثم قال من ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله، قل آمين، فقلت آمين، ثم قال ومن دخل عليه رمضان ثم خرج ولم يغفر له، قل آمين، فقلت آمين»، فهذا الشهر خصه بدعاء جبريل عليه السلام حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم «من دخل عليه رمضان ثم خرج فأبعده الله»، ثم خرج ولم يغفر له، أي لم يغفر له في هذا الشهر، فأبعده الله، أي أبعده الله عن رحمته وأبعده الله عن فضله وأبعده الله عن ثوابه وأبعده الله عن أجره، قل آمين، فأمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي لفظ «رغم أنف امرئ دخل عليه رمضان ثم خرج ولم يغفر له»، رغم أنفه، أي وضع أنفه في التراب إرغاما له وإذلالا له، أن يدرك هذا الشهر شهر المغفرة والرحمة ثم يخرج شهر رمضان ولم يغفر له، هذا يدل على أنه فرط تفريطا عظيما وضيع تضييعا كبيرا، عنده من أسباب المغفرة الشيء الكثير، من صيام رمضان ومن قيام لياليه ومن فعل أعمال البر والإحسان، من تلاوة للقرآن وذكر لله وصدقة وإنفاق وغير ذلك من أعمال الخير وأسباب المغفرة الكثيرة، فيدخل رمضان ويخرج وهو على حاله، لا يتبدل أفعاله ولا تتحسن أخلاقه ولا تغفر ذنوبه، هذا لا شك أنه حرمان عظيم، فلهذا دعي عليه بهذا الدعاء الذي دعا به جبريل وأمن عليه النبي صلى الله عليه وسلم. قال الحادي والعشرون: أنه خص بنزول جبريل عليه السلام في كل ليلة من لياليه لمدارسة القرآن الكريم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن عباس، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن»، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، الشاهد أن جبريل عليه السلام كان يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذن هذا على أن جبريل كان ينزل في شهر رمضان كل ليلة من لياليه لمدارسة النبي عليه الصلاة والسلام حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم صام تسعة رمضانات، معنى هذا أن نزول جبريل كان في تسع سنوات في شهر رمضان حتى توفي النبي عليه الصلاة والسلام. قال الثاني والعشرون: أن صومه مكفر للذنوب من رمضان إلى رمضان، لحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»، والمراد بتكفير الذنوب ما بين رمضان إلى رمضان، أي صغائر الذنوب، صغائر الذنوب وهي الذنوب التي ليس فيها حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة ولا عقوبة في الآخرة، ولم تقترن بغضب أو لعن، هذه الذنوب التي يفعلها الإنسان يغفرها الله عز وجل للإنسان ما بين رمضان إلى رمضان. قال الثالث والعشرون: أنه لم يذكر شهر في القرآن باسمه إلا شهر رمضان، لم يذكر شهر في القرآن باسمه إلا شهر رمضان، هو الذي ذكره الله جل وعلا باسمه في القرآن، وهذا يدل على شرف هذا الشهر المبارك، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن. قال الرابع والعشرون: أنه شهر الجود، فقد كان صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان، كما سمعنا في حديث ابن عباس «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان»، الجود يكون بالكرم والعطاء بالإنفاق والصدقة، الجود بالمال والجود بالإحسان والجود بالعلم والتعليم، والجود بالجهاد في سبيل الله جل وعلا، الجود في باب العبادة والصلاة، الجود في تلاوة القرآن وغير ذلك من أعمال البر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس في سائر أعمال الجود، ويزيد جوده في شهر رمضان أكثر من غيره من الشهور. قال الخامس والعشرون: كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعني حتى ينتهي رمضان، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، أي يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل يستمع»، قال: «فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة»، يعني يزداد جوده ويزداد سرعته في فعل الخير والبر كسرعة الريح التي أرسلت، وهذا كناية عن سرعة جوده ومسارعته عليه الصلاة والسلام في فعل الخير. قال السادس والعشرون: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وجد وشد المئزر، وكان يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، كما في حديث عائشة رضي الله عنها المتفق عليه. نعم، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر، أي العشر الأخير من رمضان، أحيا ليله وأيقظ أهله، أحيا ليله إما أن يراد الليل كله أو معظم الليل وأكثر الليل، أحياه بطاعة الله، بتلاوة القرآن، بالصلاة والقيام، بذكر الله جل وعلا، أيقظ أهله حتى يصلي، يوقظ أهله ليدرك فضيلة هذه الليالي الفاضلة المباركة، وشد المئزر، جد في العبادة والطاعة، وشد المئزر اعتزل، كناية عن اعتزال النساء والابتعاد عنهن، وكان يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، أي في العشر يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيره، مع أن جوده عليه الصلاة والسلام كان يزداد في رمضان، ومع ذلك في العشر الأخير منه يزداد جوده أعظم وأكثر، هكذا كان هديه عليه الصلاة والسلام، بخلاف ما يفعله كثير من الناس، تجدهم إذا دخلت العشر يبدأ الكسل والتقاعس والخمول عن الإقبال على الطاعة والعبادة، وترى النقصان في كثير من المساجد عما كان في أول رمضان، وهذا خطأ، لأن آخر رمضان أفضل من أوله، آخر رمضان أفضل من أوله، ومن رحمة الله جل وعلا أن جعل ليلة القدر في آخر العشر من رمضان حتى يجتهد المسلمون في طلب هذه الليلة والإقبال على طاعة الله وعبادة الله جل وعلا. قال السابع والعشرون: أن من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة كاملة، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه، حديث أبي ذر عند الإمام أحمد وأهل السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «من قام مع إمامه حتى ينصرف كتب له قيام ليلة»، إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف الإمام، من يتقدم من يتقدمه يصلي به فهو الإمام، سواء كان يعني إماما واحدا أو اثنان أو ثلاثة، حتى ينصرف، يعني ينتهي من الصلاة، حتى ينتهي من الصلاة، يكتب له قيام ليلة، هذا من خصائص هذا الشهر، من خصائص هذا الشهر الذي شرع فيه قيام الليل والتراويح على جهة الجماعة، فيصلي الإنسان مع إمامه في أول الليل حتى ينصرف، يكتب له قيام ليلة، أي قيام ليلة كاملة، يكتب له قيام ليلة كاملة. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.