المحاضرة بعنوان كلمة الأخ الفاضل أبو سفيان أحمد حاج، ألقاها
يستهل الخطيب الكلمة نيابة عن الشيخ أبي حذيفة متحدثاً عن خطورة الفتن، مؤكداً أن التقوى هي أعظم أسباب النجاة منها. يعرف التقوى بأثر طلق بن حبيب وابن القيم بأنها العمل بطاعة الله على نور منه رجاء ثوابه، وترك معصيته على نور منه خوف عقابه.
يبين المقطع أن التقوى هي المخرج الموعود من الفتن، ويوضح أن لزوم العلماء والرد إليهم وصيانة الألسنة عنهم من أصول النجاة. يحذر من العجلة ومخالفة أهل العلم في مواطن الفتن مؤكداً على التأني والرفق.
يوضح أن الله قسم وظائف العباد بين الدعوة وطلب العلم والرجوع للعلماء في الفتن، محذراً طالب العلم من تجاوز وظيفته. يؤكد أن حفظ الدين مضمون بوعد الله، والسلامة في الانشغال بما أمر الله به من علم وتقوى.
يناشد المتحدث الإخوة بالدعاء للمريض بالشفاء العاجل والصحة والعافية. يختم بطلب الاشتراك في القناة لدعم المحتوى الدعوي.
فالكلمة عند أصحاب الديس عند أخينا أحمد حاج، فلا تقدم حفظه الله. إلا الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، عباد الله، فلله الحمد أولا وآخرا، ظاهرا وباطنا، على ما من به من هذه النعمة العظيمة علينا، التي منها هذا الاجتماع الطيب المبارك، الذي أسأل الله عز وجل أن يجعله اجتماعا معصوما، وتفرقنا من بعده تفرقا معصوما، وأن لا يجعل فينا ولا منا شقيا ولا محروما. أما بعد، معاشر الإخوة حفظكم الله، فهذه الكلمة هي نيابة عن كلمة أخينا الفاضل أبي حذيفة نبيل الحمر، حفظه الله وعافاه. فالكلمة كلمته، والمقام مقامه، ولكن نسأل الله عز وجل أن يمن عليه بالشفاء العاجل. معاشر الإخوة، إن كان من كلمة في مثل هذه الأوقات وفي مثل هذه الأحوال، فإن ما يشغل القلوب ويذهل النفوس ما يتجدد للناس من أمور الفتن، التي في ذكرها يخشى الإنسان على نفسه ودينه ودعوته. ولذلك اعتنى شرعنا الكريم بذكر ما يصلح أحوال العباد في هذه الفتن المدههمة. عباد الله، إن الكلام في موضوع الفتن وأسباب النجاة والفكاك منها هو للعلماء، ويسرنا أن نكون ممن ينقل كلامهم في ذلك. فإن الفتن إذا حصلت صار فيها الشر الكبير والشر المستطير، والفتن إذا حصلت أثرت على قلوب كثير من الناس، فأوهنت فيها الإيمان، وربما شككت في صحة الطريق التي يسلكها الإنسان إلى ربه سبحانه وتعالى. الفتن إذا جاءت تسارع إليها أناس، وتعجل فيها أناس، وحصل فيها الهلاك والعطب. الفتن إذا جاءت حصل فيها من الشر ما ترون بأعينكم. فلهذا يا عباد الله أحببنا أن نذكر شيئا مما يكون فيه سبيل للنجاة والفكاك عند حصول هذه الفتن، عافانا الله عز وجل وإياكم. ألا وإن من أعظم، بل يكاد يكون أعظم الأسباب التي بها النجاة من هذه الفتن، تقوى الله سبحانه وتعالى. إذا جاءت الفتن رأيت كثيرا من الناس ينظر يمينا وشمالا، وهذا يذهب إلى هنا، وهذا يذهب إلى هناك، ونسي الإنسان هذا المخرج الذي يتعلق بنفسه، والذي يكون عليه صلاح نفسه ونجاتها. جاء عند ابن أبي شيبة: لما وقعت فتنة ابن الأشعث، عندما خرج على الحجاج بن يوسف الثقفي، وحصل من الشر العظيم ما تعلمون، جاء الناس إلى طلق بن حبيب رحمه الله يسألونه عن الفتنة، فقال: «إذا وقعت الفتنة فادفعوها بتقوى الله». قالوا: وما تقوى الله؟ قال: «تقوى الله أن تعملوا بطاعة الله على نور من الله، ترجون بذلك ثواب الله، وأن تتركوا معصية الله على نور من الله، تخافون عقاب الله». قال الإمام ابن القيم رحمه الله: وهذا أحسن ما قيل في حد التقوى. وعلق الإمام الذهبي رحمه الله على هذا الأثر العظيم بقوله: «فقد أبدع وأوجز». فقد أبدع وأوجز، فلا تقوى إلا بعلم، ولا علم إلا بتروٍّ من، ولا عقل. قال: «فقد أبدع وأوجز، فلا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بتروٍّ من العلم والاتباع، وذلك كله لا ينفع إلا بالإخلاص لله تبارك وتعالى». قال رحمه الله: «فمن داوم على هذه الوصية فاز». إذن يا عبد الله، يا من تريد النجاح، يا من تريد الفكاك والسلامة في الدنيا وبين يدي الله سبحانه وتعالى، عليك بالتقوى. ادفع الفتن بالتقوى وما تحمله من المعاني. وهذه المقولة ليست هي مقولة العاجزين، ولا حيلة الخائفين، ولكنها البرهان الأكيد من رب العالمين. فإن الله عز وجل قد أخبرنا في كتابه أنه من حقق التقوى كان الفرج والمخرج من الفتن حليفه دائما. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾. فكلما كنت يا عبد الله قريبا من تقوى الله، محققا لها، تدور معها حيثما دارت عند موارد الفتن، اعلم بأن النجاة بإذن الله تكون من نصيبك، لأن الله عز وجل قد وعد بذلك. أما من يتقحم الأسواق ويتعجل الفتن، فإن ذلك غالبا ما تفترسهم الفتن، ويكونون حطبا لها، عياذا بالله. هذه الكلمة الجامعة، عباد الله، جمعت أصولا عظيمة وكبيرة مما يكون بها النجاة والسلام من الفتن، فرط فيها كثير من الناس، خصوصا من طلاب العلم. ألا وإن من هذه الأصول التي تضمنتها هذه الكلمة: لزوم العلماء، ورد الأمر إليهم، والاستغناء بهم عن غيرهم. هذا أمر قد بينه الله عز وجل في كتابه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾. هم العلماء والحكام الذين يحسنون تدبير شؤون الفتنة وتوجيه الناس فيها، لحصلت السلامة. يا عباد الله، فإذا رد الإنسان الفتن إلى العلماء، واستغنى بهم عن غيرهم، لأن من تمام رد الأمر إلى العلماء أن تستغني بالعلماء عن غيرهم، فلا تطلب توجيها ولا تطلب إرشادا بعد إرشادهم وبعد توجيهاتهم، فإن حصل لك ذلك فقد وفقت إلى الخير العظيم. ومما يتعلق بذلك: صيانة القلب واللسان عن العلماء. إياك يا عبد الله أن تتعجل في فتنة فتلقي بكلمة تذم بها عالما من علماء المسلمين، فيكون العلماء خصومك يوم القيامة. اصن لسانك يا عبد الله، واحفظ جنانك يا عبد الله، واحفظ لأهل العلم سابقتهم ومنزلتهم التي أعطاهم الله عز وجل إياها. ومن ذلك، عباد الله، من هذه الأصول التي جمعتها كلمة التقوى، والتي يكون بها المخرج من الفتن: التأني والرفق. فقد جاء في الشرع مدح الرفق في الأمور كلها. فقد جاء في الصحيحين من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله، إن الله يحب الرفق في الأمر كله». فمن كان رفيقا، خصوصا في موارد الفتن، متأنيا غير متعجل، مسترشدا بنصائح العلماء، فإن ذلك أقرب إلى توفيقه. وكما يقول العلماء: «المتأني أقرب إلى الرحمن، والمتعجل أقرب إلى الشيطان». وقد جاء عند الترمذي من حديث سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأناة من الله، والعجلة من الشيطان». ولطالما رأينا ورأينا ورأينا غيرنا ممن تعجل، يخوض غمار هذه الفتن، فإذا بها تستشرفه، فيكون من حطبها. يا عبد الله، تأنَ، والزَمِ العلماء، واصبر يا عبد الله، فإن الفرج قريب. ومن ذلك، عباد الله، أن يعرف طالب العلم وظيفته التي وظفه الله عز وجل فيها. فإن الله عز وجل ذكر لنا في الكتاب والسنة أن وظائف تحقيق مصالح الأمة في عاجلها وآجلها مقسومة بين العباد، حد قسمها الله. قال الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾. وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾. فمنهم من وظيفته السؤال، ومنهم من وظيفته الدعوة، ومنهم من وظيفته الرجوع في الفتن. هكذا قد قسم الله عز وجل وظائف العباد. ومن أعظم توفيق الله لطالب العلم أن يعرف وظيفته التي وظفه الله فيها، ألا وهي طلب العلم. إي شغل يا عبد الله في طلب العلم. إياك أن تكون قائدا آخذا بزمام الأمور في الفتن، فإن ذلك لا يصلح لك، إنما هو للعلماء. وأنت يا عبد الله انشغل بالعلم، حتى إذا احتيج إليك فقد أوعبت في العلم، وقد تضلعت منه، فصار نفعك للناس عظيما. وإن كان طالب العلم يتدخل في وظيفة غيره، فإن ذلك مما يقطع عليه الطريق. أخيرا، عباد الله، مما حملته هذه الكلمة العظيمة التي تدفع بها الفتن، ويكون بها السلامة والنجاة: أن تملأ القلوب، خصوصا حين تجدد الفتن. إذا تجددت الفتن أصيبت القلوب بالوهن، بالضعف، ربما تشكك الإنسان في صحة الطريق، خصوصا إذا قام ونعق أعداء هذه الدعوة، وعابوا أهل السنة بهذه الفتن، فإنها تؤثر في نفوس كثير من إخواننا. لكن حنانيك يا عبد الله، ومهلا أيها المسلم الكريم. عليك إذا تجددت الفتن أن يعظم في قلبك الإيمان بالله والثقة بوعده، وأن تدل الناس على ذلك، فتملأ القلوب باليقين بوعد الله سبحانه وتعالى. أليس الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾؟ أليس الله عز وجل يقول: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾؟ فدين الله محفوظ بحفظ الله، والأمر أمره، والحكم حكمه. ولهذا جاءت في الصحيحين من حديث معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من ناوأهم، إلى أن تقوم الساعة». فأبشر أيها المسلم. بعض الناس ربما دفعه الغيرة على الدين والدفاع عن الشريعة إلى أن يقوم ويأخذ مقام العلماء، فيوجه ويرشد، ثم بعد ذلك تكون المفاسد العظيمة. يا عبد الله، الله عز وجل تكفل بحفظ دينه، وجعل العاقبة للمتقين. فدين الله عز وجل منصور. فانشغل فيما أمرك الله عز وجل به، وكن على هذه التقوى، تجد السلامة والنجاح والعافية في الدنيا وبين يدي الله تبارك وتعالى. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يصلح أمور المسلمين، وأن يجمع ما بينهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. جزى الله أخانا أبا سفيان أحمد حاج على هذه الكلمة النافعة الماتعة، التي نحن بأمس الحاجة إليها، ونحن في هذه المواطن وفي هذه الأزمان، أزمان الفتن. فنسأل الله جل وعلا أن يجزيك خيرا، أخانا أبا سفيان. كذلك ذكرنا أخونا سفيان بأخينا الفاضل الشيخ نبيل الحمر، أبو حذيفة، لطالما افتقدناه في مثل هذه المجالس، والذي كان من أوائل المشاركين فيها. وأنا أطلب من الجميع، إخواني في الله، اختيارا لا إلزاما، بأن نلهج بالدعاء، لنسأل الله جل وعلا أن يمن عليه بالشفاء العاجل، وأن يلبسه لباس الصحة والعافية، فإنه مصاب بمرض، أحوج ما يكون لدعاء إخوانه. فادعوا الله له، إخواني في الله، أن الله يشفيه ويعافيه. اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة.