كلمة الشيخ الفاضل أبو خالد وليد مقرم

المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ الفاضل أبو خالد وليد مقرم، ألقاها

حاجة الأمة للمصلحين في زمن غربة الدين

يشدد المتحدث على ضرورة وجود مصلحين في عصر غربة الإسلام، مستنداً إلى حديث النبي ﷺ عن الغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس. ويوضح أن بعثة الأنبياء كانت أساساً لإصلاح العباد والبلاد وإقامة الحجة.

جهود المصلحين عبر التاريخ من الأنبياء إلى المجددين

يستعرض المقطع سلسلة المصلحين بدءاً من الأنبياء كنوح وهود وصالح وشعيب وخاتمهم محمد ﷺ، مروراً بالصحابة والتابعين، وصولاً للأئمة المجددين كالأحمد وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب. ويبرز مواقفهم في تثبيت العقيدة الصحيحة ورد البدع.

دور علماء الإصلاح في تصحيح العقائد ومواجهة البدع

يسلط الضوء على جهود علماء الإصلاح في بلاد الحرمين واليمن كالأماني والفوزان وربيع بن هادي ومقبل الوادعي في ردع التحزب والغلو وتصحيح العقائد الفاسدة. ويؤكد أن دعوة أهل السنة تقوم على العلم والرحمة وإصلاح العقائد والمناهج والمعاملات.

أهمية الإصلاح الذاتي والشامل لكل فرد

يدعو المتحدث إلى المبادرة بالإصلاح في الوقت الراهن، مؤكداً أن الإصلاح ليس مقتصراً على جهة أو طائفة معينة. ويشدّد على أن كل فرد مطالب بإصلاح نفسه أولاً ثم السعي في إصلاح من تحت يده.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فنحمد الله عز وجل العزيز الحميد الذي جمعنا في هذا المجمع، الذي نسأله جل وعلا أن يجعله مجمعاً مباركاً، واجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وأن لا يجعل فينا شقياً ولا محروماً، وأن يجعله جل وعلا اجتماعاً تتنزل عليه السكينة، وتغشاه الرحمة، وتحفه الملائكة، ويذكره الله جل وعلا فيمن عنده. وأجزى الله خيراً كل من أسهم في إقامة هذا الاجتماع، ومن كان سبباً في إقامته، وأخص بالذكر إخواننا المشايخ القائمين على هذه الدار، نيابة عن شيخنا أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن مريك حفظه الله، سدد خطاه في الحق. ونجتمع في هذه الدار من دور الحديث في اليمن، ونسأل الله جل وعلا أن يبارك فيها. أشكر لإخواني المشايخ: أبي هاشم، وأبي معاد، وأبي همام باللهبة سعد، وأبي يوسف عبد المجيد، وأبي إبراهيم عوض بن عروة، وغيرهم من إخواننا ومشايخ طلاب العلم الذين بذلوا الأوقات وسعوا في إقامة هذا الاجتماع، ونسأل الله جل وعلا أن يجزي خيراً كل من حضر، وكل من شارك من إخواننا المشايخ وطلاب العلم، أجزاهم الله خير الجزاء. أيها الإخوة، حاجة الأمة في هذا الزمن خاصة إلى المصلحين أشد من حاجتها إليهم في أي وقت مضى. ولذلك، من تأمل حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام حين ذكر الغربة، ذكر بعض صفات الغرباء؛ ففي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال عليه الصلاة والسلام: «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء». وجاء في خارج «صحيح مسلم» أنه عليه الصلاة والسلام قال لما سئل: «من الغرباء؟» قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس». وفي لفظ: «الذين يصلحون ما أفسد الناس». ما ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل الغربة إلا هذه الصفة، وهاتين الصفتين: يصلحون أنفسهم، ويصلحون في غيرهم، ويصلحون ما أفسد الناس. وهذا نستفيد منه ما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وجود المصلحين في زمن الغربة، وأنه لا بد من وجود مصلحين خاصة في أوقات الغربة. ونحن في زمن من أزمان الغربة، فالدين في هذه الأزمان غريب، والمستقيم غريب في أهله، وفي حارته، وفي بلده، وفي مجتمعه، هذا إن سلم من الهمز واللمز والأذى وغير ذلك. وحقيقة دعوة الأنبياء والرسل هي في هذا؛ ما بعث الأنبياء والرسل إلا لإصلاح الأرض بعد إفسادها، كما قال عز وجل: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾ [الأعراف: 56]، قال بعض أهل التفسير: أي بعد إصلاحها ببعثة الرسل. قد صرح بعض أنبياء الله جل وعلا بهذه الحقيقة، ألا وهي أن بعثة الأنبياء والرسل كانت لأجل إصلاح العباد والبلاد، وإقامة حجة رب العباد على العباد، كما قال جل وعلا على لسان نبيه شعيب عليه السلام: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88]. فالله جل وعلا يقول: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ [النساء: 165]. فأرسل الله جل وعلا الأنبياء والرسل لأجل إصلاح العباد: لما ظهر الشرك في قوم نوح، بعث الله جل وعلا نوحاً عليه الصلاة والسلام إليهم يدعوهم إلى التوحيد. وأعظم الإصلاح إصلاح عقائد الناس من التعلقات بغير الله جل وعلا، من دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، والرجاء ورجائهم، والنذر إليهم، وغير ذلك، والذبح لهم. ولذلك أصلح نوح عليه الصلاة والسلام قومه الذين بعث إليهم، فكم أصلح من عقائد فاسدة. وهكذا هود عليه السلام، أرسل الله جل وعلا إلى عاد الذين كانوا في بلاد الأحقاف في هذه البلاد، حين ظهر الشرك دعاهم إلى التوحيد وأصلح عقائد الناس. وهكذا صالح، وهكذا شعيب، إلى أن ختمهم نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، أصلح عقائد الناس؛ كانوا يدعون اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، فأخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، كما قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يحكي للنجاشي أصحمة رضي الله عنه حقيقة بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآثار هذه الدعوة: «أخرج من أصلاب أولئك المشركين الطاغين، أخرج من أصلابهم خالد بن الوليد من صلب الوليد بن المغيرة، وعكرمة بن أبي جهل من صلب أبي جهل فرعون هذه الأمة وطاغية قريش، وعمر بن العاص من صلب العاص بن وائل، وجبير بن مطعم، وهكذا غير هؤلاء، صفوان بن أمية من صلب أمية بن خلف من أكابر طغاة قريش». وهكذا تتابع المصلحون في هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقام بأمر الإصلاح الصحابة رضوان الله عليهم، فدعوا إلى ما دعا إليه النبي عليه الصلاة والسلام، أصلحوا عقائد الناس، أصلحوا مناهجهم، أصلحوا عباداتهم، أخلاقهم، معاملاتهم. وهكذا جاء بعدهم أتباعهم من التابعين، وأتباع التابعين، والأمة. وهكذا من فضل الله جل وعلا أوجد الله جل وعلا أولئك المصلحين الذين كانت لهم الآثار الحميدة في الأمة الإسلامية. الإمام أحمد رحمه الله، مصلح عظيم من أولئك المصلحين، أصلح عقائد الناس، فمن فضل الله جل وعلا ثبته حتى ثبت هذه العقيدة في نفوس الناس: القرآن كلام الله غير مخلوق. القرآن كلام الله غير مخلوق، قد انتشر في ذلك الزمان عند كثير من الناس، قد دعا إلى ذلك دعاة يشار إليهم بالبنان في ذلك الزمان، يقولون: القرآن مخلوق. فأصلح إمام أحمد هذا الاعتقاد، ثبت على هذا القول، عُذب وسُجن، ويقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ظهرت في عهده طوائف ضالة مبتدعة، نشرت العقائد الفاسدة: عقيدة التجهم، والتعطيل للأسماء والصفات، وهكذا القول بالجبر وغير ذلك. فأصلح عقائد الناس، ودعا وأصلح، وبَيَّن منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، وفي باب الإيمان رداً على المرجئة، وفي باب الإمامة رداً على الخوارج، وفي غير ذلك من الأبواب. وهكذا الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله، أثار دعوته الإصلاحية ظاهرة، وناصرَه في ذلك الإمام محمد بن سعود رحمه الله، فدعا الناس لعبادة الله بعد أن كانوا يعتقدون في غير الله جل وعلا النفع والضر، كانوا يعتقدون في أحجار، وفي خيوط يعلقونها في بعض الأشجار يلتمسون منها البركة لأولادهم، وقد شيدوا القبور ورفعوها ودعوها من دون الله عز وجل، فكانت له هذه الدعوة العظيمة الإصلاحية. وهكذا أبناؤه من بعده، وهناك دعوات أخرى: القرعاوي له دعوة إصلاحية عظيمة في جنوب المملكة، وحافظ الحكمي، وأحمد النجمي رحمة الله عليه، وهكذا كذلك توالى هؤلاء المصلحون الذين هم من تلاميذ هؤلاء المصلحين. فهناك أئمة من المصلحين في بلاد الحرمين: محمد أمان الجامي رحمه الله، لما ظهر في تلك البلاد التعصب والتحزب، وهكذا الطعن عن ولاة الأمر والتحريض على ذلك، وأظهر دعاة القطبية الفكرة الخوارجية، وكانوا يبثون، فقام رحمه الله تعالى وأنكر على ذلك، وأشرطته مسجلة الحمد لله. وهكذا كذلك بعد هؤلاء تلاميذ هؤلاء، أمثال الفوزان، وهكذا الشيخ ربيع بن هادي حفظه الله، وهكذا الشيخ الجابري، والشيخ محمد بن هادي، والشيخ العباد، هؤلاء كلهم هم مصلحون يصلحون ما أفسد الناس من عقائد، وما أفسد الناس من مناهج، وما أفسد الناس من عبادات، وما أحدث من بدع ومحدثات. الشيخ مقبل رحمه الله تعالى، دعوته ظاهرة، وآثار هذه الدعوة بحمد الله عز وجل، جاء إلى اليمن فيها التشيع، فيها الرفض، دعا إلى السنة والجماعة، فانتشر هذا المنهج السلفي وهذه الدعوة المباركة، ولا زالت الدور في اليمن ما هي إلا ثمار من ثمار هذه الدعوة. وهكذا القائمون على دور الحديث في اليمن أيضاً هم من هؤلاء المصلحين الذين لهم الآثار الحميدة في مجتمعاتهم، فكم أصلحوا وكم دعوا إلى منهج أهل السنة والجماعة. فعَلينا يا عباد الله أن نسير على ما سار عليه السلف الصالح من الصحابة، وأن نكون على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه الصحابة، وما كان عليه التابعون لهم بإحسان، وما كان عليه علماؤنا في الدعوة لله عز وجل وإصلاح عقائد الناس. فالعقائد الفاسدة موجودة: بعد أيام تقام زيارة في الواسط، لا تبعد عن الشحر إلا دقائق، ربع ساعة أو أكثر أو أقل قليلاً، تقام فيها زيارة لقبر المحضار، عمر المحضار، يدعى من دون الله جل وعلا، ويستغاث به، ويذهب الناس إليه يريدون الخير والبركة. وكنا نحن من يذهب إلى هذه الزيارة، كنا نقول في أيام جاهليتنا حين نذهب إلى هذه الزيارة: «عمر المحضار جئنا نزورك، ومن زارك بغى منك كرامة، عمر المحضار جئنا نزورك، ومن زارك بغى منك كرامة، عمر المحضار جئنا نزورك، ومن زارك بغى منك كرامة». أي والله نقول هذا، لا زال الناس يقولون هذا. الاعتقادات الفاسدة لم تزل عند الناس، يعتقدون في هؤلاء الأموات، زيارات تقام، فمن يصلح هذه العقائد إن لم يصلح أهل السنة؟ وهكذا من يصلح المناهج التي يسير عليها الناس الآن؟ يبث الجهل، وهذا من أعلام النبوة عليه الصلاة والسلام، قال: «ويبث العلم ويبث الجهل». يبث الآن، يبث عبر القنوات، الآن يقول: بث البث، نعم هذا البث قد ذكروا أن النبي عليه السلام أنه سيبث، والآن يبث عبر القنوات، يبث عبر وسائل التواصل، يبث عبر كذا، عبر الإذاعات: عقائد فاسدة، عقائد الرفض، عقائد الخوارج. فعلى أهل السنة خاصة القيام بهذا الأمر العظيم، أمر الإصلاح: صلاح ذات البين، صلاح عقائد الناس، صلاح مناهج الناس. نبين للناس حاجة هذه الدعوة، حاجة هذا الدين، قد شوهها الدين، الكثير من الناس يظنون أن الدين هو هذا الذي تمثله تلك الطائفة وتلك الطائفة، وأهل السنة منهم براء. طائفة التي تدعو بالتفجير والتكفير، هؤلاء ليسوا من أهل السنة. دعوة أهل السنة علم ورحمة، دعوة أهل السنة إصلاح لعقائد الناس، إصلاح لمناهجهم، إصلاح لمعاملاتهم. نسأل الله جل وعلا أن يهدي الضالين من المسلمين للحق، وأن يجعلنا من المسلمين ومن المصلحين، وأن يبصر الناس بدينهم. وأقول هذا، واستغفر الله العظيم لي ولكم، وبارك الله فيكم. جزى الله الشيخ أبا خالد حفظه الله تعالى ورعاه على طرحه لموضوع الإصلاح، وكما قال حفظه الله: فالوقت وقته إصلاح. ولا ننتظر إخواني في الله أن يكون الإصلاح لجهة معينة أو لطائفة مخصوصة، بل ما منا من أحد إلا وينبغي أن يسعى في إصلاح نفسه أولاً، ثم إصلاح من تحت يده.

شاركنا على