الخط التاريخي لظهور البدع  3

الخط التاريخي لظهور البدع 3

الدرس في الخط التاريخي لظهور البدع 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

المرحلة الثانية من تاريخ الأمة الإسلامية وظهور البدع

يتناول هذا الفصل المرحلة الثانية من تاريخ الأمة الإسلامية، حيث ظهرت البدع الرئيسية مثل الخوارج والشيعة. يركز على الفترة من السنة 37 إلى 100 هجري.

بدعة الخوارج: النشأة والعقائد

يتناول هذا الفصل بدعة الخوارج، نشأتهم في معركة صفين، أسماءهم، وعقائدهم المتطرفة مثل تكفير مرتكب الكبيرة. يشرح خروجهم على علي رضي الله عنه بعد التحكيم.

بداية التشيع وتطوراته

يتناول هذا الفصل بداية التشيع وتطوراته، حيث بدأ بمحبة علي بن أبي طالب ثم تطور إلى فرق مختلفة بسبب بدع ظهرت في خلافته. يشرح تأثير عبد الله بن سبأ في ظهور الغلو في علي.

علاقة الشيعة بعلي رضي الله عنه وتأثيرهم

يتناول هذا الفصل ظهور الشيعة في زمن علي رضي الله عنه وغلوهم في حقه، بينما عاداه الخوارج وآذوه. يشير إلى استمرار البحث في الفرق الأخرى في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مضى معنا إخواني في الله في الدرس السابق ما يتعلق بالنظر في الفترة الزمنية التي جعلت من بعثته عليه الصلاة والسلام إلى السنة السابعة والثلاثين من الهجرة كمرحلة أولى من مراحل الأمة، إذ أنها تميزت بعدم ظهور بدعة يكون لها شان ويكون لها رأس وأتباع، وإنما كانت هذه المرحلة من المراحل التي فيها من الصفاء والنقاء، وفيها من التماس والتمسك بشرع الله جل وعلا على وفق سنة النبي عليه الصلاة والسلام. ننتقل الآن إلى المرحلة الثانية، وهي الفترة الزمنية والتي جعلها العلماء من أهل التاريخ من السنة السابعة والثلاثين إلى المئة للهجرة، من سبع وثلاثين إلى المئة من الهجرة النبوية، هذه الفترة في سنة السابعة والثلاثين، وهي بالتحديد منتصف خلافة علي رضي الله تعالى عنه، وظهرت في عصره بدعتان: الخوارج والشيعة، الخوارج والشيعة، وهم بدعتان متقابلتان، فالأولى تبغضه وتحاربه بل وتكفره، والثانية وهم الشيعة على عكس ذلك، يعظمون عليا ويجّلونه ويؤيدونه ويناصرونه، فهم بدعتان متقابلتان متناقضتان في حق علي رضي الله تعالى عنه، وهم ظهر في زمنه. ثم بعد ذلك في أواخر عصر الصحابة ظهرت بدعتان أخريان، وهما القدرية والمرجئة، فإذا في هذه الحقبة الزمنية نحن سنتكلم على أربع بدع: الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وكان ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية، فلما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان ظهرت بدعة الحرورية، وتقدم بعقوبتها الشيعة، ثم في أواخر عصر الصحابة حدثت القدرية في آخر عصر ابن عمر وابن عباس وجابر وأمثالهم من الصحابة، وحدثت المرجئة قريبا من ذلك». ذكر رحمه الله تعالى تتابع هذه البدع: الخوارج والشيعة، ثم ظهرت القدرية والمرجئة، وكان يمكن حصرها تاريخيا في هذه المدة من السابع والثلاثين إلى المئة للهجرة، ظهرت هذه البدع الأربعة. نبدأ بالخوارج أولا، الخوارج بدأت فرقة الخوارج تخرج كفرقة وذلك خلال معركة صفين، في معركة صفين عندما وقع القتال بين جند علي رضي الله تعالى عنه مع جند معاوية رضي الله تعالى عنهم جميعا في الفتنة التي وقعت ولها ملابساتها. في هذه المعركة التي وقعت بين الجندين كاد جيش الشام أن ينهزم، فلجأوا إلى فكرة بها يستطيعون أن يخففوا الوطأ عنهم ويبعدوا هذا الثقل من شدة تقدم جيش علي عليهم، فكروا في قضية التحكيم، فكان منهم أن رفعوا المصاحف، وقال بعضهم: «نرضى بحكم الشرع فيما بيننا وبينكم»، علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ما أراد هذا، وأرى علي ما أن هذا لا ينفع، إذ كان من صلح فبداية أمره ليس الآن ونحن على وشك الانتصار. أراد علي أن يستمر حتى ينهي هذه المسألة برمتها، ينتهي الأمر ويستفيد الأمر له، إلا أن جماعة من جماعته من معسكره خرجوا عليه وقالوا: «لا يا علي، نلزمك بهذا، قف لا تواصل، ما سنستمر ما سنقاتل معك، الجماعة حكموا شرع الله بيننا، سنتحاكم إلى شرع الله»، فلا زالوا به يرغمونه على الإيقاف ويرضخ بالصلح والتحكيم، فوافق علي رضي الله تعالى وافق ليس برضاه، إنما أرغم على هذا وألزم به. وقعت قضية التحكيم، طبعا وهذا المقام لا يسعى للتكلم على مسألة التحكيم وما جرى فيها، فهي قضية، وإن كان حقها أن يتنبه لقضية التحكيم، وخاصة من تلكم الروايات التي أصبحت مشهورة عند الناس وهي كذب واختلاق، كذب واختلاق لفقها من لفقها من أهل الوضع والزور والتزوير، آتوا بقصة مدبلجة كيف أن التحكيم وقع فيه غش بين الصحابة يخادع بعضهم بعضا، وفيه تشويش وتشويه لسمعة معاوية رضي الله تعالى عنه، وعمر بن العاص وبأبي موسى الأشعري، حتى استطاع بعض الناس من خلال قصة التحكيم هذه المزورة أن يطعن بعدالة الصحابة. وهي قضية وقضية مشهورة هذه كذب، بل لها قصة التحكيم لها أصل، لكن ليس بالذي يحكيه الناس، أن عمر بن العاص خدع أبا موسى الأشعري وضحك عليه، هذا ليس بالصحيح، وأنصح في هذا المقام بالرجوع لما كتبه ابن العربي القاضي رحمه الله تعالى في كتابه «العواصم من القواصم»، فقد أبدع في هذا المبحث وأظهر القصة الحقيقية لقضية التحكيم التي صارت بين معسكر الشام وبين معسكر علي رضي الله تعالى، وما صار بين موسى الأشعري وبين عمرو بن العاص. الشاهد من هذا وقعت قضية التحكيم، فإذ بأصحاب علي الذين هم بالأمس ألزموه بقضية التحكيم هم يتنكبوا عن التحكيم بأصله، يتنكبوا اعتبروا التحكيم هذه جريمة، أيش هذا؟ ما رضوا بالتحكيم، غضبوا بل وأخذوا يوبخون علي بن أبي طالب بما جرى من أمره، وحجتهم ما الذي احتجوا في مفسدة قضية التحكيم؟ قالوا: «بأنك حكمت الرجال، ما نريد الرجال يحكمون فينا، نريد شرع الله أن يحكم فينا، إن الحكم إلا لله»، فقالوا: «يا علي قد كفرت، قد كفرت»، فأخبرهم علي أنكم أنتم الذين ألزمتموني بهذا أصلا، فقالوا: «نعم نحن كفرنا وتبنا، كفرنا وتبنا وأنت كفرت فتب الآن»، قال الله: «أنا ما كفرت، ما كفرت»، حينها انشق وهؤلاء هم الخوارج. فهذه قضيتهم وهذا الذي أدى إلى انشقاقهم عن علي رضي الله تعالى عنه، طبعا علي حاول أن يوضح لهؤلاء السذج حقيقة ما صار، أنتم تريدون شرع الله أن يحكم في القضية، طيب بماذا؟ قيل أن علي في بعض الكتب التاريخية رواية تاريخية أن علي دخل عليهم وأتى بالمصحف وجعله أمامهم وجلس وقال: «يا مصحف خاطب هؤلاء»، فأراد بعضهم أن يضحك على علي، قال: «ما الذي تفعله؟» قال: «أما تريدون أن القرآن يحكم فيكم؟ دعوه يحكم فيكم»، فأخبرهم علي أن القرآن هو مصحف مصطر ما يتكلم، وإنما الذي يتحكمون بما يتكلمون بما في القرآن ويحكمون بما في القرآن، فالرجال هم الحكام الذي يحكمون في القضايا، إنما حكمهم من كتاب الله. فهذا الواقع، ولماذا تريدون؟ فهموا قضية أن علي اختار من يحكم في قضية التحكيم من الرجال، ظنوا أن هذا من قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، أبان علي أن هذا الفكر الساذج فقه ما يقع من عاقل، وإلا كيف تريدون القرآن يتكلم؟ ما يتكلم إلا بأهله، أهل القرآن هم الذين يتكلمون بالقرآن وبما فيه من أحكام. فأولا استولى عليهم الشيطان واستحوذ عليهم، فخرجوا عن عسكر علي رضي الله تعالى عنه، وأمروه أن يتوب مما وقع فيه من كره، فأبى، ففارقوه. هذه إخواني في الله نبذة سريعة عن منشأ الخوارج في معركة صفين في منتصف خلافة علي رضي الله تعالى عنه. الخوارج اشتهروا بعدة أسماء، من أشهر أسمائهم الخوارج، وهذا قد جاء ذكره في قوله عليه الصلاة والسلام عندما تكلم عن هذه الفرقة، قال: «يخرجون على حين فرقة من الناس»، وكان النبي يعني هؤلاء هذه الفرقة يخرجون، فسموا بالخوارج، وأصبح هذا اللقب يطلق على كل من خرج على جماعة المسلمين بأنه خارجي. كذلك يسمون بالمحكمة، من أسماء هذه الفرقة الضالة يسمون بالمحكمة لأنهم فارقوا عليا بسبب مسألة التحكيم، وهذه المسألة هي التي فرقت بين علي وبين هؤلاء، مسألة التحكيم ألزموه بالتحكيم، «إن الحكم إلا لله»، فسموا بالمحكمة. وسموا كذلك بالحرورية، يسمون بالحرورية لأنهم لما خرجوا عن علي انحازوا إلى منطقة سميت حاروراء من أرض العراق، فسموا بها حرورية لمكثهم في تلك البقعة. ويسمون كذلك بأهل النهروان، بأهل النهروان وذلك نسبة إلى المجال الذي قاتلهم فيه علي رضي الله تعالى عنه، كما سيأتي، قاتلهم علي بعد ذلك. ويسمون كذلك بالشوراه، يذكر هذا كذلك في كتب التاريخ، الشوراه، ومعنى هذا الاسم: أنهم زعموا أنهم شروا أنفسهم ابتغاء مرضات الله، شروا أنفسهم ابتغاء مرضات الله، وهم لله وفي الله أموالهم وأرواحهم وأنفسهم، فسموا بالشوراه. ويسمون كذلك بالمكفرة، لأنهم يكفرون بالكبائر، ويكفرون كل من خالفهم، من لم يكن معهم فهو كافر. ويسمون كذلك بالناصبة، لأنهم ناصبوا العداء لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وصرحوا ببغضه وبعداوته، وهم ناصبة. ومما يذكر عن الخوارج أنهم بايعوا عبد الله بن وهب الراسبي وجعلوه أميرا عليهم، وذلك في العاشر من شوال سنة سبع وثلاثين للهجرة، ويكونون بهذا أول من خرج على الأمة بإمام منفصل، ما كان هذا يعرف، لكنهم خرجوا، نصبوا لأنفسهم أميرا لهم دون سائر الناس. وكان ذلك في هذا العام، في السابع من شوال، العاشر من شوال في سنة السابع والثلاثين من الهجرة، كان أميرهم عبد الله بن وهب الراسبي، رأسهم وكبيرهم، ضال مضل. الخوارج اشتهرت بعدة بدع، من أشهر بدعهم الحكم على مرتكب الكبيرة بأنه كافر خالد مخلدا في نار جهنم، حلال الدم والمال، هذا أمر مشترك بين جميع فرق الخوارج، الحكم على صاحب الكبيرة بالكفر، على صاحب الكبيرة، فعلة كبيرة كافر مباشرة، حكمه يجري في الدنيا بحل دمه وماله، وفي النار حكمه كافر مخلد في نار جهنم. وإن كان الأشعري رحمه الله يرى أن النجدات -وهي فرقة من الخوارج- ما يقولون بهذا، لكن الشهرستاني رحمه الله وجماعة من المؤرخين أو لا يرون أن جميع فرق الخوارج على هذه العقيدة، التكفير بالكبيرة. كذلك من حكمهم، من حكم العقيدة الخوارج الحكم على علي وعثمان وكل من رضي بالتحكيم بالكفر، فهو كافر، من كل من رضي بالتحكيم، سواء كان من جند علي أو من كان من جند الشام معاوية، وعلي وكل من رضي بالتحكيم، الحكمان رضيا بالتحكيم أو أقرهما أو صوب أحد الحكمان، كل هؤلاء كفار، صحابي ولا غير صحابي، جرأ على الناس وهكذا من عقيدة الخوارج. وجوب الخروج على السلطان الجائر، واجب ما عندهم الذي عند أهل السنة من الصبر، لا بل عندهم وجوب الخروج، يخرجون عليه، ولا طاعة بل يخرجون عليه بالسلاح والسيف. وهناك العديد العديد، لكن كما قلنا لن نسلم في هذا المقام بصدد الذكر العقدي لهم، بل لهم كذلك مسائل عقدية لهم مسائل حتى فقهية غريبة، لما قامت السائلة تسأل عائشة: «يا عائشة ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟» قالت: «أحرورية أنت؟ أحرورية أنت؟» لأن هذا من مذهبهم الفقهي. فلهم شذوذات علمية، وكما قلنا وليس نحن في مقام التتبع لأخطائهم وشذوذاتهم وبدعهم، لكن حسبنا أن نعلم أنها فرقة ظهرت بهذا المظهر في هذا العام. الفرقة الثانية إخواني في الله وهم الشيعة، كما قلنا نزلنا في هذه المرحلة بصدد الكلام على ضلال بدع الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة، الفرقة الثانية الشيعة. والشيعة اسم أطلق على الذين نصروا عليا رضي الله تعالى عنه نصرة، فإن شيعة الرجل هم أنصاره أعوانه، هذا في اللغة، شيعة الرجل قيل: «هذا من شيعته»، أي من أنصاره ومن أعوانه. ثم أصبحت ثم أصبح بعد ذلك التشيع عبارة عن فرقة كبيرة لها عقائد، لها عقائد. وقد كان التشيع في بداية أمره معتدلا، فيه اعتدال، كان التشيع عبارة عن محبة لعلي رضي الله تعالى عنه، كان يوجد من يقدم علي على عثمان، هذا يقدم علي على عثمان، ومنهم من كان يقدم عثمان على علي من غير سب، من غير تجريح، وكان الكل متفق على إمامة أبي بكر وعمر، هكذا كان التشيع في بداية أمره، إنه اعتدال. إنما أبو بكر على العين والرأس، عمر على العين والرأس، إذا جاء عند عثمان وعلي أيهما أفضل؟ قلنا: علي أفضل، أفضل من عثمان للأدلة وللمناقب، فكان هذا الاعتدال في التشيع أول ما ظهر. لكن بعد ذلك خرج التشيع عن هذا المظهر وهذا المنظر ببدع كبار، حتى ظهر وذلك عندما ظهر رجل اسمه عبد الله بن سبأ، وهو رجل يهودي كان يهوديا أصله من اليمن، أسلم ودع الإسلام، لكن هذا الخبيث من خلال تغلغله في بلاد الإسلام وسفره واستغلال الفتن الموجودة في الساحة، كان ينادي بمسألة وهي مسألة التعظيم لآل البيت، التعظيم فكان يزعم محبة آل البيت والمغالاة في علي رضي الله تعالى عنه. بدأ قليلا قليلا حتى وصل إلى أن وضع في أذهان بعض الناس إلى أن علي إله من دون الله، إلى هذا الحد، إلى أن علي إله من دون الله، فدرج مع النائس تارة يقول: «أن علي هو الخليفة»، ومن ذكر من المؤرخين أن وصل إلى أن قال: «أن علي ينزل عليه الوحي»، إلى أن قال: «أن علي هو صاحب الوحي»، علي هو الله، وأن الله عز وجل هو أن عليه هو الإله الحق. وهذا سيأتي بيانه، يقول الشهرستاني رحمه الله تعالى ويتكلم عن ابن سبأ وهو الذي أنشأ الشيعة الغلاة، قال: «وهو أول من أظهر القول بالنص بإمامة علي»، ومنه انشعبت أصناف الغلاة، ثم قال: «وهم أول فرقة قالت بالتوقف والغيبة والرجعة، وقالت بتناسخ الجزء الإلهي في الأئمة بعد علي رضي الله تعالى عنه». ولهم الغلاة من غلاة الشيعة، نأتي إلى أصناف الشيعة، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ولما أحدثت البدع الشيعة في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ردها، كانت ثلاثة طوائف: غالية، وسبابة، ومفضلة»، هذه البدع التي ظهرت في الشيعة أنهم على ثلاثة أنحاء من أنحاء البدع، منها الغلاة، ومنها السبابة، ومنها المفضلة. المفضلة هم فرقة من فرق الشيعة ممن يفضلون علي رضي الله تعالى عن على كل أحد، حتى أنهم يفضلون على أبي بكر وعمر، وسيأتي معنا كيف تعامل علي مع هؤلاء. والفرقة الثانية وهم السبابة، وهم الذين يتجرؤون على سب أبي بكر وعمر وعثمان، هؤلاء كذلك من الفرق الضالة، وهؤلاء كذلك تعامل معهم علي بما يناسب حالهم. والفرقة الأخيرة وهم الغالية، هم الذين غلوا في علي رضي الله تعالى عنه وزعموا أنه إله، وسيأتي كذلك كيف تعامل علي مع هؤلاء. ومن أشهر بدعهم التي تميزت بها الشيعة -وإلا الشيعة طوائف كثيرة، طوائف كثيرة وعديدة- لكن ربما هناك بعض الأصول والعقائد التي يجتمعون تحتها. ومن ذلكم القول بإمامة علي نصا، حيث يجمعون أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على إمامة علي، طب ما الذي صار بعد ذلك؟ يفهمون أن النبي وصى بخلافة علي من بعده، فلماذا ما قام؟ يقولون: هؤلاء الصحابة هم الذين منعوه، استغلوا ضعفه وأنه وحيد، فتكالبوا عليه وسحبوا زمام الأمور من يده وأخذوها هم، هؤلاء أخذوها، وإلا علي هو موصى من قبل رسول الله. حقد وكراهية، وقبل ذلك إفك وكذب ما كان هذا، لكن هذا يعتبر عقيدة عند كل الشيعة، إلا يمكن الغالب يعتقدون أن علي موصى بالخلافة من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويعتقدون أن علي أفضل الخلق بعد رسول الله، فمن عاداه أو حاربه فهو عدو لله، كل من يتجرع عليه بالضد، بالحرب بأن يقف أمام وجهه، فهذا عدو لله سبحانه وتعالى. ويعتقدون أيضا بعصمة علي وعصمة الأئمة من بعده، ليس فقط علي معصوم، بل الأئمة ممن هم على منهجه هم كذلك معصومون، لا يصدر منهم خطأ، بل إنما الله يمدهم بمدد من عنده فيعصمهم من الخطأ والزلل بأقوالهم وأفعالهم، وهم وفقون، ولهذا تجد الشيعة يأخذون أقوال أئمتهم وهم مستسلمين لها، لا أحد يتردد، فأن ما ينطق به إمامهم ما هو إلا وحي من عند الله جل وعلا، لأن الله عصمهم، هكذا يعتقدون. وهكذا من عقيدة الشيعة الذي يشتركون فيها قضية التقية، أو ما يسمى بالتقية، والتقية معناها هو أن يظهر الواحد منهم خلاف ما يبطن، يظهر خلاف ما يبطن، نحن نسمي هذا ماذا؟ نفاق، هذا نفاق بعينه، لكنهم يعتبرونه تقية، ويعتبرونه هذا من أفضل التدين، حتى يقولون: «أنه لا دين لمن لا تقية له»، يقررون هذا لأتباعهم، «لا دين لك إذا ما عندك تقية، ما عندك دين»، كيف التقية؟ تقية: «اذهب مع أهل السنة وكن منافقا معهم، كن معهم، نعم صحيح ما تقولون، والله كلامكم صحيح، صحيح كله صحيح، معكم»، ثم بعد ذلك تبطن ما يخالف، تبهرجه، اجعل في قلبك الكذب والتزيف لما يقولون، فإذا كنت معهم وأطوق بخبر، قل: «نعم صحيح، نحن معكم ونحن نحبكم»، ولو كنا نكرههم كره، لكن كن صاحب تقية، أي كن منافقا. وهذا تجمع عليه جميع طوائف الشيعة المبتدعة على أن التقية من أعظم دينهم، طبعا هناك إخواني في الله أدل عقائد كثيرة، وأخبرناكم لسنا نحن في مقام تتبع لعقائدهم، وإلا هناك عقيدة في الله، عقيدة في الرسول، عقيدة في الصحابة، عقيدتهم في مسألة الرجعة، في مسألة الغيبة، لكن نحن لسنا في مقام التتبع العقيدي، وإنما في التتبع التاريخي. ويهمنا في هذا الباب أن الشيعة ظهرت في زمن علي رضي الله تعالى عنه بإزاء فرقة الخوارج، فالخوارج عادوه وآذوه وقاتلوه، وأما هؤلاء فقد غلوا فيه ومجدوه، حتى أن منهم من يفضله على كل أحد، ومنهم من غلا فيه وأثبت له الإلهية. وإن شاء الله في درس غد نواصل البحث حول الفرقة الثالثة والرابعة ممن ظهرت في هذه الفترة الثانية من الحقبة الزمنية، وهم القدرية والمرجئة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.