الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع معتقد أهل السنة والجماعة في الشهادة بالجنة والنار بنوعيها: الشهادة بالعين لأشخاص سماهم النبي ﷺ، والشهادة بالوصف لمن اتصف بالإيمان والتقوى. كما يتناول الشهادة بالعموم لأهل بدر والحديبية، والشهادة بالنار لأشخاص بعينهم كأبي لهب وعمرو بن لحي.
يستعرض المقطع أدلة القرآن والسنة على دخول أبي لهب وزوجته وعمرو بن لحي ووالد النبي وآل فرعون وأبي طالب النار. ويؤكد أن أهل السنة يشهدون بذلك نقلًا عن الوحي لا عن هوى، وأن قضاء الله في خلقه حكمة وعدل.
يوضح المقطع أن النبي ﷺ شهد لأبي طالب بالنار وأنه أهون أهلها عذاباً بفضل شفاعته، ثم ينتقل لبيان شهادة الوصف بدخول الكفار والمنافقين النار. ويختتم ببيان فتنة القبر وسؤال الملكين للميت، مع تأكيد ثبات المؤمن ووجوب تعلم العقيدة بالعلم.
يتمتع الشهداء بكرامة النجاة من سؤال القبر وفتنته لقول النبي ﷺ: "كفى ببارقة السيوف عليهم فتنة". أما الأطفال فقد اختلف العلماء في سؤالهم، والراجح عند ابن القيم وابن تيمية وأكثر أهل السنة أنهم يُسألون في القبور قياساً على امتحانهم يوم القيامة.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ونشهد بالجنة لكل من شهد له الكتاب والسنة بالعين أو بالوصف". فمن الشهادة بالعين: الشهادة لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ونحوهم ممن عينهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومن الشهادة بالوصف: الشهادة لكل مؤمن أو تقي. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع اعتقاد أهل السنة والجماعة في الشهادة لأحد بالجنة، أو الشهادة لأحد بالنار. فمعتقد أهل السنة والجماعة أنهم يشهدون بالجنة لمن شهد له الكتاب والسنة، ويشهدون بالنار لمن شهد له الكتاب والسنة بذلك، أي أنه من أهل النار. والشهادة بالجنة: شهادة بالعين، أو شهادة بالوصف. فالشهادة بالعين: أي أنه شهد له بالجنة بعينه، وأن فلانًا من أهل الجنة. هذه شهادة بالعين. وشهادة بالوصف: هي الشهادة لمن توفرت فيه هذه الأوصاف، ولمن حقق هذه الأوصاف. الشهادة بالجنة للمتقين، وللمحسنين، وللمتوكلين على الله جل وعلا، ولأهل الإيمان. أوصاف كثيرة، من حققها شهد له بالجنة. ويقال: من كان من أهل الإيمان فهو من أهل الجنة، من كان من أهل التقوى فإنه من أهل الجنة، من كان من أهل الإحسان، وهكذا. وأما الشهادة بالعين: ففي حق من شهد له بذلك، كالعشرة المبشرين بالجنة. العشرة المبشرون بالجنة شهد لهم بأعيانهم أنهم من أهل الجنة، شهد لهم بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وأخبر عليه الصلاة والسلام أن أبا بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وسائر العشر: بقية العشر: عبد الرحمن، وسعيد بن زيد، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص. فالعشرة مشهود لهم بأعيانهم وأنهم من أهل الجنة، فنشهد لهم بالجنة كما شهد لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا غيرهم ممن شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة: كثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنه وأرضاه، شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة. وكفاطمة سيدة نساء العالمين، وكخديجة رضي الله تعالى عنها. وهكذا جعفر بن أبي طالب، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رآه يطير بجناحيه في الجنة. وبلال بن رباح رضي الله تعالى عنه، سمع النبي عليه الصلاة والسلام خشخشة نعليه في الجنة، فقال: "سمعت خشخشة نعليك في الجنة، فأخبرني عن أرجع عمل تعمله". قال بلال: "ما توضأت وضوءًا إلا صليت ركعتين". قال: "فلذلك"، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا عكاشة بن محصن رضي الله تعالى عنه، كما في الصحيحين: لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فخاض الناس - الصحابة رضي الله تعالى عنهم - في هؤلاء السبعين ألفًا، فذكروا أشياء، فأخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون. قال عكاشة بن محصن: يا رسول الله، اجعلني منهم، أو ادعُ الله أن يجعلني منهم. ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "أنت منهم، أنت منهم". فهذه شهادة بالعين لعكاشة بن محصن رضي الله تعالى عنه، وأنه من أهل الجنة. وهكذا الحال فهي بن النعمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فإنه لما استشهد رضي الله تعالى عنه، جاءت أمه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قالت: يا رسول الله، أين منزل حارثة؟ فإذا كان في خير فلا أبكيه، وإلا لفعلت شيئًا. فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: "قد أصاب الفردوس الأعلى، إن ابنك قد أصاب الفردوس الأعلى". وهذه شهادة لحارثة بن النعمان رضي الله تعالى عنه، وأنه من أهل الجنة. وأكد الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما، سيدا شباب أهل الجنة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في الحسن والحسين، وهما ريحانتا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة. فكل من شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بعينه، وأنه من أهل الجنة، فيشهد له بأنه من أهل الجنة. هذا بالعين. وهناك أيضًا نصوص عامة تشهد لها بالجنة بالعموم، بالعموم لا بالأعيان، بالعموم. فمثلا نقول: الصحابة من أهل الجنة، والصحابة في الجنة عام. الصحابة في الجنة، وخاص لمن شهد له بعينه منهم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ﴾. والنصوص في رضا رب العالمين جل وعلا عنهم، تزكيتهم، تنا عليهم نعم، وأن يعملوا ما شاءوا فقد غفر الله لهم، في أهل بدر. هذه نصوص عامة تشهد بالعموم بهؤلاء الذين ذكروا أنهم من أهل الجنة، كما جاء في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا أهل بدر: من حضر بدرًا، قل من حضر بدرًا فهو من أهل الجنة بالعموم. من حضر بدرًا من أهل الجنة. لكن فلان وفلان وفلان وفلان الذين حضروا، يشهد لهم، يشهد لمن شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بعينه من هؤلاء الذين حضروا بدرًا، كالخلفاء الراشدين وغيرهم، ممن شهد لهم النبي عليه الصلاة والسلام من الستة الباقين العشرة وغيرهم. وهكذا أهل الحديبية: لا يدخل النار أحد شهد بدرًا والحديبية، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فهذه شهادة بالعموم، فنشهد لمن حضر الحديبية أنه من أهل الجنة بالعموم. من حضر الحديبية، شهد الحديبية، نقول: هو من أهل الجنة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام شهد بالعموم بأهل الحديبية بأنهم من أهل الجنة. وهكذا كذلك من بايع بيعة الرضوان، بيعة الشجرة. قال عليه الصلاة والسلام: "لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة". يشهد لمن بايع النبي عليه الصلاة والسلام بيعة الرضوان أنه من أهل الجنة بالعموم. فعندنا شهادة بالعين، نعم، وشهادة كذلك وهي خاصة، وشهادة بالعموم. وهناك شهادة بالأوصاف: شهادة بالأوصاف، أهل التقوى، أهل الإحسان، أهل الإيمان والعمل الصالح، وغير ذلك مما جاء فيه الوعد في كتاب الله، أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، بأن من تصف بتلك الصفات أنه من أهل الجنة. قال رحمه الله تعالى: "ونشهد بالنار لكل من شهد له الكتاب والسنة بالعين أو بالوصف". بالعين أو بالوصف. وهكذا ما يتعلق بالشهادة لأحد بالنار: فأهل السنة والجماعة يشهدون لمن شهد له كتاب الله جل وعلا بالنار، أو شهدت له سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام بالنار، وأنه من أهل النار، وأنه من أهل النار بعينه، فيشهدون له بالنار بعينه. قال رحمه الله تعالى: "فمن الشهادة بالعين أي بالنار: الشهادة لأبي لهب، وعمرو بن لحي الخزاعي، ونحوهما". هذه شهادة بالعين بالنار لأبي لهب؛ لأن القرآن شهد لأبي لهب بالنار: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾. فأبو لهب مشهود له بالنار بعينه، وأنه من أهل النار. وهكذا زوجته، زوجة أبي لهب، كما قال جل وعلا: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾، أي من نار. فالقرآن شهد لأبي لهب بالنار، وشهد لزوجة أبي لهب بالنار، فأهل السنة والجماعة يشهدون لأبي لهب بالنار، وهكذا زوجة أبي لهب بالنار. وهكذا عمرو بن لحي الخزاعي، شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بالنار، وقد رآه في النار يجر قصبه، أي أمعاءه في النار. عمرو بن لحي الخزاعي، وهو أول من سيب السوائب، وهو أول من جاء بالأصنام في الكعبة ووضعها في الكعبة، استحسن دين المشركين. فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى ما جزي به هذا الضلال، وأنه في النار يجر قصبه، أي أمعاءه. قال عليه الصلاة والسلام: "هو أول من سيب السوائب". السوائب التي تسيب، لا تركب ولا تذبح، نعم، تسيب للأصنام، تسيب للأصنام، لا ينتفع بها. فهو أول من سن هذه السنة السيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. فهو من أهل النار كما شهد له النبي عليه الصلاة والسلام، فنشهد له بالنار. فنقول: عمرو بن لحي الخزاعي من أهل النار، شهادة بالعين، وأنه من أهل النار، مثل أبي لهب. أبو لهب جاء ذكره في القرآن، وعمرو بن لحي الخزاعي جاءت الشهادة له بالنار في سنة النبي صلى الله عليه وسلم بعينه. ووالد الرسول عليه الصلاة والسلام كذلك في النار، وهو من أهل النار، أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم. تعجب من بعض الناس ممن يشتم أهل السنة، ويتكلم عليهم، ويطعن فيهم، إذا سمع من أهل السنة قال: "والد الرسول في النار"، مثل ما يقول الجفري، الجفري الذي ضل كثيرًا من الناس في هذه القنوات، فيسخر من أهل السنة، ومن علماء أهل السنة. قال: "دائمًا يقول: والد الرسول في النار، والد الرسول في النار". يا إخواني، قد شمعنا، سمعنا، ماذا تريدون من وراء ذلك؟ ماذا تريدون من وراء ذلك؟ كأنه يقول: إن في القلوب الحقد على رسول الله عليه الصلاة والسلام. ماذا تستفيدون من ذلك؟ نستفيد أننا نبلغ ما بينه النبي عليه الصلاة والسلام، هذه الفائدة، وليس في قلوبنا شيء، والله جل وعلا هو المطلع على القلوب، لست أنت ولا غيرك. فانظروا، يستخدم يعني عواطف عامة الناس بمثل هذه السخريات، يقول: "ماذا يريدون؟ والد الرسول في النار، والد الرسول في النار". دائمًا يقول: "والد الرسول في النار". أخرج ما في قلبك، تكلم. يقول: "هل تريد شيئًا من وراء هذا؟ القصد يريد الطعن في آل البيت". سبحان الله! ونحن نقول هذا لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بذلك، ولأن هذا مبحث، هذا مبحث من مباحث أهل السنة والجماعة، يذكر في كتب العقائد: من شهد له بالجنة، ومن شهد له بالنار. فكان من الحق أن يذكر من شهد له بالجنة، ومن شهد له بالنار. فنحن ذكرنا أبا لهب، وهو من آل البيت، لأنه من أهل النار، القرآن أخبر بذلك. ومن العجب في هذا أن بعض الناس يقول: "دائمًا يقرؤون: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ﴾، ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ﴾، ماذا يريدون من هذا؟ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ﴾، عتاب من الله جل وعلا للنبي عليه الصلاة والسلام". وكأنه ما يريدون يقرؤون ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ﴾، أن جاءه الأعمى. لماذا؟ بزعمهم أنهم ما يريدون أن يذكروا هذا الذي عوتب فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم. من الذي عاتبه؟ من الذي عاتبه؟ عاتبه ربه جل وعلا الذي خلقه. هذا اعتاب من رب العالمين. هل عندكم شيء في اعتاب رب العالمين على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ قل له: هذه السورة تكون مكتوبة فقط على المصاحف ولا تقرأ. سبحان الله! فوالد النبي صلى الله عليه وسلم في النار؛ لأن الرسول أخبر، لما جاءه رجل قال: "يا رسول الله، أين أبي؟" قال: "أبوك في النار". فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك الرجل قد تأثر بذلك، قال: "أبي وأبوك في النار، أبي وأبوك في النار". فهذا إخبار من الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، بأن والده في النار. وهذا قضاء الله جل وعلا وقدره، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه. خلق الله الجنة واختار لها أهلًا، خلق النار واختار لها أهلًا. فمن أدخله جنته فبرحمته وفضله، ومن أدخله ناره فبعدله وحكمته. سبحانه وتعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾. فالله جل وعلا أفعاله وأفعال حكمة. فمن أدخله الجنة فبحكمة، ومن أدخله النار فبحكمة؛ لأن أفعاله جل وعلا كلها أفعال خير وحكمة. والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في دعائه، كما في مسلم، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وأم النبي عليه الصلاة والسلام، طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه أن يستغفر لها، فمنعه. طلب أن يزور قبرها، فأذن له في ذلك. بعض من يقول: "والد الرسول عليه الصلاة والسلام من أهل الفترة، فكيف يكون من أهل النار؟" نقول: أخبر الله سلم أنه من أهل النار، ولو كان من أهل الفترة. فإذا كان من أهل الفترة، معناه أنه يسأل يوم القيامة، ولا يوفق للسؤال، فيكون من أهل النار. حتى على القول بأنه من أهل الفترة، معنى ذلك أن أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة، فمنهم من يفوز في الامتحان، ومنهم من لا يفوز. ووالد الرسول إذا كان من أهل الفترة، فإنه يمتحن، ومعنى ذلك أنه لا ينجح في ذلك الامتحان، بل يكون من أهل النار، تصديقًا لخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فأهل السنة والجماعة يشهدون بالعين بالنار لمن شهد له القرآن لذلك، وهكذا لمن شهدت له السنة والقرآن كذلك. شهد لآل فرعون بالنار، لفرعون وآل فرعون بالنار: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. فهذه شهادة كذلك في القرآن لفرعون وآل فرعون، وأنه من أهل النار. النار تعرض عليهم في قبورهم في الغدو والعشي، ويوم القيامة، يوم تقوم الساعة، يدخلون نار جهنم التي فيها العذاب الشديد، الذي أشد من هذا العذاب الذي هم فيه في قبورهم. فهذه شهادة بالنار بهؤلاء الذين جاء ذكرهم في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا أبو طالب، عم النبي عليه الصلاة والسلام، قد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه من أهل النار، كما جاء في الصحيحين، في حديث العباس بن عبد المطلب وغيره. قال العباس للنبي عليه الصلاة والسلام: "يا رسول الله، بماذا نفعت عمك؟ فكان ينصرك"، يعني في الدنيا، وهي نصرة الحمية، ليست نصرة دين. فقال نبي عليه الصلاة والسلام: "أخرجته من قعر النار إلى ضحضاحها، ولولأنا لكان في الدرك الأسفل من النار". فهذا الحديث فيه بيان أن أبا طالب من أهل النار، شهد له بذلك النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه شفع في عمه أبي طالب، فأخرجه من قعر النار إلى ضحضاحها، وهو أهون أهل النار عذابًا. هو أهون أهل النار عذابًا، عليه جمرتان على قدميه، جمرتان يغلي منهما دماغه، ولا يرى أحدًا أشد عذابًا منه. فهذا كذلك شهادة بالنار لأبي طالب، جاء ذكرها في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: "ومن الشهادة بالوصف: الشهادة لكل كافر، أو مشرك شركًا أكبر، أو منافق". شهادة للوصف لكل كافر. قال: الكفار في نار جهنم، المشركون في نار جهنم، المنافقون في الدرك الأسفل من النار، كما في القرآن: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. وهكذا الكفار في نار جهنم، خالدين فيها. فهذه شهادة بالوصف. فكل من أشرك بالله جل وعلا الشرك الأكبر، معناه خرج من ملة الإسلام، فإذا مات على ذلك فهو من أهل النار. هذه شهادة بالوصف للمشركين، وللمنافقين، بأنهم من أهل النار. قال رحمه الله تعالى: "ونؤمن بفتنة القبر، وهي سؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه". فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. وأما الكافر والمنافق فيقول: "لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته". ذكر المؤلف رحمه وتعالى في هذا الموضع ما يتعلق بفتنة القبر، والمراد بفتنة القبر: سؤال الملكين، سؤال الملكين الميت في القبر. هذه فتنة القبر. فذكر في هذا الموضع معتقد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بهذا الأمر، وهي فتنة القبر: سؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ودينه ونبيه. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة عن هذا الأمر في سنته عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إذا وضع الميت في قبره، وذهب عنه أصحابه، سمع قرع نعالهم، ثم يأتيه ملكان فيسألانه". إذا وضع الميت في قبره، وذهب عنه أصحابه، سمع قرع نعالهم، فيأتيه ملكان، فيأتيه ملكان فيسألانه. فهذا فيه بيان أن الميت يسأل في قبره. وفي حديث البراء، الحديث الطويل، الذي هو خارج الصحيح، فيه أن الميت يسأل، يأتي له ملكان فيسألانه عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه. هنا يقع التثبيت من رب العالمين جل وعلا لأهل الإيمان، فأهل الإيمان يثبتون في قبورهم، كما قال جل وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. هذه الآية نزلت في عذاب القبر، في فتنة القبر، كما جاء في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، أنها نزلت في عذاب القبر، حيث أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن المسلم، أن المسلم، كما جاء في الصحيح، إذا وضع في قبره، إذا وضع في قبره، أتاه ملكان، أو أنه يسأل، فيقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". فقال عليه الصلاة والسلام: "ذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾". فالتثبيت من رب العالمين جل وعلا. فهذا يدل على هذا الأمر، وهو سؤال الملكين. تسمية الملكين: المنكر والنكير، جاء عند الترمذي وغيره، أن أحد الملكين اسمه منكر، والآخر نكير. والحديث حسنه بعض أهل العلم، منهم الشيخ العلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه، في تسمية الملكين المنكر والنكير. فهذه فتنة القبر، وهو ابتلاء من رب العالمين واختبار. فهذه الأمة تبتلى في قبورها، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها". إن هذه الأمة تبتلى. وفي لفظ: "تسأل في قبورها". فهذا يدل على فتنة القبر وسؤال القبر. الابتلاء مراد به السؤال في القبر عن رب العالمين، وعن النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وعن الدين: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ فالمؤمن يقول: ربي الله، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، وديني الإسلام. وأما المنافق أو الكافر فيقول: "لا أدري، هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته". ولذلك على الإنسان أن يتعلم هذه المسائل الثلاث عن علم، لا عن تقليد. ذلك ذكر أهل العلم في هذا الموضع: "هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته"، مقلد. فالواجب أن يأخذ الإنسان هذا العلم وهذه العقيدة بالعلم، بالعلم: من ربك؟ ربي الله، بدليله. ما دينك؟ دين الإسلام، بدليله. من نبيك؟ نبي محمد صلى الله عليه وسلم، بدليله. نعم، لا يكون حالك كحال ذلك المقلد: "هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته". يقوله من غير علم. ولذلك كثير من الناس يقول: ربي الله، ودين الإسلام، ونبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومع هذا يقع في الشرك بالله عز وجل. كيف تقول: ربي الله، ثم تقع في الشرك؟ تصرف العبادات لغير الله، وأنت ربك الله. إذا كان ربك الله، فالعبادة لا تصرف إلا له جل وعلا. ودين الإسلام، فلا بد أن تتبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام، وتتبرأ منه وتكفر به. ومن ذلك: كل عبادة تصرف لغير الله عز وجل. وهكذا نبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فتتبعه، ولا تحدث في دين الله جل وعلا، وتجعل ذلك من الدين، وتجعله حلالًا، وأنه من الدين، فتحل ما حرم الله، أو تحرم ما حل الله، أو تشرع مع رب العالمين جل وعلا سننًا وعبادات، فتقع في مشاركة الرب جل وعلا في التشريع: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾. فهذا يدل على سؤال الميت في قبره. وهل السؤال يتعلق بهذه الأمة، أو أن السؤال كذلك يتضمن الكفار؟ هذا به خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من أخذ بهذا الحديث: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها"، وأن السؤال إنما هو لأهل هذه الأمة، والكفار لا يسألون. وصح في هذه المسألة أن هذه الأمة تسأل، وهكذا الكفار يسألون، وهكذا الكفار يسألون. ففي الحديث كما سمعتم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "أما المنافق أو الكافر"، يعني حين يسأل، يقول: "هاه، لا أدري". إذن حصل السؤال للكافر، كما أن المؤمن يسأل في قبره ويجيب ويثبت، كذلك الكافر والمنافق يسأل، ويضله الله جل وعلا، ولا يثبت، ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾، كما أخبر الله سبحانه وتعالى. وأيضًا: هل الأطفال يسألون في قبورهم أم لا؟ ومن الذي يسأل، ومن الذي لا يسأل؟ ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام كرامة للشهداء، أنهم يؤمنون الفزع، وهو هذه الفتنة وهذا الابتلاء، فيؤمنون من هذه الفتنة، ومن هذا الابتلاء، فلا يسألون في قبورهم، لا يسألون في قبورهم، ولا يتعرضون لهذه الفتنة. أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام، بأن من قتل في سبيل الله جل وعلا، الشهيد، أمن من فتنة القبر. ولما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن سبب نجاة من هذه الفتنة، قال: "كفى ببارقة السيوف عليهم فتنة". كفى ببارقة السيوف عليهم فتنة. فالشهداء يستثنون من السؤال، فلا يسألون في قبورهم، وكرامة لهم ينجون من هذا الابتلاء وهذه الفتنة. الأطفال: اختلف في ذلك أهل العلم في سؤال الأطفال. فمن أهل العلم من قال: الأطفال لا يسألون. لماذا؟ لأنهم غير مكلفين، ولأن القلم رفع عنهم، كما في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، أي يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل". فقالوا: الصبيان والأطفال لا يسألون؛ لأن القلم رفع عنهم. ومن أهل العلم من قال: الأطفال يسألون. وهذا رجحه الإمام ابن قيم رحمة الله تعالى عليه، كما في كتابه "الروح". وهكذا نصره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما في "الفتاوى". وقال: هو قول أكثر أهل السنة، وهو قول أكثر أهل السنة. ونقله الأشعري عن أهل السنة، وأنه قول أهل السنة: أن الأطفال يسألون في القبر. قال ابن القيم رحمة الله تعالى عليه: "لا يمتنع سؤال الأطفال في قبورهم". قال: لما جاء من الأحاديث في امتحان الأطفال، وأنهم يمتحنون يوم القيامة، الأطفال يمتحنون يوم القيامة. فإذا كان يمتحنون يوم القيامة، فلا مانع من امتحانهم في القبور، وسؤالهم في القبور. وهكذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من كلام، ليس من كلام قيم، تهى كلام قيم رحمة الله تعالى عليه. النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن أطفال المشركين، قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". الله أعلم بما كانوا عاملين. والحديث في رفع القلم لا يمنع من السؤال، لا يمنع. ورفع القلم عنهم لمعنى أنهم إذا فعلوا أمورا محرمة لا تكتب عليهم لعدم بلوغهم، فالقلم مرفوع عنهم. لكن لا يمنع هذا من السؤال. السؤال شيء، وعدم كتابة القلم عليهم شيء آخر. عدم كتابة القلم عليهم شيء. وهكذا في القيامة يمتحنون، ورفع القلم عنهم، لكن ليس معنى ذلك أنهم لا يمتحنون، يمتحنون يوم القيامة. فإذا كانوا يمتحنون في يوم القيامة، فلا مانع من امتحانهم في القبور. وكما سمعتم، هذا ترجيح ابن القيم، الشيخ، وقال: هو قول أكثر أهل السنة. نواصل إن شاء الله في درس لاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اشتركوا في القناة.