مختصر كرامات الأولياء  5

مختصر كرامات الأولياء 5

الدرس في مختصر كرامات الأولياء 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح حديث كذبات إبراهيم الثلاث

يشرح المقطع حديث «لم يكذب إبراهيم عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات» موضحاً أنها معاريض وتورية لا كذب محرم. يستعرض الكذبتين الأوليين: قوله «إني سقيم» المراد به مرض القلب من الشرك، وقوله «بل فعله كبيرهم هذا» مقيداً بشرط «إن كانوا ينطقون» فينتفي الكذب بانتفاء الشرط.

قصة سارة مع الجبار وبداية كرامات الصحابة

يسرد المقطع قصة سارة حين حاول الجبار مسها فقبضت يدها بدعائها، مبيناً أن قولها «أخي» كان في الإسلام لا النسب. ثم ينتقل المؤلف لذكر كرامات الصحابة مستهلاً بحديث أسيد بن حضير وعباد بن بشر في الليلة الظلماء.

كرامتان لصحابيين: إضاءة العصوين ورؤية الملائكة

يروي المقطع كرامة لصحابيين أضاءت عصاهما بعد خروجهما من عند النبي ﷺ، وكرامة لأسيد بن حضير حين جالت فرسه أثناء قراءته سورة البقرة فرأى ظلة فيها مصابيح تنزل من السماء. أخبره النبي ﷺ أنها الملائكة دنت لصوته الحسن بالقرآن.

خاتمة المقطع وإشارة إلى المترجمة

يختتم المتحدث المقطع بعبارة «إلى هنا والله تعالى أعلم» معلناً نهاية الشرح. ويشير إلى أن الترجمة تمت بواسطة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي مثالين اثنين مما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما حدث عن من خلى من الأمم التي قبله من الكرامات. وذكرنا مثالين على ذلك: حديث ابن عمر في قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، وحديث أبي هريرة في الرجل صاحب الحديقة. وذكر أمثلة كثيرة، ولكن كما ذكرنا المقام مقام اختصار، فنضيف مثالاً ثالثاً ونكتفي بهذا في هذا الباب، ثم ننتقل بعده إلى باب آخر. نأخذ مثالاً ثالثاً وهو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: صحيح البخاري وصحيح مسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لم يكذب إبراهيم عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات». وقوله: «لم يكذب» ليس المراد بالكذب الكذب الصريح الذي معناه مخالفة الواقع، ولذلك قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه فتح الباري: «وأما إطلاق الكذب على الأمور الثلاثة فلكونه قال قولاً يعتقده السامع كذباً، لكنه إذا حقق لم يكن كذباً لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين، فليس بكذب محقق». فهذه تسمى معاريض، أو لك أن تسميها تورية، وهو أن تقول قولاً لك قصد من هذا القول، ويفهم السامع قصداً آخر. هذه تسمى تورية أو معاريض. وهذه الثلاث من هذا القبيل. مثال يتداوله الناس على سبيل المثال في واقعهم: مثلا أردت أن تذهب مكاناً ما، تريد أن تذهب إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا تريد أحداً أن يعرف، فخرجت تمشي وأمامك مدينة من مدن البلاد، مثلاً اليمنية، فقال لك: أين تريد؟ فأنت تقول: أريد المدينة. أنت قصدك المدينة النبوية، لكن السامع قصده المدينة السكنية التي هي من البلاد اليمنية. هذا ليس بكذب، هذا تسمى معاريض أو تورية، لأنك قصدت شيئاً والسامع قصد شيئاً، لكن هذا الشيء ليس فيه كذب، وأن لا حقيقة له... بل له حقيقة. وقس على هذا أمثلة كثيرة على ذلك، وسيتبين من هذه الثلاثة الخصال أن المراد منها التورية والمعاريض، وليس الكذب الصريح الذي معناه مخالفة الواقع. سيأتي معنا إن شاء الله توجيه ذلك تفصيلاً. فقال: «لم يكذب إبراهيم عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات». اثنتين في ذات الله عز وجل، يعني من أجل الله ومن أجل دين الله. قال: قوله: «إني سقيم»، وقوله: «بل فعله كبيرهم هذا». فـ «إني سقيم» يعني إني مريض، وذلك لما دعا قوم موسى... إبراهيم أن يذهب معهم إلى عيدهم، فلا يريد أن يذهب لأنه يريد أن يذهب إلى أصنامهم فيحطمها ويكسرها. فلما دعوه: «قم معنا إلى العيد»، قال: «إني سقيم»، يعني ما أستطيع أن أذهب معكم لأني مريض، وهو ليس بمريض في جسده. فوجه هذا بعدة توجيهات: منها أنه بسبب عبادتهم لغير الله فهو مريض القلب، لأن هذا الشرك يمرض القلب، فهو قصده مرض القلب، وهم قصدهم مرض الجسد. فهل كذب كذباً صريحاً؟ لا. هل كذب كذباً صريحاً؟ لا. وهو قصده مرض القلب لأن الشرك والبدع والمعاصي تمرض القلوب، كما قال الله عز وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: 10] على المنافقين. والشاهد من ذلك أن القلوب تمرض، والقلب إذا رأى البدع والشركيات يقسو ويمرض ويتألم. هذا توجيه. وتوجيه آخر: أن «سقيم» على وزن فعيل، وهو اسم فاعل، واسم الفاعل يجوز أن يدل على المستقبل، فيكون المعنى: إني سأمرض في المستقبل، وهذا جائز، وإن كان التوجيه الأول هو الأقرب والأليق، والله تعالى أعلم. فإذا هذا من المعاريض المحتملة للأمرين، فليس بكذب محقق. وهكذا قوله: «بل فعله كبيرهم هذا». لما حطم الأصنام وأبقى كبيرهم، قالوا له: أنت فعلت هذا بآلهتنا؟ إبراهيم قال: «بل فعله كبيرهم هذا، فاسألوهم إن كانوا ينطقون». وجه العلماء هذا وأنه ليس من الكذب المحقق، أن خبره هذا قيد بشرط، وهو ماذا؟ «إن كانوا ينطقون». فالمعنى: إن كانوا ينطقون ففعله كبيرهم. وهل هم ينطقون؟ ها؟ الأصنام تنطق؟ لا تنطق. إذن أيش المعنى؟ المعنى أن الأصنام... أنا كسرتها، وليست الأصنام التي كسرتها، لأنه لو كسرتها الأصنام لنطقت، وهي لا تنطق. إذن قيد كلامه هذا بشرط: «فاسألوهم إن كانوا ينطقون». والمعنى: فهم لا ينطقون، فليسوا هم الذين كسروا الأصنام، لأن هذا الخبر الذي قاله إبراهيم مقيد بشرط، وهذا الشرط إذا انتفى انتفى المشروط، وهو كونهم أي الأصنام هم الذين كسروها. فمن إذن كسرها؟ إبراهيم. فهذا ليس فيه كذب، هذا ليس فيه كذب. وقال: «وواحدة في شأن سارة». فإن إبراهيم قدم أرض جبار، يعني ملك من ملوكها، متجبر، متجبر ظالم. قال: ومعه سارة، وكانت من أحسن النساء يعني جمالاً وحسناً. فقال لها أي إبراهيم: «إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك»، يعني يأخذك غصباً، يأخذك غصباً ولا أستطيع أن أمنعه. هذه الغلبة: «يغلبني عليك». «فإن سألك قال لك: ما يقرب منك هذا الرجل؟» يعني إبراهيم. «فأخبريه أنك أختي، وإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم اليوم مسلماً غيري وغيرك». وهل هذا من الكذب الصريح؟ لا. الحديث بيّن هذا. لما قال لها: «فأخبريه أنك أختي»، يعني أخته ليست في النسب وإنما في الإسلام، والمسلمون والمؤمنون إخوة. فإذن لما تقول لهذا الملك الجبار أن إبراهيم أخي، يتبادر إلى ذهن هذا الجبار أنه أخوها من النسب، وقصدها أنه أخوها في... أنه أخوها في الإسلام. فإذن هذا ليس بكذب، هذا ليس بكذب، والحديث بيّن هذا. قال: «فلما دخل أرضه»، يعني إبراهيم دخل أرضه، هذا الجبار رآها... بعض أهل الجبار رآ سارة، بعض أهل هذا الجبار وأقاربه، فأتوا... أتى الجبار فقال: «لقد دخل أرضك امرأة». وهناك قاعدة في النحو تقول: أن الفعل الماضي إذا كان فاعله مؤنثاً حقيقياً يجب أن يؤنث الفعل. فلماذا هنا الفعل لم يؤنث، إنما ذكر؟ «فقد دخل أرضك امرأة»؟ لماذا لم يقل: «لقد دخلت»؟ من دروس النحو: نعم، نعم، يشترط أن يؤنث الفعل بشرط أن يكون الفاعل مذكوراً بعد الفعل مباشرة، لا يفصل بينه وبين الفعل فاصل. فهنا فصل بين الفعل وبين الفاعل: «أرض»، فجاز تذكير الفعل، جاز تذكير الفعل. قال: «لقد دخل أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك». يقول له: امرأة جميلة حسناء، ما ينبغي إلا أن تكون زوجة لك. فأرسل إليها هذا الجبار، أرسل إلى سارة، فأتي بها، وقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة يدعو ويتضرع إلى الله. فلما أن دخلت عليه لم يتمالك... أي هذا الجبار، أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة، يعني مسكت يده، ما استطاع أن يمس سارة بسوء. فقال لها أي هذا الجبار: «سل الله أن يطلق يدي، ولا أضرك، ولا أضرك». ففعلت، أي دعت الله أن يفك يده ويطلق يده، ففعلت، فانطلقت يده. عاد ما تاب، كرر الفعلة هذه الخسيسة، فقبضت يده أشد من القبضة الأولى، أشد يعني قبضة أعظم من الأولى وأشد من الأولى. فقال لها أي هذا الجبار: «سل الله أن يطلق يدي، يدي، ولا أضرك مرة ثانية». فدعت، فعاد... المرة الثالثة فقبضت يده أشد من القبضتين الأوليين. فقال: «سل الله أن يطلق يدي، ولك الله علي أن لا أضرك». ففعلت، فانطلقت يده. فدعا الذي جاء بها، أي ذاك الذي من أهله، فقال له: «إنك إنما أتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان». فلما رآها إبراهيم قال: «مهيم؟» قالت: «خير، كف الله يد الفاجر، وأخدمني هاجر». «مهيم» بمعنى: كيف الخبر؟ أو ماذا الخبر؟ فقالت له: «خير، كف الله يد الفاجر، وأخدمني هاجر»، يعني أعطاها هاجر، فكانت زوجة لإبراهيم مع هاجر. فلما صار بينهما ما صار من غيرة النساء، أخذ إبراهيم هاجر إلى أرض لا شجر فيها ولا نبات، غير ذي زرع، وهي مكة. فكان ما كان من بناء البيت، ومن نبع الماء، وقصة إسماعيل مع من جاءه من العرب ونحو ذلك. فالشاهد من هذا الحديث هو ما أكرم الله عز وجل به هذه المرأة الصالحة سارة، إذ أن هذا الفاجر، هذا الجبار، لم يستطع أن يمسها بسوء، فأمسك الله يده، وقبضت قبضة شديدة، ولا شك أن هذه كرامة أكرم الله بها هذه المرأة. بل كذلك فك هذه اليد كان بدعاء هذه المرأة: فلما تدعو تفك يده، فلما يمد إليها تقبض يده. هذه كرامة عظيمة أكرم الله عز وجل بها هذه المرأة. هذا هو وجه الشاهد من إرادة هذا الحديث في كرامات الأولياء فيما وقع للأمم السابقة. وذكر أيضاً أمثلة أخرى، ولكن كما ذكرنا المقام مقام اختصار، وليس مقام بسط وتطويل. فننتقل إلى الباب الآخر الذي ذكره الإمام اللالكائي رحمه الله في كرامات الأولياء. قال: «سياق ما شهد في أيام النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه من كرامات». ثم ذكر المثال الأول: ما حصل لأسيد بن حضير وعباد بن بشر، وهما صحابيان جليلان من الأنصار، من الأنصار. فبعد ما انتهى من ذكر كرامات الأمم السابقة، حتى لا يقال: ليس في هذه الأمة كرامات، فثنى بذكر كرامات الصحابة، ومما وقع في عهد النبي عليه الصلاة والسلام لهم من كرامات. فذكر هذا الحديث، وهو حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في المستدرك وصححه، والشيخ الألباني، وكذلك شيخنا الوادعي رحمه الله في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة». فذكر هذا الحديث في كرامات الأولياء، وهو حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن أسيد بن حضير وعباد بن بشر كانا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة ظلماء حندس. ومعنى «حندس»: يعني شديدة الظلمة، شديدة الظلمة، لا يكاد الشخص أن يرى شيئاً لشدة الظلمة. هذا معنى حندس. قال: «فلما خرجا»، أي من عند النبي عليه الصلاة والسلام، وأرادا أن يذهبا إلى بيتيهما. قال: «فلما خرجا أضاءت عصا أحدهما»، فجعلا يمشيان بضوئهما. كل واحد معه عصا، يمشي بهذا العصا. فلما خرجا من عند النبي عليه الصلاة والسلام أضاءت عصا أحدهما، أحدهما، فأضاءت لهم الطريق. سبحان الله، عصا تضيء مثل الكشاف الآن. نحن إذا انقطعت الكهرباء نأتي بكشاف، أو السراج حق الجوال، أو نمشي عليه. هذا ما فيه كشاف ولا سراج ولا بطاريات ولا كهرباء ولا شيء، العصا تضيء. لا شك أن هذه كرامة ظاهرة، وهذا خارق من خوارق العادات. العادة أن العصا لا تضيء، لكن الله عز وجل أكرم هذين الصحابيين بهذه الكرامة. فقالا: «فلما خرجا أضاءت عصا أحدهما، فجعلا الاثنين يمشيان بضوئهما». فلما تفرقا، لأن كل واحد بيته بعيد عن بيت الآخر، جاء هذا إلى بيته فدخل، أو هذا بيته طريقه ذات الشمال، وذاك بيته طريقه ذات اليمين، افترقا. قال: «أضاءت عصا الآخر»، فذاك عصاه مضيئة. طيب، الآن سيفترق منه، إذا لم تضيء عصاه مشى في الظلمة، فأضاءت عصا الآخر، فمشى عليها. وهذا الحديث ليس من تخرصات المتخرصين، ولا من تأليف المؤلفين، بل هو حديث ثابت في السند الصحيح، وقد صحح ذلك أئمة الحديث، وأورد هذا الحديث الأئمة في كتبهم كالإمام أحمد وغيره. وهذا لا شك أنها كرامة ظاهرة وواضحة وبينة، أكرم الله عز وجل بها هذين الصحابيين. ثم ذكر كرامة أخرى لصحابي آخر، ألا وهو كذلك أسيد بن حضير. وهذا حديث أبي سعيد الخدري، حديث أبي سعيد الخدري. وهذا الحديث رواه مسلم بهذا اللفظ، والبخاري بلفظ قريب منه. يقول أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن أسيد بن حضير: أنه كان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن. أسيد بن حضير من أحسن الناس صوتاً بالقرآن. قال أسيد بن حضير: «فقرأت ليلة سورة البقرة»، قرأ في ذات ليلة سورة البقرة. قال: «وفرس لي»، فرس كان له مربوط، يعني معصوب، «ويحيى ابني متجع قريب منه»، معه ولد اسمه يحيى قريب من هذا الفرس، متجع يعني نائم. «فجالت جولة، فقمت، ما لي هم إلا ابني يحيى، فسكن الفرس، أو فسكنت الفرس». جالت يعني تحركت وقفزت هذه الفرس، فخاف أسيد على ولده المتجع أن ترفسه بحافرها فيموت أو يمرض أو يتكسر أو نحو ذلك. قال: «فقمت، ما لي هم إلا ابني يحيى، فسكنت الفرس»، سكتت أو هدأت الفرس. قال: «ثم قرأت»، رجع يقرأ. قال: «فجالت الفرس مرة أخرى». قال: «فقمت، ليس لي هم إلا ابني». قال: «ثم قرأت المرة الثالثة». قال: «فجالت»، أي هاجت وقفزت. قال: «فرفعت رأسي»، أي إلى السماء، «فإذا بشيء كهيئة الظلة»، رأى شيئاً أنه يعني ظلة مثل الغمامة، «فيها المصابيح»، فيها شيء يضيء مثل المصابيح، «تقبل من السماء»، يعني مصدرها من السماء. «فهالني»، يعني خوفني هذا الشيء، «فسكت». فسكت... الله أصلاً لم أقرأ. انظر: يقرأ أول مرة فيثور الفرس ويتحرك ويقفز، مرة ثانية، مرة ثالثة، رأى هذه الظلة، ورأى مثل المصابيح تنزل من السماء. لا شك أن هذا أمر يخاف منه البشر. قال: «فهالني، فسكت». قال: «فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته»، أخبره بالقصة التي وقعت له البارحة، التي وقعت له البارحة. قال: «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ أبا يحيى»، يعني لماذا سكت؟ فارتوواصل القراءة: «اقرأ أبا يحيى». فقلت: «قد قرأت، فجالت الفرس، فقمت، ليس لي هم إلا ابني يحيى». فقال رسول الله مرة ثانية: «اقرأ أبا يحيى». فقلت: «قد قرأت، فجالت الفرس، فقمت، ليس لي هم إلا ابني يحيى». فقال مرة ثالثة: «اقرأ يا ابن حضير»، لأن اسمه أسيد بن حضير، فقال له: «اقرأ يا ابن حضير». في المرة الأولى والثانية دعاه بكنيته، وفي المرة الثالثة دعاه باسم أبيه: «يا ابن حضير». فقلت: «قد قرأت يا رسول الله، فرفعت رأسي، فإذا كهيئة الظلة فيها مصابيح، فهالني». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك الملائكة، تلك الملائكة، دنوا لصوتك، ولو قرأت حتى تصبح لأصبح الناس ينظرون إليهم». وهذا فيه أن الملائكة تشهد حلقات ومجالس القرآن، كما جاء في حديث أبي هريرة: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». فالملائكة تحب مجالس القرآن، فلحسن صوت هذا الصحابي نزلت، حتى أكرم الله عز وجل هذا الصحابي أن رأى شيئاً من آثار هؤلاء الملائكة، رأى كالظلة، ورأى كالمصابيح تقبل من السماء، وهم الملائكة. فهذه كرامة أكرم الله عز وجل بها هذا الصحابي الجليل. وأما الفرس فجالت لأنها كذلك رأت ما رأى أسيد، رأت ما رأى أسيد، ولذلك جالت، لأن الفرس إذا رأت ما يزعجها أو ما يخيفها تريد أن تهرب، لكنها مربوطة فلم تستطع، فما كان منها إلا أن جالت. فهذه لا شك كرامة ظاهرة أكرم الله عز وجل بها هذا الصحابي الجليل، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي في دروس قادمة. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر