مختصر كرامات الأولياء  7

مختصر كرامات الأولياء 7

الدرس في مختصر كرامات الأولياء 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

هبة أبي بكر الصديق لعائشة وأثرها في الميراث

يروي المقطع كيف وهب أبو بكر الصديق ابنته عائشة جذاذ عشرين وسقاً من ماله بالغابة، ولما حضرته الوفاة أخبرها بأن الهبة لم تتم لانتفاء القبض، فصار المال ميراثاً يقسم بين الورثة. واستدل العلماء بذلك على أن الغنى أحب إلى العقلاء من الفقر، وعلى اشتراط الحيازة والقبض في تمام الهبة.

كرامات أبي بكر وعمر وعثمان ومنزلة المحدثين

يسرد المقطع قصة توقع أبي بكر جنس مولود زوجته حبيبة بنت خارجة مبيناً أن قوله كان ظنا وفراسة لا علماً بالغيب، ثم يذكر كرامات عمر بن الخطاب ومنزلته كمحدث ملهم أصاب الحق في مواطن عدة كالحجاب والخمر وأسرى بدر مع التنبيه على خلاف العلماء في صحة حديث "يا سارية الجبل". ويختم بالإشارة إلى كرامات عثمان رضي الله عنه مع ضعف أسانيد بعضها.

كرامات الصحابة وانتقام الله من ظالميهم

يسرد المقطع عدة كرامات للصحابة منها مرض جهجاه الغفاري في ركبته بعد كسره عصا عثمان، وبقاء دار مرّ عليها علي بن أبي طالب دون إكمال بسبب دعائه، واستجابة الله لدعاء سعد بن أبي وقاص على من سبه فعمي وافتقر وأدرك الفتنة، إضافة إلى رؤية سعد ملكين يوم أحد. وتبرز هذه الروايات انتقام الله ممن ظلم الصحابة وتأييده لهم.

كرامات الأولياء ودورها في زيادة الإيمان ورد المعتزلة

تؤكد الفقرة أن كرامات الأولياء تظهر بفضل اتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم وأنها تزيد من إيمان المؤمنين. كما تنتقد المعتزلة الذين ينكرون هذه الخوارق معتبرة إنكارهم خيبة من الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى في كتابه "شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة"، بباب كرامات الأولياء: "سياق ما روي عن الصحابة في إكرام الله عز وجل إياهم وظهور الآيات منهم". فمنها ما نقل عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم. والصحابة رضي الله تعالى عنهم هم خيرة الأولياء، فخير أولياء هذه الأمة هو أبو بكر رضي الله تعالى عنه؛ فإنه أفضل هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، فلا شك أنه ظهرت على يديه بعض الكرامات. نذكر ما صح منها: فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: "إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه نحلها جذاذ عشرين وسقاً من ماله بالغابة". فلما حضرته الوفاة قال: "والله يا بنيتي، ما من الناس أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقراً منك. إني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً، فلو كنت جذذتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله عز وجل". قالت عائشة: "يا أبتي، لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء، فمن الأخرى؟". فقال أبو بكر: "ذو بطن بنت خارجة، أراها جارية". ومعنى هذا الأثر: أن أبا بكر الصديق نحل ابنته عائشة جذاذ عشرين وسقاً، أي وهبها لها. ومعنى "جذاذ": أي من الجذ، أي القطع، أي أنه أعطاها ثمرة لا تزال في الشجرة، لم تقطع بعد. ومقدار هذا العطاء وتلك الهبة عشرون وسقاً، والوسق ستون صاعاً، من ماله بالغابة. والغابة: موضع على مسافة بريد من المدينة في طريق الشام، فيه هذه الثمار. فلما حضرته الوفاة، ومعنى "حضرته": يعني مقدمات الوفاة وأسبابها، قال لعائشة رضي الله تعالى عنها: "والله يا بنيتي، ما من الناس أحب إلي غنى بعدي منك"، يعني: أحب أن أموت وتبقين على غنى وعفاف، "ولا أعز علي فقراً منك"، يعني: معنى "أعز" أي أشق وأصعب علي من أن تكوني فقيرة. ولذلك استدل العلماء بهذا على أن الغنى أحب إلى العقلاء من الفقر. ثم قال لها: "إني كنت نحلتكِ جذاذ عشرين وسقاً"، يعني: نحلتكِ هذا الثمر الذي لا يزال في شجره لم يقطع، "فلو كنت جذذتيه واحتزتيه كان لكِ"، يعني: لو قد ملكتِ هذا بقطعه لكانت الهبة موصولة إليكِ. فطالما أن هذه الهبة لم تصلكِ بعد، فلا يشترط أن تكون لكِ هبة، بل تكون إرثاً؛ لأن الحيازة والقبض شرط في تمام الهبة. الحيازة والقبض في الهبة شرط في تمام الهبة، فإن وهبت ثمراً على الكيل فلا تكون الحيازة إلا بالكيل. إن كانت الهبة بالكيل لا تكون الحيازة وتمامي وكمالي هذه الهبة إلا بالكيل بعد قطعه، بعد قطعه. فإذن الهبة لا تصح إلا مقبوضة. فقال لها هنا: "وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً، فلو كنت جذذته"، يعني: احترزته وأخذته، "كان لكِ، وإنما هو اليوم مال وارث"، يعني: ليس لكِ، إنما هو يكون إرثاً؛ لأن الإرث ما يأخذه الورثة بعد موت مورثهم. ثم قال: "وإنما هما أخواك وأختاك". كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه لما حدث عائشة بهذا، ما معه إلا من جهة البنوة ولدان وبنت، ما معه إلا ولدان وبنت، فكان معه عبد الرحمن ومحمد، عبد الرحمن ومحمد ابن أبي بكر رضي الله تعالى عن الجميع، وما معه من البنات إلا أسماء مع عائشة رضي الله عنه. ما معه أختان، عائشة ما معها أختان، معها أخت واحدة. فهنا أبو بكر يقول لها رضي الله عنه: "وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك"، يعني: من جهة البنوة ما هما إلا أخواك وأختاك، "فاقتسموه على كتاب الله"، يعني: للذكر مثل حظ الأنثيين، بعد إخراج الفروض من الزوجة أو الأب أو نحو ذلك. فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها متعجبة: "يا أبتي، لو كان كذا وكذا"، يعني: لو كان هذا الذي نحلته لي كثير مال كثير لتركته، "إنما هي أسماء، فمن الأخرى؟ أنت قلت أخواك وأختاك، إنما هي أسماء فقط، فمن الأخرى؟". فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: "ذو بطن بنت خارجة، أراها جارية"، يعني: أراها ستلد بنتاً. وخارجة اسمها بنت خارجة، اسمها حبيبة، وكانت زوجة لأبي بكر رضي الله تعالى عنه لما كان في مرضه الذي مات منه، وكانت حاملاً. فلما مات أبو بكر ولدت بعد ذلك، فولدت ببنت، وسمتها، وسمتها عائشة رضي الله تعالى عنها: أم كلثوم. فوجه الشاهد من هذا الأثر: أن فراسة وظن أبي بكر أصيب فيه، فقال أبو بكر: "ذو بطن بنت خارجة، أراها جارية". وقال أهل العلم: قول أبي بكر "أراها جارية" ليس من علم الغيب؛ لأنه قال "أراها"، فهو لم يجزم ولم يؤكد ذلك، وإنما ذكر ذلك على سبيل الظن. بل قال بعضهم: لعله قال ذلك بناء على رؤيا صالحة رآها. فهذا ليس فيه أنه يعلم الغيب ويعلم ما في الأرحام، وإنما هو ظن، ولذلك قال "أراها جارية" ولم يجزم بذلك، ولم يجزم بذلك. فهذا هو وجه الشاهد من هذا الأثر، وهي ظاهرة وواضحة، ولله الحمد. ثم قال: "ما روي من كرامات أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما أظهر الله تبارك وتعالى منه من الآيات". ثم ذكر بعض الآثار، والمعلق ها هنا حكم على رجال سند هذا الأثر بأنهم ثقات. وهذا الأثر عن الشعبي، قال: قال علي رضي الله عنه: "كنا نحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر وقلبه"، أي: أن عمر ما يقول أمراً وما يظن ظنا إلا ووقع كما ظن. وقد جاء في حديث عائشة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن في الأمم السابقة محدثون». ومعنى "محدثون": يعني ملهمون، يلهمهم الله عز وجل إصابة الحق والرشد. قال: «فإن يكن في هذه الأمة فعمر»، يعني: إن كان أحد محدث في هذه الأمة فهو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وذكر أثراً آخر كذلك الإمام اللالكائي، وهو في صحيح البخاري، في قصة طويلة، وذكر منها الإمام اللالكائي وجه الشاهد. وما جاء عن عبد الله بن عمر أنه قال: "ما سمعت عمر يقول لشيء قط: إني أظن كذا وكذا، إلا كان كما... إلا كان ما يظن"، يعني: إلا تحقق الذي ظنه عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وتعلمون موافقة عمر لمواطن كثيرة في القرآن، منها: نزول آية الحجاب، ومنها: نزول آية تحريم الخمر، ومنها غير ذلك مما وردت من موافقاته، منها: أسارى بدر، كذلك ونحو ذلك. وذكر الإمام اللالكائي حديث عمر في قوله: "يا سارية الجبل". وهذا الحديث تنازع فيه علماء الحديث من حيث الصحة والضعف، فبعض الأئمة حسنه كالحافظ ابن حجر، وكذلك الإمام الألباني عليه رحمة الله، وبعضهم حكم عليه بالضعف؛ لأن فيه ابن عجلان، وقد انفرد بهذا الحديث، فقال: "لا يحتمل تفرده مثل هذا الحديث مع شهرة ما قاله عمر بين الصحابة في جمع، فلم ينقل ذلك إلا ابن عجلان"، فحكم عليه بالضعف. فاختصاراً أحببنا ألا نذكر هذا، والله تعالى أعلم. ثم قال: "ما روي من كرامات أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه". وذكر هنا الإمام اللالكائي عدة آثار، بعضها ضعيفة السند. ومن أحسن هذه الآثار قال عنه المحقق: "سنده ثقات"، هو ما جاء عن سليمان بن يسار قال: "أن جهجاه الغفاري أخذ عصا عثمان الذي يتخصر بها فكسرها على ركبته". ولعل ذلك كان في الدار في يوم الحصار، لما حاصر الخوارج عثمان رضي الله تعالى عنه. فهذا جهجاه الغفاري أخذ عصا عثمان الذي يتخصر بها فكسرها على ركبته، فوقعت في ركبته الآكلة، يعني: أصابه مرض في ركبته، وهو أشبه اليوم بمرض السرطان الذي يأكل في جسد الإنسان. فانظر كيف أن هذه العصا لما كسرها بركبته كان هذا المرض في الموضع الذي كسر به هذه العصا لهذا الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ولا شك أن هذه كرامة أكرم الله عز وجل بها هذا الصحابي الجليل، وانتقم من هذا الظالم. ثم ذكر أيضاً سياق ما روي من كرامات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وذكر أيضاً عدة آثار، ومن أحسنها، وحكم عليه المحقق بأن سنده حسن، الأثر الذي أورده عن أبي مكين قال: "مررت أنا وخالي أبو أمية على دار في محل، في محل حي من مراد"، يعني: مر على دار في موضع وفي حي من أحياء مراد، "فقال: ترى هذه الدار؟" يعني: أبو أمية يقول لأبي مكين: "ترى هذه الدار؟" فقلت: نعم. فقال: "فإن علياً، أي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، مر عليها وهم يبنونها"، يعني: يعملون فيها، "فسقطت عليه قطعة"، يعني: من هذه الدار، وهو يمشي، "فشجته"، يعني: جرحته، "فدعا الله عز وجل ألا يكمل بناؤها"، دعا على هذه الدار، "قال: فما وضعت عليها لبنة، ما وضعت عليها لبنة"، يعني: بقيت بدون إتمام وإكمال، بدون إتمام ولا إكمال، استجابة لدعوة علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم قال: "سياق ما روي من كرامات أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه". ثم ذكر الحديث الذي أصله في الصحيحين عن سعد بن وقاص رضي الله تعالى عنه، أن سعداً خطبهم بالكوفة، ثم قال: "يا أهل الكوفة"، وكان أميراً عليهم، ثم قال: "يا أهل الكوفة، أي أمير كنت لكم؟". فقام رجل فقال: "اللهم إن كنت... ما علمتك... إن كنت... إن كنت ما علمتك لا تعدل في الرعية، ولا تقسم بالسوية، ولا تغزو في السرية". هكذا يتهم أمير ولي أمرهم سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه. فقال سعد رضي الله عنه: "اللهم إن كان كاذباً، إن كان هذا الرجل قال هذا القول كاذباً، فأعمِ بصره، وعجل فقره، وأطل عمره، وعرضه للفتن". دعا بهذه الدعوات، وبعض آخر في الصحيحين، ولكن أصل الحديث في الصحيحين. قال: "فما مات حتى عمي، حتى عمي"، قال: "فكان يلتمس الجدران"، لما عمي كان يلتمس الجدران، "وافتقر حتى سأل الناس، وأدرك فتنة المختار الكذاب، فقتل فيها". وكان إذا قيل له: "كيف أنت؟" قال: "أعمى فقير، أدركتني دعوة سعد". أي: أن الله عز وجل استجاب لسعد رضي الله تعالى عنه؛ لأن هذا الرجل ظلم وقال فيه ما ليس فيه، فعوقب باستجابة الله عز وجل لدعاء سعد رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا أورد الإمام اللالكائي من كرامات سعد بن أبي وقاص أن سعداً رضي الله تعالى عنه قال: وهذا الأثر كذلك في البخاري، في البخاري، عن سعد رضي الله تعالى عنه أنه قال: "رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض، لم أرهما قبل ولا بعد". فدل ذلك على أن هذين الرجلين لعلهم من الملائكة، من الملائكة؛ لأنه لا يعرفهما. فأكرم الله عز وجل سعداً أن رأى هذين الملكين، أن رأى هذين الملكين وعليهما ثياب بيض. فلذلك أورده الإمام اللالكائي في هذا الموضع. وكما تقدم أن مثل هذه الكرامات مما يزداد بها إيمان المؤمن، وكما تقدم أن إظهار هذه الكرامات على أيدي هؤلاء الأولياء ما وقعت لهم إلا باتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا مما يزيد إيمان العبد. وخيب الله المعتزلة الذين لا يؤمنون بمثل هذه الكرامات، وبمثل هذه كذلك الخوارق للعادات التي أظهرها الله عز وجل على أيدي أوليائه. فإن شاء الله نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر