شرح السنة للإمام المزني 5

الدرس في شرح السنة للإمام المزني 5، ألقاها

إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة والرد على المخالفين

يتناول إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة وفق عقيدة أهل السنة والجماعة، مع الرد على الجهمية والمعتزلة الذين أنكروا هذه الرؤية. يُثبت وجود الجنة والنار ونعيم أهل الجنة برؤية الله تعالى.

تفاصيل رؤية الله في الآخرة ونعيم الجنة وعذاب النار

يستدل على رؤية الله في الآخرة للمؤمنين بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، ويصف نعيم الجنة الدائم لأهل الإيمان وعذاب النار للأشقياء، مؤكداً استمرار نعيم الجنة.

عقيدة أهل السنة والجماعة في أصحاب الكبائر ومصيرهم

يشرح اعتقاد أهل السنة والجماعة أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار، بل يعذبون ثم يخرجون إلى الجنة، مع ثبوت الشفاعة لهم، ويوضح اختلافهم مع الخوارج والمعتزلة في تكفيرهم وخلودهم في النار.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام إسماعيل بن يحيى المزني رحمه الله في رسالته «شرح السنة»: قال أهل الجنة يومئذ في الجنة يتنعمون، وبصنوف اللذات يتلذذون، وبأفضل الكرامة يحبرون. قال: فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون، لا يمارون في النظر إليه ولا يشكون، فوجوههم بكرامته ناظرة، وأعينهم بفضله إليه ناظرة، في نعيم دائم مقيم، لا يمسهم فيها نصب، وما هم منها بمخرجين. أكلها دائم، وظلها. تلك عقب الذين اتقوا، وعقب الكافرين النار. وأهل الجحد عن ربهم يومئذ محجوبون، وفي النار يسجرون. لبيس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم، وفي العذاب هم خالدون، ولا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها. كذلك نجزي كل كفور. خلى من شاء الله من الموحدين إخراجهم منها. لك، رحمه الله، في هذا المقطع أولًا إثبات وجود الجنة والنار، وأن الجنة حق، وهي دار المؤمنين والمتقين، وهكذا أن أهل النار، وأن النار كذلك حق، وهي دار الكافرين والفاجرين. ومن عقيدتها للسنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن، كما قال الله جل وعلا في الجنة: «أعدت للمتقين»، وقال في النار: «أعدت للكافرين». والإعداد يدل على وجودها، خلافًا للمعتزلة الذين أنكروا وجود الجنة والنار الآن، وقالوا: إنما ينشئهما الله عز وجل يوم القيامة. وهكذا أيضًا فيه رد على الفلاسفة التخيليين الذين أنكروا وجود الجنة والنار بعقولهم وآراءهم، وقالوا: إنما هي تخيل، يعني يخيل للنبي صلى الله عليه وسلم أن هناك دارًا فيها نعيم وفيها كذا، وأنكروا الجنة والنار. قولهم باطل مردود مخالف نصوص الكتاب والسنة والإجماع. فأهل الجنة الذين خلقهم الله سبحانه وتعالى لها، ويسر الله عز وجل لهم أعمال دخول الجنة، فإنهم إذا دخلوها يتنعمون ويتلذذون فيها بأنواع اللذات، وأنواع كذلك النعيم الذي ينعم الله سبحانه وتعالى به عليهم، كما قال ربنا جل وعلا: «لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد»، وقال جل وعلا: «إن المتقين في جنات ونهر»، وقال جل وعلا: «أدخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون»، «يطاف عليهم فيها بصحاف من ذهب وأكواب، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، أنتم فيها خالدون، لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون». وغيرها من الآيات الكثيرة الدالة على عظيم ما عليه أهل الجنة من النعيم، وما يكرمهم الله سبحانه وتعالى فيه من الحبور في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمنكح وغير ذلك مما تشتهيه الأنفس. ثم ذكر رحمه الله مسألة الرؤية والنظر إلى الله جل وعلا، الذي هو يعتبر من أعظم نعيم أهل الجنة. من أعظم نعيم أهل الجنة هو رؤية الله سبحانه وتعالى. لهذا قال: «فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون»، يعني أهل الجنة. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله جل وعلا يرى يوم القيامة، يراه المؤمنون في عرصات يوم القيامة، ويرونه كذلك في الجنة، يراه أهل الإيمان، وكذلك على الصراط يراه أهل الإيمان، وبقايا من أهل الكتاب. وأما الكفار فيحجبون عن رؤيته. والأدلة على إثبات رؤية الله جل وعلا يوم القيامة كثيرة، منها قول الله جل وعلا: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾. فقوله: «وجوه يومئذ ناظرة» أي من نعيم، وجوه ناظرة فيها آثار النعيم الذي أنعم الله به عليهم في الجنة، كقوله جل وعلا: ﴿في وجوههم نظرة النعيم﴾. ثم قال: «إلى ربها ناظرة» أي تنظر إلى الله جل وعلا بعينها. وهكذا أيضًا قول الله جل وعلا: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾. فسّرت الزيادة بالنظر إلى وجه الله، كما ثبت عن جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿ولدينا مزيد﴾. وهكذا أيضًا قول الله عز وجل: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. قال الإمام الشافعي رحمه الله: لما أخبر أن الكفار محجوبون عن رؤيته، دل ذلك على أن المؤمنين يرونه. وإذا كان الكفار قد عذبوا بحرمان رؤية الله، فإن من نعيم أهل الجنة رؤية الله جل وعلا. وهكذا أيضًا في السنة أدلة وحديث كثيرة، من أحاديث أبي سعيد أو أبي هريرة، في مجيء الله سبحانه وتعالى للقضاء بين الناس يوم القيامة، وأنهم يبقون في محلهم حتى يريهم الله سبحانه وتعالى بصورته التي يعرفون، فيقول: «أنا ربكم»، فيقولون: «نعم، أنت ربنا». الحديث. وكذلك أيضًا في حديث صهيب، في صحيح الإمام مسلم، أن الله عز وجل يقول: «يا أهل الجنة»، فيقولون: «لبيك وسعديك»، فيقول: «هل رضيتم؟» فيقولون: «وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين؟» قال: «فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم». هذا الحديث، وإن كان بعض العلماء قد تكلم فيه، لكن الحديث معناه ثابت في أدلة الكتاب والسنة الكثيرة. وعلى هذا اجمع أهل السنة والجماعة على إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة. أما في الدنيا، فإن الله لا يرى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»، يعني لن تروا في الدنيا. وأما في الآخرة، فكما سمعنا في هذه الأدلة الدالة على إثبات رؤية الله جل وعلا. وأهل الباطل، الجهمية والمعتزلة، أنكروا رؤية الله جل وعلا يوم القيامة، واستدلوا ببعض الآيات التي ظنوا بأنها أدلة، وهي في الحقيقة أدلة عليهم لا لهم. منها قول الله جل وعلا عن موسى عليه السلام حين قال: ﴿قال ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني﴾. قالوا: قول الله عز وجل لموسى «لن تراني» دليل على أن الله لا يرى، ولن تفيد التأبيد، يعني معنى هذا أنك لن تراني أبدًا. هكذا استدلوا بهذه الآية. ورد عليهم أهل السنة أولًا بأن «لن» لا تفيد التأبيد، نعم هي تفيد النفي، لكن قد تفيد التأبيد وقد لا تفيده، والأصل أن لا تفيد التأبيد، كما قال الإمام المازري رحمه الله في ألفية ابن مالك: «ومن رأى النفي بلا مؤبدا فقوله اردد وسواه فعضدا»، يعني قوله مردود ليس بصواب. ويدل على ذلك قول الله جل وعلا عن الكفار: ﴿أن يتمنوا أبدا﴾، يعني الموت، ثم ذكر عنهم أنهم قالوا: ﴿يا مالك ليقضي علينا ربك﴾، دل على أن «لن» لا تفيد التأبيد. أمر ثاني: أن موسى لما سأل الله عز وجل أن يظهر له، لو كانت رؤية الله جل وعلا ممتنعة ولا يمكن، لأنكر الله عز وجل على موسى سؤاله هذا السؤال، ولكان الجواب «إني لا أرى»، مش قوله «لن تراني»، لقال: «إني لا أرى»، لو كانت الرؤية ممتنعة ولا يمكن أن تقع، لقال: «إني لا أرى»، لكن قال: «لن تراني»، يعني الآن في الدنيا. وما أنكر عليه سؤاله أن يراه، «لن» لا تفيد التأبيد على أن هذا ممكن وجائز. أمر ثالث: أن الله عز وجل علق رؤيته بثبوت الجبل، وهذا أمر ممكن. قال: ﴿ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾. لكن الجبل ما تحمل رؤية الله جل وعلا، إذن صارت هذه الآية دليلًا على إثبات رؤية الله. وهكذا استدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾. قالوا: فالا أخبر أن الأبصار لا تدركه، وهذا نفي لرؤية الله سبحانه وتعالى. ورد عليه أهل السنة بأن المراد بنفي الإدراك نفي الإحاطة، «لا تدركه الأبصار» أي لا تحيط به، وإن كانت تراه. وليس في نفي الإدراك نفي للرؤية، فالأبصار تراه لكن لا تحيط به جل وعلا لعظمته وجلاله. ويدل على ذلك قصة موسى وقومه مع فرعون وجنوده، لما هرب موسى ومن معه، فأدركهم البحر، قال أصحاب موسى: ﴿إنا لمدركون﴾، يعني سيدركنا ويحيط بنا فرعون وجنوده. هذا البحر أمامنا، والعدو خلفنا، إذا أدركونا إنا لمدركون. قال موسى: ﴿كلا إن معي ربي سيدين﴾. كلا، إيش نفي؟ نفي للإدراك، نفي الإدراك لا ما سيدركون. وهل في نفي لموسى الإدراك نفي للرؤية لرؤية موسى ومن معه فرعون وجنوده؟ الجواب: لا، هو نفي لإحاطة بهم، أن يكونوا قد أحاطوا بهم. وفي نفس الوقت فالرؤية ثابتة وموجودة. فدل هذا على أن نفي الإدراك لا يلزم منه نفي الرؤية. إذا لا دليل في هذه الآية على نفي رؤية الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «لا يمارون في النظر إليه ولا يشكون، فوجوههم بكرامته ناظرة، وأعينهم بفضله إليه ناظرة». وفي حديث جرير في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته»، لا تضامون بالتشديد، «رؤية»، بالتخفيف «لا تضامون»، ولا «تضامون»، يعني لا يصيبكم زحام عند رؤيته. وعلى المعنى الآخر: لا يصيبكم ضيم، أي ضرر في رؤيته. قال: «وعينهم بفضله إليه ناظرة»، أي أن النظر إلى الله جل وعلا نظر حقيقي، يراه المؤمنون بأعينهم. في نعيم دائم مقيم، أي في نعيم الجنة، فهو نعيم دائم مستمر، لا ينتهي ولا يزول، كما قال الله عز وجل في أهل الجنة: ﴿خالدين فيها أبدا﴾، ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلهم خالدين فيها لا يبغون عنها حولا﴾، أي تحولًا وانتقالًا منها إلى غيرها. ﴿لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾، لا يمسهم فيها نصب، أي تعب، ليس في الجنة تعب كتعب الدنيا، ونصب الدنيا، فهو نعيم مع غير تعب ولا مشقة. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم مبشرًا خديجة بما أوحى إليه جبريل عليه السلام، قال: «إذا لقيت خديجة فأبلغها السلام، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب». ﴿وما هم منها بمخرجين﴾ يعني من الجنة، ما سيخرجون منها إذا دخلوها، فإنهم لن يخرجوا منها. وقول جل وعلا: ﴿كلها دائم وظلها﴾ يعني دائم. وحذف العلم به. «وكلها دائم» أي مستمر لا ينقطع. «وظلها» أي كذلك دائم. وهذا من عظيم نعيم الجنة أن نعمها لا تزول ولا تنقطع، بخلاف نعيم الدنيا، قد يكون الإنسان متنعمًا في الدنيا، لكن ما عنده من نعيم ينقطع في أحيانًا في مواسم لا يجده. ثم كذلك أيضًا هذا النعيم فيه ما فيه من كدر، ومن هموم وغموم، وهو كذلك يعلم يقينًا أنه لن يستمر، بل سينتهي ويزول، إما بانقطاعه، وإما بفنائه وانتهائه، وإما بموته وتركه. بخلاف نعيم الجنة، وهو يعلم أن نعيمها دائم ومستمر، «وكلها لا تنقطع». وكذلك يعلم أنه خالدًا مخلدًا فيها، لن يفارق هذا النعيم أبدًا. وهذا من كذلك مالك للنعيم الذي يحصل لأهل الجنة. قال: «أهل الجحد عن ربهم يومئذ محجوبون». أهل الجحد، أي أهل الجحود والكفر، الذين جحدوا ما أخبر الله عز وجل به، وأخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام، فكفروا وأنكروا ولم يؤمنوا. فهؤلاء يحرمون من نظر الله سبحانه وتعالى، ويحجبون من رؤية الله، كما قال الله جل وعلا: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، أي محجوبون عن رؤية الله. قالوا: «في النار يسجرون»، أي يعذبون ويحرقون. هذا مصير الكافرين. «تلك عقب الذين اتقوا، وعقب الكافرين النار». ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية﴾. فمصير الكافر إلى النار، مصير الكافر إلى النار، إذا مات على الكفر، فإننا نجزم له بالنار. ﴿لبيس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون﴾. نعم، فالذي أولدهم النار هي أعمالهم، وكفرهم، وجحودهم، وتكبرهم على الإيمان والتصديق، فكان ذلك سببًا أن سخط الله جل وعلا عليهم، غضب عليهم، فعاقبهم جل وعلا بدخول النار. وقوله جل وعلا: ﴿ولا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور﴾، أي أن أهل النار عذابهم فيها مستمر، لا يقضى عليهم، أي بالموت، فينتهوا ويموتوا. ولا كذلك يخفف عنهم من عذابها، بل العذاب الشديد مستمر عليهم. وهذا من كمال التنكيل بهم، خلافًا لمن قال من الفلاسفة، أو بعض المبتدعة، أن الكفار يعذبون، ثم تتلاءم أجسادهم مع النار، فيصبحون يتلذذون بالنار، يتلذذون بالنار. هذا قول باطل. أو كذلك قول من قالها من الجهمية: بأن أهل النار يعذبون فيها، ثم تفنى، تفنى النار، ويفنى أهلها. وهذا قول باطل كذلك. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن النار باقية، كما أن الجنة باقية، يتلذذ فيها أهل الإيمان، فكذلك النار باقية، يعذب فيها أهل الكفر، مخلدون فيها أبد الآباد. قال: «خلى من شاء الله من الموحدين إخراجهم منها». أشار رحمه الله بهذه العبارة إلى الشفاعة لأهل الإيمان، وأهل التوحيد، ممن دخل النار، وممن أوجبت له ذنوبه، وقضى الله عز وجل عليه بدخول النار والعذاب فيها، فإنه لا يخلد في النار، بل يخرج منها بشفاعة الله جل وعلا، وشفاعة الأنبياء، وشفاعة الصالحين. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار، وإن دخل النار، فإنه يعذب فيها ما شاء الله، ثم يخرج منها إلى الجنة، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة في ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «شفاعة لأهل الكبائر من أمتي». والحديث في السنة، من حديث ابن عمر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي إلا له دعوة دعا بها، وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئًا». والحديث في الصحيح. وهكذا أيضًا غير واحد من الأحاديث في الشفاعة، التي فيها إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بخروج الموحدين من أهل النار. قال عليه الصلاة والسلام: «أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يخرجون منها، ولكن أقوامًا أصابتهم النار بذنوبهم، فيعذبون فيها، ثم يخرجون منها، فيلقون في نهر يقال له: الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل». الحديث. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أقوامًا من هذه الأمة، من أهل الكبائر، يدخلون النار، فيعذبون فيها، حتى يحترقوا. في بعض الروايات: حديث جابر، قال: «حتى إذا صاروا حمما»، يعني قد صاروا فحمًا، أخرجوا، فيلقون بعد ذلك في نهر الحياة، نهر في باب عند الجنة، أو في فناء الجنة، ثم ينبتون نباتًا، يعني آمنًا، كما تنبت الحبة، أو الحبة في حميل السيل، ثم يدخلون الجنة. فهذا يدل على خروجهم من النار، وكذلك أيضًا يدل على عدم كفرهم، خلافًا للمعتزلة والخوارج. فالخوارج والمعتزلة كفروا صاحب الكبيرة، كفروا صاحب الكبيرة، وقالوا: من وقع في كبيرة من الكبائر، أو في ذنب، فقد كفر، وهو في نار جهنم خالدًا مخلدًا. واستدلوا ببعض الآيات والأحاديث، كقول الله سبحانه وتعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق﴾. وهذه الآية إنما في حق الكفار، الذين كفرهم كفر أكبر، من المشركين، ومن كان على شاكلتهم. هؤلاء نعم ما يخرجون من النار. أما الموحدون الذين أصابتهم النار بذنوبهم، فهؤلاء لا يخلدون فيها، ولا تنطبق عليهم هذه الآية، لا تنطبق عليهم هذه الآية. وهذا من فهمهم السقيم. وكما قيل: «كم من عائب قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم». وهكذا أيضًا استدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾. قالوا: الله أخبر بأنه خالد في نار جهنم. وأجاب أهل السنة والجماعة: المراد بالخلود هنا طول المكث، أي إذا دخل النار، وعاقبه الله على هذه الكبيرة، فإنه يطول مكثه في النار، لكن ليس معنى أنه لا يخرج منها. وهكذا أيضًا استدلوا بحديث أبي هريرة في الصحيحين، في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن». قالوا: إذن كافر، إذا كان لا يزني حين يزني وهو مؤمن، معنى إذن هو كافر. وحكموا عليه بالكفر. والجواب: أن المراد «لا يزني حين يزني وهو مؤمن» أي كامل الإيمان، وإنما يقع منه هذا الذنب عند ضعف إيمانه ونقصانه. ويدل على أن صاحب الكبيرة ليس بكافر، مع ما ورد وثبت في أحاديث الشفاعة، أن الله جل وعلا أطلق لفظ الإيمان على من وقع في الكبيرة. قال الله جل وعلا: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾، فسماهما مؤمنين، مع وقوع القتل، وهو كبير من كبائر الذنب. ولو كانت، ولو كان فعل الكبيرة موقعًا في الكفر، لسلب عنهم اسم الإيمان، وما ناداهما بمؤمنين. فدل هذا على أن وقوعهم في هذه الكبيرة لا يخرجهم من الإيمان. فاتفق الخوارج والمعتزلة على أن صاحب الكبيرة يخلد في نار جهنم، ثم اختلفوا في الدنيا: هل يسمى كافرًا أو لا يسمى كافرًا؟ قال الخوارج: يسمى كافرًا. وقال المعتزلة: هو في منزل بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر. ثم اختلفوا في أمر آخر، وهو: هل يباح دمه وماله؟ فأباح الخوارج دمه وماله، وتوقف المعتزلة؛ لأنهم لم يطلقوا عليه لفظ الكفر في الدنيا. وكانت اتفاقهم على أنه يوم القيامة مخلد في نار جهنم. وقولهم باطل، ووصفهم عليه أهل السنة والجماعة: أن صاحب الكبيرة مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته، وهو تحت مشيئة الله، إذا ورد يوم القيامة، كان تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، كما قال الله جل وعلا: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، إن الله لا يغفر أن يشرك به، يعني إذا مات الإنسان على الشرك، ليس له مغفرة. ويغفر ما دون ذلك، أي ما دون الشرك، الزنا، شرب الخمر، السرقة، إلى آخره من كبائر الذنوب، هي دون الشرك، فصاحبها تحت مشيئة الله. ويغفر ما دون ذلك لمن شاء الله، من شاء غفر، الله لو غفر له. وإن كان لابد، لابد في الجملة أن يدخل بعض أهل الكبائر النار، كما ورد في الأحاديث، لكن ما نجزم لأحد من أصحاب الكبائر أنه في النار، أو أنه لابد أن يعذب. الأصل أنه تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. وإن عذبه، فإنه لا يخلد في النار، بل يبقى فيها ما شاء الله، ثم يخرج، ويكون مصيره إلى الجنة، إلا من كان من أهل الكبائر عنده شرك وكفر أكبر، هذا يخلد في نار جهنم، وحكم حكم الكافرين والمشركين. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسألة. صلى الله وسلم على آل نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على