الدرس في التعليق على تفسير سورة الكهف 6، ألقاها
النص يشرح أهمية نسبة الأمور إلى مشيئة الله وعدم قول الإنسان إنه سيفعل شيئًا في المستقبل دون أن يقرنه بمشيئة الله. ويبين معنى الاستعانة بالله عند النسيان وطلب الهداية منه.
النص يؤكد على أن الله تعالى له علم الغيب ويتمتع بالسمع والبصر الكاملين، ويتولى تدبير الكون وعباده المؤمنين. ويشدد على أهمية القرآن ككتاب جليل لا يمكن تغييره أو تبديله.
النص يأمر بمصاحبة المؤمنين العباد الذين يدعون ربهم ويخلصون له، ويحذر من إتباع من أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه. ويبين أهمية صحبة الأخيار والتحذير من طاعة من يتبع هواه.
النص يشير إلى أن ذكر الله تعالى من العبادات العظيمة التي يحبها الله ويرغب فيها. وقد جاءت الشريعة بالحث عليها والترغيب فيها، وكل فعل مدح الله فاعله يدل على أن الله يحبه ويأمر به.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا﴾، قال: هذا النهي كغيره، وإن كان لسبب خاص، وموجها للرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الخطاب أعام للمكلفين، والعبرة كما يقول أهل العلم بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. فالخطاب الموجه إلى واحد من الأمة، فهو خطاب لجميع الأمة، وأيضًا الخطاب الموجه للنبي عليه الصلاة والسلام، إذا لم يدل الدليل على خصوص أو خصوصيته بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يكون له لعامة الأمة. قال: فنهى الله أن يقول العبد في الأمور المستقبلة: إني فاعل ذلك، من دون أن يقرنه بمشيئة الله، وذلك لما فيه من المحذور، وهو الكلام على الغيوب المستقبلة التي لا يدري هل يفعلها أم لا، وهل تكون أم لا، يعني فيما سيفعله في المستقبل. فلابد أن يعلقه بمشيئة الله؛ لأن وقوعها بإرادة الله سبحانه وتعالى. قالوا: فيه رد الفعل إلى مشيئة العبد استقلالًا، وذلك محذور؛ لأن المشيئة كلها لله، ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. فلما يقول: أنا سأفعل كذا، فكأن الأمر إليه، هو الذي يريد، يعني يملك فعل هذا الأمر وعدم فعله، لكنه في الحقيقة أن هذا الأمر لا يقع إلا بإرادة الله ومشيئته. فلابد من نسبة هذا الأمر إلى مشيئة الله سبحانه وتعالى. قال: ولما في ذكر مشيئة الله من تيسير الأمر، وتسهيله، وحصول البركة فيه، والاستعانة من العبد لربه. ولما كان العبد بشرًا، لا بد أن يسهو عن ذكر المشيئة، أمره الله أن يستثني بعد ذلك إذا ذكر؛ ليحصل المطلوب، ويندفع المحذور. ويؤخذ من عموم قوله: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾، الأمر بذكر الله عند النسيان؛ فإنه يزيله، ويذكر العبد ما سهى عنه. وكذلك يؤمر الساهي الناس لذكر الله أن يذكر ربه؛ وليكونن من الغافلين. ولما كان العبد مفتقرًا إلى الله في توفيقه للإصابة، وعدم الخطأ في أقواله وأفعاله، أمره الله أن يقول: ﴿عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا﴾، فأمره أن يدعو الله، ويرجوه، ويثق به أن يهديه لأقرب الطرق الموصلة إلى الرشد. وحري بعبد تكون هذه حاله، ثم يبذل جهده، ويستفرغ وسعه في طلب الهدى والرشد، أن يوفق لذلك، وأن تأتيه المعونة من ربه، وأن يسدده في جميع أموره، يعني إذا كان ذاكرًا لله جل وعلا، وكذلك أيضًا ناسبًا أفعاله وأقواله وأموره إلى الله جل وعلا ومشيئته وإرادته. والله جل وعلا يوفقه ويهديه ويسدده. قال رحمه الله في قوله تعالى: ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعة قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا﴾، قال: نهى الله عن استفتاء أهل الكتاب في شأن أهل الكهف؛ لعدم علمهم بذلك. وكان الله عالم الغيب والشهادة، العالم بكل شيء، أخبره الله بمدة لبثهم، وأن علم ذلك عنده وحده؛ فإنه من غيب السماوات والأرض، وغيبها مختص به. فما أخبر به عنها على ألسنة رسله، فهو الحق اليقين الذي لا شك فيه. وما لا يطلع رسله عليه، فإن أحدًا من الخلق لا يعلمه؛ لأن علم الغيب من خصائص الله سبحانه وتعالى. وقد يطلع الله جل وعلا بعض رسله شيئًا من علم الغيب؛ تأييدًا لهم. وقد يخفى عليهم الأمر، فلا يظهره سبحانه وتعالى لأحد. قال: وقوله: ﴿أبصر به وأسمع﴾، تعجب من كمال سمعه وبصره، وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات، بعدما أخبر بإحاطة علمه بالمعلومات. والله جل وعلا من صفاته السمع والبصر؛ فله جل وعلا سمع وبصر يليق بجلاله وعظمته، كما في قوله جل وعلا: ﴿وهو السميع البصير﴾، ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾. قال: ثم أخبر عن انفراده بالولاية العامة والخاصة؛ فهو الولي الذي يتولى تدبير جميع الكون، الولي لعباده المؤمنين، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويسرهم لليسرى، ويجنبهم العسرى. ولهذا قال: ﴿ما لهم من دونه من ولي﴾، أي: هو الذي يتولى أصحاب الكهف بلطفه وكرمه، ولم يكلهم إلى أحد من القلق. فلهذا حفظهم الله سبحانه وتعالى في تلك الفترة الطويلة؛ أن تأكل الأرض أجسادهم، أو أن يعتدي أحد عليهم، أو أن تفنى أجسادهم مع بقائهم -يعني نيامًا- ثلاثمائة سنين. ومع ذلك لم تفسد أجسادهم. قال: ولهذا قال: ﴿ولا يشرك في حكمه أحدا﴾، وهذا يشمل الحكم الكوني والقدري، والحكم الشرعي الديني؛ الحكم الكوني القدري فيما قدره الله سبحانه وتعالى في هذا الكون، والحكم الشرعي الديني فيما شرعه الله سبحانه وتعالى في هذا الدين من الأوامر والنواهي والأحكام. قال: فإنه الحاكم في خلقه قضاءً وقدرًا، وخلقًا وتدبيرًا، والحاكم فيهم بأمره ونهيه، وثوابه وعقابه. ولما أخبر أنه تعالى له غيب السماوات والأرض، فليس لمخلوق إليها طريق إلا عن الطريق التي يخبر بها عباده، وكان هذا القرآن قد اجتمع على كثير من الغيوب، أمر تعالى بالإقبال عليه، فقال: ﴿واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا﴾، قال: التلاوة هي الاتباع، أي: اتبع ما أوحى الله إليك بمعرفة معانيه وفهمها، وتصديق أخباره، وامتثال أوامره ونواهيه؛ فإنه الكتاب الجليل الذي لا مبدل لكلماته، أي: لا تغير ولا تبدل؛ لصدقها وعدلها، وبلوغها من الحسن فوق كل غاية. ﴿تمت كلمة ربك صدقا وعدلا﴾، فكلمات الله جل وعلا في كمال الصدق، وكمال العدل؛ صدقًا في الأقوال، وعدلًا في الأحكام. فلكمالها استحال عليها التغيير والتبديل. فلو كانت ناقصةً لعرض لها ذلك أو شيء منه. وفي هذا تعظيم للقرآن، وفيه التغيب على الإقبال عليه -يعني بتلاوته وحفظه وفهمه والعمل بما فيه-. قال: ﴿ولن تجد من دونه ملتحدا﴾، أي: لن تجد من دون ربك ملجأً تلجأ إليه، ولا معاذًا تعوذ به. فإذا تعين أنه وحده الملجأ في كل الأمور، تعين أن يكون هو المألوه المرغوب إليه في السراء والضراء، المفتقر إليه في جميع الأحوال، المسؤول في جميع المطالب. وكان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقول: «اللهم لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك». قال رحمه الله في قوله تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾، قال: يأمر تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وغيره أسوته في الأوامر والنواهي، أن يصبر نفسه مع المؤمنين العباد المنيبين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، أي: أول النهار وآخره، يريدون بذلك وجه الله. فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها. ففيها الأمر بصحبة الأخيار؛ لأن الملازم لذكر الله سبحانه وتعالى هذا من أهل الصلاح والاستقامة. فأمر الله جل وعلا بمصاحبة أمثال هؤلاء الذين يلازمون طاعة الله جل وعلا، ويذكرون الله سبحانه وتعالى؛ فإن ملازمة أمثال هؤلاء مما يعين العبد على المحافظة على ذكر الله، والإقامة ما أمر الله سبحانه وتعالى. قالوا: مجاهدة النفس على صحبتهم ومخالطتهم، وإن كانوا فقراء؛ فإن في صحبتهم من الفوائد ما لا يحصى. قال: ﴿ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا﴾، أي: لا تجاوزهم بصرك، وترفع عنهم نظرك؛ تريد زينة الحياة الدنيا؛ فإن هذا ضار غير نافع، وقاطع عن المصالح الدينية؛ فإن ذلك يوجب تعلق القلب بالدنيا، فتصير الأفكار والهواجس فيها، وتزول من القلب الرغبة في الآخرة. فإن زينة الدنيا تروق للناظر، وتسحر القلب، فيغفل القلب عن ذكر الله، ويقبل على اللذات والشهوات، فيضيع وقته، وينفرط أمره، فيخسر الخسارة الأبدية، والندامة السرمدية. ولهذا قال: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾، غفل عن الله، فعقبه بأن أغفله عن ذكره. وكما قال الله جل وعلا: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾. قال: ﴿واتبع هواه﴾، أي: صار تبعًا لهواه؛ حيثما اشتهت نفسه فعله، وسعى في إدراكه، ولو كان فيه هلاكه وخسرانه. فهو قد اتخذ إلهه هواه، كما قال تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم﴾ الآية، أي: جعل هواه بمنزلة الإله الذي يأمره وينهاه؛ فهو ينقاد له، ويجري خلفه، وينفذ أوامره؛ فيسوقه ذلك إلى سخط الله سبحانه وتعالى وغضبه. قال: ﴿وكان أمره فرطا﴾، أي: ضائعة معطلة. فهذا قد نهى الله عن طاعته؛ لأن طاعته تدعو إلى الاقتداء به، ولأنه لا يدعو إلا لما هو متصف به. ودلت الآية على أن الذي ينبغي أن يطاع، ويكون إمامًا للناس، من امتلأ قلبه بمحبة الله، وفاض ذلك على لسانه، فلهج بذكر الله، واتبع مراضي ربه، فقدمها على هواه؛ فحفظ بذلك ما حفظ من وقته، وصلحت أحواله، واستقامت أفعاله، ودعا الناس إلى ما من الله به عليه. فحقيق بذلك أن يتبع، ويجعل إمامًا. والصبر المذكور في هذه الآية هو الصبر على طاعة الله، الذي هو أعلى أنواع الصبر. وبتمامه يتم باقي الأقسام؛ يعني بتمام هذا النوع من الصبر على طاعة الله، ولزومها، والمحافظة على فعلها؛ بها يتحقق بقية الأنواع. فإن الإنسان إذا لازم، وصبر على طاعة الله، كان صابرًا على ترك معصية الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضًا يوفق للصبر على أقدار الله جل وعلا. قالوا: في الآية استحباب الذكر والدعاء والعبادة طرفي النهار؛ لأن الله مدحهم بفعلهم -يعني كونهم يدعون الله جل وعلا في أول النهار وآخره- يلازمون ذلك. هذا في حث على استحباب مثل ذلك؛ يكون العبد ذاكرًا لله جل وعلا. قال: وكل فعل مدح الله فاعله، دل ذلك على أن الله يحبه. وإذا كان يحبه، فإنه يأمر به، ويرغب فيه. ولذلك كان ذكر الله جل وعلا من العبادات والطاعات والقربات العظيمة التي جاءت الشريعة بالحث عليها والترغيب فيها. نكتفي بهذا القدر، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.