الدرس في التعليق على تفسير سورة الكهف 7، ألقاها
يفسر العلامة السعدي آية من سورة الكهف، مشيرًا إلى أن الله بين الهدى من الضلال وأمر باتباع الحق. الآية تهديدية وليست تخييرية، والعبد له مشيئة في اتباع الطريق الصحيح أو الضلال.
يصف النص حال الفريقين يوم القيامة، فريق الكافرين يعذبون في النار، وفريق المؤمنين يجازون بالجنة ونعيمها. يُظهر تفاصيل نعيم الجنة وجزاء المؤمنين فيها.
يروي النص قصة رجلين، أحدهما مؤمن والآخر كافر يمتلك جنتين ويفتخر بهما. الكافر أنكر البعث والآخرة، مؤكدًا أنه لو رُد إلى ربه سيجد أفضل مما لديه.
يظهر أن صاحب الجنتين قال كلامًا فيه تهكم واستخفاف، والدليل على ذلك أنه دخل جنته وهو ظالم لنفسه، مما يدل على تمرده وعناده.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾. قال: أي قل للناس، يا محمد، هو الحق من ربكم، أي قد تبين الهدى من الضلال، والرشد من الغي، وصفات أهل السعادة، وصفات أهل الشقاوة، وذلك بما بيّنه الله على لسان رسوله. فإذا بان واتضح، ولم يبق فيه شبهة، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، أي لم يبق إلا سلوك أحد الطريقين، بحسب توفيق العبد وعدم توفيقه. وقد أعطاه الله مشيئة، بها يقدر على الإيمان والكفر، والخير والشر. فمن آمن، فقد وفق للصواب، ومن كفر، فقد قامت عليه الحجة. وقوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، هذا الأمر للتهديد، وليس للتخيير، أي ليس هو مخير، إن شاء يؤمن آمن، وإن شاء يكفر كفر، لكن هذا للتهديد، يعني بعد أن بيّن الله سبحانه وتعالى كلا الطريقين، الطريقة التي حث الله عز وجل عليها، وأمر بها، وهي طريق الإيمان، وسلوك طاعة الله جل وعلا، الموصل إلى رضا الرحمن سبحانه وتعالى، وبين طريق الغواية والضلالة، التي توصل إلى غضب الله سبحانه وتعالى، وسخطه، فليسلك العبد أي الطريقين شاء، إن شاء هذه، وإن شاء تلك. فإن سلك طريق أهل الإيمان، فسيجد الثواب والأجر، وإن سلك طريق الكفر، فلا يلومن إلا نفسه، وسيجد سخط الله جل وعلا، وعقابه. وكون العبد يسلك أحد الطريقين بمشيئة الله سبحانه وتعالى، هذا لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة واختيار، فهو يسلك أحد الطريقين بمشيئته واختياره، ولا أحد يجبره على أن يسلك طريق الكفر، مثلا، فيقول: قد قضى الله عز وجل علي بالكفر، وما أدراك أن الله جل وعلا كتبك شقيا؟ لماذا لا تسلك طريق الإيمان؟ وتقول: قد قضى الله عز وجل علي بالإيمان، وأن أكون من أهل السعادة؟ قال: كما قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ﴾. ثم ذكر تعالى مآل الفريقين، فقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ بِالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، أي سورها المحيط بها، فليس لهم منفذ، ولا طريق، ولا مخلص منها، تصلاهم النار الحامية. ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾، أي بأن يطلبوا الشراب ليطفئ ما نزل بهم من العطش الشديد، ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾، أي كالرصاص المذاب، أو كعكر الزيت، من شدة حرارته، فهو يعني ما في غاية وشدة الحرارة، مع كذلك أيضا غاية القبح في الطعم. قال: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾، أي فكيف بالأمعاء والبطون؟ يعني إذا قربه ليشرب، الشواء لحم وجهه، قال: فكيف بالأمعاء والبطون إذا دخله في داخل بطونهم وأمعائهم؟ كما قال تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾، ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾. قال: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ الَّذِي يُرَادُ لِيُطْفِئَ الْعَطَشَ وَيَدْفَعَ بَعْضَ الْعَذَابِ فَيَكُونَ زِيَادَةً فِي عَذَابِهِمْ وَشِدَةِ عِقَابِهِمْ وَسَاءَتِ النَّارُ مُرْتَفَقًا﴾، وهذا ذم لحالة النار، أنها ساءت المحل الذي يرتفق به، فإنها ليس فيها ارتفاق، وإنما فيها العذاب العظيم الشاق، الذي لا يفتر عنهم ساعة، وهم فيه مبلسون، قد أيسوا من كل خير، ونسيهم الرحيم في العذاب، كما نسوه، كما قال جل وعلا: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾. قال: ثم ذكر الفريق الثاني، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي جمعوا بين الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وعمل الصالحات من الواجبات والمستحبات، ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾. وإحسان العمل أن يريد العبد العمل لوجه الله، متبعا في ذلك شرع الله، فهذا العمل لا يضيعه الله، ولا شيئا منه، بل يحفظه للعاملين، ويوفيهم من الأجر بحسب عملهم وفضله وإحسانه. وذكر أجرهم بقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾، أي أولئك الموصفون بالإيمان والعمل الصالح، لهم الجنات العاليات، التي قد كثرت أشجارها، فأجنت من فيها، يعني أخفت من دخلها، إذا دخل، فلكثرة أشجارها، فلا يرى. والجيم والنون تدل على التستر والاختفاء، ومنه الجن سم بذلك؛ لأنهم عالم خفي، ومنه ما في الأجنة، سمي الجنين جنينا؛ لأنه مختفي ومستتر في الرحم. قال: وكثرت أنهارها، فصارت تجري من تحت تلك الأشجار الأنيقة، والمنازل الرفيعة. وحليتهم فيها الذهب، ولباسهم فيها الحرير الأخضر، من السندس، وهو الغليظ من الديباج، والاستبرق، وهو ما رق منه، متكئين فيها على الأرائك، وهي السرر المزينة، المجملة بالثياب الفاخرة، فإنها لا تسمى أريكة حتى تكون كذلك. يعني إذا كان سريرا مزينا، وفي اتكائهم على الأرائك ما يدل على كمال الراحة، وزوال النصب والتعب، وكون الخدم يسعون عليهم بما يشتهون. وتمام ذلك الخلود الدائم، والإقامة الأبدية في هذه الدار الجليلة، نعمة ثواب للعاملين، وحسنة مرتفقة، أن يرتفقون بها، ويتمتعون بما فيها، مما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، من الحبرة والسرور والفرح الدائم، واللذات المتواترة، والنعم المتوافرة. وأي مرتفق أحسن من دار أدنى أهلها يسير في ملكه ونعيمه وقصوره وبساتينه ألفي سنة، ولا يرى فوق ما هو فيه من النعيم؟ قد أعطي جميع أمانيه ومطالبه، وزيد من المطالب ما قصرت عنه الأماني. قال: ومع ذلك فنعيمهم على الدوام متزايد في أوصافه وحسنه، فنسأل الله الكريم ألا يحرمنا خير ما عنده من الإحسان، بشر ما عندنا من التقصير والعصيان. فنسأله جل وعلا أن يجعلنا من أهل الجنة، ويعيذنا من النار. قال: ودلت الآية الكريمة، وما أشباها، على أن الحلية عامة للذكور والإناث، كما ورد في الأخبار الصحيحة؛ لأنه أطلق في قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ﴾، وكذلك الحرير ونحوه، أي مما كان محرما على الرجال في هذه الدنيا، فإنه يحل للمؤمن لبسه والتحلي به في الآخرة، كالذهب والحرير، فإنه محرم على ذكور هذه الأمة، حل لإناثها، لكنه في يوم القيامة يحل كذلك للذكور. قال رحمه الله، بتفسير قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾. قال: يقول تعال نبيه صلى الله عليه وسلم: اضرب للناس مثل هذين الرجلين، الشاكر لنعمة الله، والكافر لها، وما صدر من كل منهما من الأقوال والأفعال، وما حصل بسبب ذلك من العقاب العاجل والآجل، والثواب، ليعتبروا بحالهما، ويتعظوا بما حصل عليهما. وليس معرفة أعيان الرجلين، وفي أي زمان أو مكان هما فيه، فائدة أو نتيجة، فالنتيجة تحصل من قصتهما فقط، والتعرض لما سوى ذلك من التكلف. وربما بعض أهل التفسير جعل يتكلف من هذين الرجلين، وفي أي بلد، وفي أي مكان، ورغم يسوق بعض ماذا الروايات الإسرائيلية لأجل ذلك، وهذا الشيء ليس تحت أطائل، ولا فائدة في معرفته، والذي ينبغي أن يعتنى به هو أخذ العبرة والعضات من هذه القصة. قال: فأحد هذين الرجلين الكافر لنعمة الله الجليلة، جعل الله له جنتين، أي بستانين حسنين، من أعناب، وحففناهما بنخل، أي جعل بين الجنتين من كل الثمرات، وخصوصا أشرف الأشجار، العنب والنخل، فالعنب وسطها، والنخل قد حف بذلك، يعني في أطرافها، ودار به، فحصل فيه من حسن المنظر وبهائه، وبروز الشجر والنخل للشمس والرياح، التي تكمل لها الثمار وتنضج وتتجوهر. ومع ذلك جعل بين تلك الأشجار زرعا، فلم يبق عليهما إلا أن يقال: كيف ثمار هاتين الجنتين؟ وهل لهما ماء يكفيهما؟ فأخبر تعالى أن كلتا الجنتين آتتا أكلها، أي ثمرها وزروعها، ضعفين، أي متضاعفا، وأنها لم تظلم منه شيئا، أي لم تنقص من أكلها أدنى شيئا. ومع ذلك فالأنهار في جوانبهما سالحة، كثيرة غزيرة. وكان له، أي لذلك الرجل، ثمر، أي عظيم، يعني ثمر كثير، قال: كما يفيده التنكير، أي قد استكملت جنتاه ثمارهما، وأرجحنت أشجارهما. ومعنى أرجحنت، يعني مالت أشجارها من كثرة ثمارها وثقلها، وأصبحت الأغصان متدلية، تكاد أن تلمس الأرض من ثقل ما فيها من الثمار. قال: ولم تعرض لهما آفة أو نقص، يعني ينقصها أو يفسد شيء من ثمارها، فهذا غاية منتهى زينة الدنيا في الحرث. ولهذا اقترى هذا الرجل، وتبجح، وافتخر، ونسي آخرته. وكان له ثمر، فقال له صاحبه، وهو يحاوره: أنا أكثر منك مالا، وأعز نفرا. ودخل جنته، وهو ظالم لنفسه، قال: ما أظن أن تبيد هذه أبدا، وما أظن الساعة قائمة، ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا. أي فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن، وهما يتحاوران، أي يتراجعان الكلام بينهما، في بعض المجريات المعتادة، مفتخرا عليه: أنا أكثر منك مالا، وأعز نفرا، فخر بكثرة ماله، وعزة أنصاره من عبيد وخدم وأقارب، وهذا جهل منه، وإلا فأي افتخار بأمر خارجي ليس فيه فضيلة نفسية، ولا صفة معنوية، وإنما هو منزلة فخر الصبي بالأمان التي لا حقائق تحتها. ثم لم يكفي هذا الافتخار على صاحبه، حتى حكم بجهله وظلمه، وظن لما دخل جنته، قال: ما أظن أن تبيد، أي تنقطع وتضمحل، هذه أبدا، فاطمأن إلى هذه الدنيا، ورضي بها، وأنكر البعث، فقال: وما أظن الساعة قائمة. ولئن رددت إلى ربي، على ضرب المثل، لأجدن خيرا منها منقلبا، يعني يقول: لو كان هناك بعث ونشور، ورجوع إلى الله سبحانه وتعالى، قال: سأوتي وأعطى أفضل من هذه الجنة. قال: أي ليعطيني خيرا من آتين الجنتين، وهذا لا يخلو من أمرين: إما يكون عالما بحقيقة الحال، يعني أن الله سيعطيه ذلك، فيكون كلامه هذا على وجه التهكم والاستهزاء، فيكون زيادة كفر إلى كفره. وإما أن يكون هذا ظنه في الحقيقة، فيكون من أجهل الناس، وأبخسهم حظا من العقل. فأي تلازم بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة، حتى يظن بجهله أن من أعطي في الدنيا أعطي في الآخرة؟ بل الغالب أن الله تعالى يزوي الدنيا عن أوليائه وأصفيائه، ويوسعها على أعدائه، الذين ليس لهم في الآخرة نصيب. والظاهر أنه يعلم حقيقة الحال، ولكنه قال هذا الكلام على وجه التهكم والاستهزاء، بدليل قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، فإثبات أن وصفه الظلم في حال دخوله، الذي جرى منه من القول ما جرى، يدل على تمرده وعناده. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.