الدرس في التعليق على منظومة السير إلى الله للسعدي 7، ألقاها
منزلة الرضا أعلى من الصبر، حيث يصل العبد إلى مرحلة الرضا بقضاء الله تعالى. الرضا هو تلقي أحكام الله بانشراح صدر وسرور نفس.
المقطع يشرح أحكام الله الشرعية والكونية ويبين درجات العبد في تقبلها. الرضا والشكر كدرجتين للمؤمن في التعامل مع أحكام الله.
الشكر لله يكون بالثناء عليه وتسخير النعم في طاعته. يجب شكر الله سواء أعطى العبد نعمة أو منعها عنه.
المؤمن يشكر الله على نعمة العبادة والطاعة ولا يغتر بها. يسأل الله الثبات والعون على الاستمرار في فعل الخير.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. قال علام السعد رحمه الله في منظومته في السير إلى الله والدار الآخرة: نزلوا بمنزلة الرضا، فهموا بها، قد أصبحوا في جنة وأماني. قال رحمه الله: منزلة الرضا أعلى من منزلة الصبر، فإن الصبر حبس النفس وكفها على ما تكره مع وجود منازعة فيها، وبالرضا تضمحل تلك المنازعة، ويرضى عن الله رضا مطمئنًا منشرح الصدر، بل ربما تلذذ بالبلاء كتلذذ غيره بالرخاء. إذا نزل العبد بهذه المنزلة طابت حياته وقرت عينه، ولهذا سمي الرضا جنة الدنيا ومستراح العابدين. ومن رضي عن الله رضي الله عنه، ومن رضي عن الله باليسير من الرزق رضي الله عنه باليسير من العمل. فحقيقة الرضا تلقي أحكام الله الأمرية الدينية وأحكامه الكونية القدرية بانشراح صدر وسرور نفس، لا على وجه التكره والتلمض. لك رحمه الله في هذا البيت أن هؤلاء السعداء الذين كانت لهم السعادة بما عندهم من أعمال وطاعات وقربات، وأن من أوصافهم مع صبرهم على طاعة الله جل وعلا وعلى ترك معصية الله وعلى أقدار الله، فهم أنزلوا أنفسهم منزلة الرضا التي هي منزلة أعظم وأرفع من منزلة الصبر. فالصبر واجب على كل عبد أن يصبر على ما يصيبه من البلاء، وأما الرضا فهو مستحب، ولا يصل إلى هذه المنزلة إلا من قوي إيمانه وقوي يقينه. وكذلك أيضًا رضي بقضاء الله سبحانه وتعالى، رضا بما يفعل سبحانه وتعالى. فالصبر حبس النفس وكفها على ما تكره مع وجود منازعة فيها، هو يصبر ويتحمل وإن كانت نفسه فيها من الضيق والكراهية، لكنه يصبر ويتحمل. أما الرضا فإنها تضمحل تلك المنازعة، فلا يكون في قلبه شيء من الكراهية لهذه المصيبة أو لهذا البلاء، وذلك رضا بقضاء الله سبحانه وتعالى الذي قضاه الله جل وعلا عليه، فهو راض عن الله جل وعلا رضا مطمئنًا منشرح الصدر، ليس في صدره وقلبه شيء من الكراهية لأمر الله سبحانه وتعالى. بل ربما يتلذذ بالبلاء كتلذذ غيره بالرخاء، أي كما أن العبد في حال رخائه وعدم ابتلائه بشيء من المصائب والبلاء يكون في راحة وطمينان، هكذا حال المؤمن الراضي بقضاء الله سبحانه وتعالى. إذا نزل به البلاء ونزل به قضاء الله جل وعلا، فإنه يتلذذ به لما يعلم من الفضل والأجر والثواب الذي يدخره الله سبحانه وتعالى له، فيرضى بما قضاه الله سبحانه وتعالى. ولهذا أشار رحمه الله إلى أن هذه المنزلة العظيمة، منزلة الرضا، هي جنة الدنيا ومستراح العابدين، لما يجد المؤمن في قلبه من رضا بالله جل وعلا وقضائه وأمره، من طمانينة القلب وشراح الصدر. ما يكون فيه العبد بمنزلة الجنة التي يتنعم فيها المتنعم بأنواع النعيم والملاذ الذي تطيب لها الأنفس وتنشرح لها الصدور، فهو يعيش في جنة الدنيا في طاعة الله سبحانه وتعالى وعبادته، وهكذا أيضًا في الصبر والرضا على قضاء الله سبحانه وتعالى. ثم أشار رحمه الله إلى أن حقيقة الرضا هي تلقي أحكام الله جل وعلا الأمرية الدينية وأحكامه الكونية القدرية بانشراح صدر وسرور نفس، لا على وجه التكره والتلمض. أحكام الله الأمرية الدينية هي ما شرعه الله سبحانه وتعالى وأمر به من الفرائض والواجبات والمستحبات، كالصلاة والصيام والحج والزكاة وغير ذلك من أنواع الطاعات. فهو يفعلها ويؤديها وقلبه مطمئن منشرح راض بأمر الله جل وعلا الشرعي، مريدًا للثواب والأجر من الله سبحانه وتعالى، ليس في قلبه شيء من استثقال هذه العبادة أو الكراهية لها. كما قال الله سبحانه وتعالى في وصف عباده المؤمنين: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ﴾. فذكر الله سبحانه وتعالى أن الصلاة كبيرة على كثير من العباد، يجدها عظيمة، ربما لو قيل له احمل الحصى الثقيل لوجده أيسر عليه من قيامه للصلاة، لكن المؤمن التقي الذي يوقن بلقاء الله سبحانه وتعالى وأنه سيجازي على أعماله، فالصلاة عنده خفيفة ويسيرة وليست بثقيلة عليه، فهو يؤديها من غير تكره ولا استثقال ولا تسخط في أمر الله سبحانه وتعالى بها. وهكذا أيضًا أحكام الله جل وعلا الكونية القدرية فيما قضاه الله سبحانه وتعالى كونًا من الأمراض والمصائب والبلاء الذي قد يصيب العبد في نفسه أو ماله أو في أهله أو ولده، فإنه يتقبله بانشراح صدر وسرور نفس، بل ورضا بقضاء الله سبحانه وتعالى، رغبة فيما عند الله سبحانه وتعالى من الثواب. وربما هناك منزلة ثالثة أعظم من منزلة الرضا، وهي منزلة الشكر، أن يشكر الله سبحانه وتعالى على ما أصابه من هذا البلاء. قال رحمه الله: شكر الذي أولى الخلائق فضله بالقلب والأقوال والأركان. قال: الشكر يكون بالقلب، وهو الاعتراف بنعم الله والإقرار بها وعدم رؤية نفسه لها أهلًا، بل هي محض فضل ربه. ويكون باللسان، وهو الثناء على الله بها والتحدث بها، ويكون بالجوارح، وهو كفها عن معاصي الله والاستعانة بنعمه على طاعته. فإن أعطاه شيئًا من الدنيا شكره عليه، وإن زوى عنه شيئًا منها شكره أيضًا، إذ ربما كانت نعمته عليه صارفة منه شرًا أعظم منها. وإن وفقه لطاعة من الطاعات رأى المنة لله في توفيقه لها وشكره عليها. والله المستعان. فلك رحمه الله أن من صفاتهم أنهم حققوا مقام الشكر لله سبحانه وتعالى الذي من عليهم بما منّ من الفضل والعطاء، ووفقهم لطاعته وعبادته والقيام بعبوديته جل وعلا. فحققوا هذا المقام العظيم بشكر الله جل وعلا بالقلب والأقوال والأركان، أي بالاعتراف بنعم الله سبحانه وتعالى قلبًا، وأن المنعم بها هو الله سبحانه وتعالى وحده، ثم تحدثوا بنعمة الله جل وعلا بألسنتهم، ثم سخروا هذه النعم في طاعة الله سبحانه وتعالى. وبهذه الأركان الثلاثة يتحقق شكر الله سبحانه وتعالى. وكما قال القائل: أفادتكم النعماء مني ثلاثة: يدي ولساني والضمير المحجب. فلا يكون العبد شاكرًا لنعم الله سبحانه وتعالى إلا إذا حقق هذه الأركان الثلاثة. أولها الاعتراف بنعم الله، يعترف بقلبه أن هذه النعمة من الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل هو الذي تفضل بها عليه ولم يعطه إياها لكونه يستحقها أو أنه أهلًا لها، بل هو فضل إنعام من الله سبحانه وتعالى. والله عز وجل يقول: ﴿ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ﴾. ثم بعد اعتراف القلب يثني على الله جل وعلا الثناء الحسن، ويشكر الله عز وجل على نعمه بلسانه، كما قال سبحانه: ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث ﴾. ثم الأمر الثالث وهو تسخير هذه النعم في طاعة الله سبحانه وتعالى، وهو يسخر جوارحه التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليه، وما منّ الله جل وعلا به من النعم كالمال أو غيرها من النعم الدنيوية. أو كذلك إن كانت نعمة دينية من الهداية والإيمان والصلاح والعلم، فإنه يرجو به ما عند الله سبحانه وتعالى من الأجر والثواب، ويسخره في طاعة الله سبحانه وتعالى، ويكف عن معاصي الله وعن أسباب سخطه وعقابه، ويستعين بنعم الله جل وعلا على طاعته، فهو شاكر لله جل وعلا في سائر أحواله. فإن أعطاه شيئًا من الدنيا شكره عليه، وإن منعه شيئًا منها، وهو معنى قوله: وإن زوى عنه شيئًا منها، يبعده عنها وحرمه شيئًا من أمور الدنيا، فإنه كذلك يشكر الله سبحانه وتعالى. فالشكر لله جل وعلا أولًا وآخرًا، لماذا؟ لأن الله عز وجل قد يصرف عن العبد شيئًا من متاع الدنيا لأجل إرادة الخير له. فربما كان هذا العطاء وهذا المتاع الذي لو أعطيه سببًا في اغتراره به، سببًا في ابتعاده عن طاعة الله سبحانه وتعالى، فيكون عدم إعطائه خيرًا له. ولهذا وهذا ليس دليلًا على أن الله لا يحبه أو أن الله عز وجل يبغضه، فليس الأمر كذلك. ليس كل من أعطاه الله عز وجل الدنيا فهو يحبه، ولا كل من منعه الله جل وعلا منها شيئًا فهو يبغضه ويكرهه. فإن الله عز وجل يعطي الدنيا من أحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب. وقد ورد في نحو ذلك حديث، لكنه ضعيف ومعناه صحيح. والله جل وعلا يقول: ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ﴾. كلا ليس الأمر كذلك، ليس كل من أعطاه الله جل وعلا ما أعطاه من متاع الدنيا فهو دليل على محبة الله له، ولا كل من قدر الله عليه وضيق عليه فهو دليل على سخط الله سبحانه وتعالى عليه. فإن الله عز وجل قد يعطي الدنيا الكافر والفاسق والفاجر، يفتح عليه من متاع الدنيا ابتلاء وامتحانًا، وكذلك أيضًا استدراجًا له. كما قال الله جل وعلا: ﴿ سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ﴾. أو أخبر النبي عليه الصلاة والسلام حين قال: « إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد على معاصيه فاعلم أنه استدراج »، الله عز وجل يستدرج هذا العبد بما يعطيه من النعم، ثم إذا أخذه جل وعلا أخذه أخذًا شديدًا. قال رحمه الله: وإن وفقه لطاعة من الطاعات رأى المنة لله في توفيقه لها وشكره عليها. كذلك إذا منّ الله عز وجل عليه بطاعة من الطاعات من صلاة أو صيام أو علم أو حفظ للقرآن أو غير ذلك من النعم الدينية، فإنه يعلم أن هذه النعمة من الله جل وعلا امتن بها عليه. فهو يشكر الله عز وجل على هذه النعمة، ولا يغتر بما وفقه الله سبحانه وتعالى من عبادة وطاعة، بل يشكر الله سبحانه وتعالى عليها، ويسأل من الله جل وعلا أن يثبته، وكذلك أيضًا أن يعينه على الاستمرار في أدائها وفعلها، فهو في كل الحالات كما سمعنا شاكرًا لله سبحانه وتعالى. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.