التعليق على منظومة السير إلى الله للسعدي 5

الدرس في التعليق على منظومة السير إلى الله للسعدي 5، ألقاها

أهمية الذكر في حياة المسلم

ذكر الله حياة القلوب وعمارة الأوقات، يزيل الهموم والغموم، ويحصل الأفراح والمسرات. وهو طريق إلى حب الله وتقربه، ويبقى مع الإنسان حتى في الجنة.

الإكثار من ذكر الله وأثره

يأمر الله عز وجل بالإكثار من ذكره لما في ذلك من النفع العظيم، ويشجع النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من ذكر الله. الإكثار من الذكر يجعل اللسان رطبًا بذكر الله.

فضل التقرب إلى الله بالطاعات

يتقرب العبد إلى الله بالفرائض ثم يتبعها بالنوافل لينال محبة الله، وهذا يؤدي إلى نيل محبة الله سبحانه وتعالى. الذكر نور للذاكر في قلبه وقوله وقبره ويوم حشره.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في منظومته في السير إلى الله والدار الآخرة: قال ولهذا قلت: وهم الذين قد أكثروا من ذكره في السر والإعلان والأحيان. قال رحمه الله: منزلة شريفة، حاجة كل إنسان إليها بل ضرورته إليه فوق كل حاجة، أي ذكر الله سبحانه وتعالى، لأنه حياة القلوب، وإذا غفل القلب عن ذكر الله فإنه يموت. وكما قال الإمام القيم رحمه الله في كتابه الوابل الصيب: حاجة القلب إلى الذكر كحاجة السمك إلى الماء، فإذا أخرج السمك من الماء فكيف يكون حاله؟ لا شك أنه يضطرب حتى يموت، وهكذا القلب إذا خلا من ذكر الله سبحانه وتعالى. قال: بذكر الله هو عمارة الأوقات، وبه تزول الهموم والغموم والكدورات. فذكر الله هو عمارة الأوقات، أي يعمر العبد وقته بذكر الله سبحانه وتعالى، فيكون وقته كله لله جل وعلا، وفيما يقربه إلى الله، وفيما يرضي الله سبحانه وتعالى. قالوا: به تزول الهموم والغموم والكدورات، الهموم جمع هم، والهم ما يحزن الإنسان في المستقبل، والغموم جمع غم، والغم ما يحزن الإنسان فيما مضى، والكدورات وهي المنقصات التي تنقص نفس الإنسان وراحته، فبذكر الله جل وعلا تزول هذه المنقصات والهموم والغموم والأحزان التي تصيب الإنسان في حياته. قال: وبه تحصل الأفراح والمسرات، وهو عمارة القلوب المغفرات، يعني القلوب الخالية من ذكر الله كالأرض القفر التي لا نبات فيها ولا زرع، فعمارة القلوب بذكر الله جل وعلا تحيى به هذه القلوب الميتة. قال: كما أنه غراس الجنات، أي غراس الجنات في الآخرة، وزرع الإنسان فيها بذكر الله جل وعلا. ويشير إلى ذلك ما جاء عند الترمذي، وكذلك ابن حبان والحاكم، ورواه كذلك ابن أبي شيبة، كلهم من طريق أبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال سبحان الله العظيم بحمده غرست له نخلة في الجنة». فذكر الله جل وعلا غراس الجنات، أنت تذكر الله عز وجل بهذا الذكر مرة واحدة تغرس لك نخلة في الجنة، فإذا قلت مئة نخلة، ألف بألف نخلة، وهكذا، كلما أكثرت من ذكر الله جل وعلا كلما غرس لك أشجار من النخل في الجنة. قال: وهو موصل لأعلى المقامات، وفيه من الفوائد ما لا يحصى، ومن الفضائل ما لا يعد ولا ينقضي، موصل لأعلى المقامات، لأنك إذا ذكرت الله جل وعلا ذكرك الله جل وعلا فيمن عنده، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: قال الله تعالى: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». أنت تذكر الله عز وجل في الدنيا فيذكرك الله جل وعلا في الملأ الأعلى، هذا لا شك أنه شرف عظيم ومنزلة عظيمة ومقام كريم لا يناله الوزراء والرؤساء وذوو متاع الدنيا، وأنت تنال ذلك بذكرك لله سبحانه وتعالى. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا﴾، فالله عز وجل يأمر عباده المؤمنين بالإكثار من ذكره لما في ذلك من النفع العظيم الذي ينتفعون به، فهو قرب إلى الله جل وعلا، وطاعة يتقربون بها إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا أيضا هو حياة للقلوب، وذهاب لأمراضها وأسقامها، وكذلك أيضا مما يعينها على الاستعانة به على فعل الطاعات والقربات وترك المعاصي والذنوب والمحرمات. ﴿يا أيها الذين آمنوا ذكروا الله ذكرا كثيرا﴾، فينبغي للمسلم أن يكثر من ذكر الله جل وعلا. وقد جاء به حديث، لكنه ضعيف: «أكثروا من ذكر الله حتى يقولوا مجنون». هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، ودراج ضعيف، وهذه سلسلة ضعيفة، سلسلة دراج أبي السمح عن أبي الهيثم. لكن الأمر والحث والترغيب على الإكثار من ذكر الله فهذا وارد وثابت، كما سمعنا في هذه الآية، وكذا أيضا قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾، وقوله: ﴿وسبحوه بكرة وأصيلا﴾، أي في الصباح والمساء، فأنت ينبغي أن تكثر من ذكر الله جل وعلا في صباحك ومسائك وفي سائر أوقاتك، كما قال الله جل وعلا: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ الآية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: «إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأوصني»، قال: «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله». هذا الحديث رواه الإمام أحمد والترمذي والبيهقي، ومن حبان والحاكم، من حديث عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه، والحديث صحيح، وقد صححه شيخنا الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، وهكذا العلامة الألباني رحمه الله في صحيح الجامع. فعبد الله بن بسر رضي الله عنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يرشده إلى عمل، يعني سهل لين يستطيع به أن يتقرب إلى الله جل وعلا مع كثرة شرائع الإسلام واختلافها، فأوصاه النبي عليه الصلاة والسلام بالإكثار من ذكر الله: «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله»، يعني أكثر من ذكر الله جل وعلا حتى يصبح ذكر الله جل وعلا رطبا على لسانك، يجري على لسانك بكل سهولة من غير صعوبة ولا مشقة، وهذا إذا ألف العبد ذكر الله جل وعلا جرى ذكر الله على لسانه ربما من غير أن يشعر. قال: «وقال سبق المفردون، قال: وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات». والحديث رواه الإمام مسلم، بل في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. والله جل وعلا يقول: ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾، ويقول جل وعلا: ﴿ولذكر الله أكبر﴾، أي أكبر من كل شيء. قال: ولي من الأبيات: وكن ذاكرا لله في كل حالة، فليس لذكر الله وقت مقيد، فذكر إله العرش سرا ومعلنا يزيل الشقا والهم عنك ويطرد، ويجلب للخيرات دينا وآجلا، يعني يجلب لك الخيرات دينا، يعني في المستقبل، وآجلا كذلك فيما يكون لك عند الله جل وعلا، وما يدخل لك كذلك في مستقبلك. وإن يأتك الوسواس يوما يشرد، أي أن ذكر الله يطرد عنك وسواس الشيطان. قال: فقد أخبر المختار يوما لصحبه بأن كثير الذكر في السبق مفرد، ويريد الحديث السابق: «سبق المفردون». ووصى معاذا: «استعن بإلهك على ذكره والشكر بالحسن تعبد». ويشير بذلك إلى حديث معاذ في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «يا معاذ إني أحبك في الله، فلا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». قال: وأوصى لشخص قد أتى لنصيحة، وقد كان في حمل الشرائع يجهد. ويشير إلى حديث عبد الله بن بسر المذكور سابقا: «بأن لا يزال لسانك رطبا بذكر الله»، هذه تعين على كل الأمور وتسعد. وأخبر أن الذكر غرس لأهله بجنات عدن والمساكن تمهد. ويشير إلى حديث جابر رضي الله عنه الذي ذكر سابقا: «من قال سبحان الله بحمده غرسة نخلة في الجنة». وأخبر أن الله يذكر عبده ومعه على كل الأمور يسدد. ويريد حديث أبي هريرة الذي ذكرناه سابقا: «من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». وأخبر أن الذكر يبقى بجنبه وينقطع التكليف حين يخلد. ويشير بذلك إلى ما ثبت بالصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة يلهمون التحميد والتسبيح والتكبير كما يلهمون النفس»، أي كما أنهم يتنفسون بلا مشقة ولا كلفة، كذلك يلهمون ذكر الله جل وعلا وتحميده وتسبيحه. فيشير رحمه الله إلى أن الذكر من فضله أنه يبقى مع الإنسان حتى في الجنة التي هي ليست بدار تكليف، فجميع التكاليف تسقط ولا يكلف بها الإنسان إذا دخل الجنة، ويبقى ذكر الله جل وعلا ملازما له. قال: ولو لم يكن في ذكره غير أنه طريق إلى حب الإله ومرشد، وينهى الفتى عن غيبة ونميمة وعن كل قول للديانة مفسد، لكان لنا حظ عظيم ورغبة بكثرة ذكر الله، نعم الموحد، ولكننا من جهلنا قل ذكرنا كما قل منا لله التعبد. قال: وذكر الله نور للذاكر في قلبه وفي قوله وفي قبره ويوم حشره، والله المستعان. وكيف لا وذكر الله جل وعلا كما سمعنا من الطاعات والقربات العظيمة التي بها تحيى القلوب. قال رحمه الله: يتقربون إلى المليك بفعلهم طاعاته والترك للعصيان. قال: هذه الأعمال التي تقرب إلى الله وتغفر إليه، وهو فعل طاعته، لا سيما الفرائض، وترك معاصيه، كما في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». الحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهو يشير بهذا إلى أن من صفات هؤلاء السعداء أنهم يتقربون إلى المليك، أي إلى الله جل وعلا، بفعلهم، أي بفعل الطاعات والقربات التي يحبها الله جل وعلا، ويتقربون إليه بترك معصية الله. وأفضل وأعظم ما يتقرب به العبد إلى الله جل وعلا هي الفرائض والواجبات، ثم يتبع ذلك بنوافل الطاعات، ثم كذلك ترك المعاصي والمحرمات. فذكر الحديث، وفيه قول الله جل وعلا: ﴿وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه﴾، هذا فيه دلالة على أن الله عز وجل يحب من عبده أن يتقرب إليه بفرائضه وواجباته التي فرضها عليه، ثم قال: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه﴾، أي بعد أن يتقرب إلى الله جل وعلا بالفرائض يتبع ذلك بنوافل العبادات والطاعات التي هي سبب في نيل محبة الله سبحانه وتعالى. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على