الدرس في مختصر كرامات الأولياء 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يروي المقطع قصة الصحابي سعيد بن زيد رضي الله عنه حين خاصمته امرأة في أرض فاستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم الظلم، ثم دعا عليها فاستجاب الله دعوته فأعميت وماتت في بئر دارها. ويبين المقطع عظم عقوبة الظلم في الدنيا والآخرة، وأن دعوة المظلوم مستجابة لا ترد، مع التنبيه على آداب الدعاء المشروع.
يتناول المقطع آداب الدعاء عند التعرض للظلم مشيراً إلى جوازه مع النهي عن التجاوز في الدعاء، مستشهداً بدعاء سعد بن أبي وقاص وآيات الصبر والعفو. ثم يوضح قول ابن مسعود في تفريق الآيات بين رحمة نافعة وعقوبة مخوفة، ويختتم بذكر معجزة نبوع الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم دليلاً على أن النصر والتمكين لا يشترط فيهما الغنى وكثرة الزاد.
يشرح المقطع قصة استسقاء عمر بن الخطاب بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما، مبيناً أن التوسل المشروع كان بدعاء العباس وشفاعته لا بذاته أو قبره، وأن الصحابة كانوا يتوسلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في حياته لا بذاته بعد مماته. ويؤكد المقطع أن هذا يرد على من يستدلون بالحديث للتوسل البدعي بالقبور والأموات.
يتساءل المقطع عما إذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد زار قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتوسل به شخصياً، مستفسرًا عن صحة هذا الفعل ونسبته لعمر. ويهدف المقطع إلى التحقيق في هذه الرواية وبيان موقف السلف الصالح من التوسل بالقبور والأماكن.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وفي كتاب الكرامات: كرامات الأولياء. قال: سياق ما روي من كرامات سعيد بن زيد رضي الله عنه، وهو سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل، من السابقين الأولين، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة. قال: عن سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل رضي الله عنه، أن أروى خاصمته في أرض، يعني: ادعت أنه أخذها منها ظلما. فقال أي: سعيد بن زيد: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طُوِّقَه إلى سبع أرضين يوم القيامة». يعني: كيف يأخذ أرضا لهذه المرأة وقد سمع الوعيد الشديد ممن أخذ شبرا من الأرض بغير حق، فكيف بمن أخذ أرضا كاملة؟ وهذا فيه عمل الصحابة بعلمهم واستدلالهم على المسائل فيما سمعوه من النبي عليه الصلاة والسلام. فلما ادعت هذه المرأة على سعيد هذا، قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طُوِّقَه إلى سبع أرضين، طُوِّقَه إلى سبع أرضين يوم القيامة». ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها. وهذه دعوة مظلوم، دعا سعيد رضي الله عنه على هذه المرأة، فقال: فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها، يعني: تموت في أرضها ودارها. قال الراوي: فرأيتها عميا تلتمس الجدران، تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد. فبينا هي تمشي في الدار لأنها عمياء، خرت في بئر دارها، يعني: سقطت في بئر في دارها وأرضها، فوقعت فيها وكانت قبرها، وكانت قبرها. يعني: هذه البئر. والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. ووجه الشاهد من هذا الحديث: استجابة الله عز وجل لدعاء سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه، فتحققت دعوته، فتحققت دعوته بالدعاء الذي دعا به. وهذا الحديث فيه عقوبة الظلم الوخيمة، وأن الظالم يأخذ عقوبته في هذه الدنيا قبل الآخرة، قبل الآخرة. فلا تظلم لا بقول ولا بفعل. وكذلك من فوائد هذا الحديث: فيه كذلك أن دعوة المظلوم مستجابة، دعوة المظلوم مستجابة، كما جاء في حديث رسول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ إلى اليمن، فقال له: «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. فدعوة المظلوم مستجابة، فاحذر من ذلك. وكم وقائع وقعت يدعو فيها المظلوم على من ظلم، فتتحقق هذه الدعوة ويستجاب لها. مع التنبيه أن دعا المظلوم لا يتجاوز في الدعاء، ويدعو بما هو أعظم، وكذلك بما هو أشد من الظلم الذي وقع عليه، وإنما يدعو بدعاء يناسب هذا الظلم الذي وقع عليه. فسعد أو سعيد رضي الله عنه لما ادعت هذه المرأة أنه أخذ أرضها، دعا الله أن تموت في أرضها، وأن تبتلى بالعمى حتى لا ترى هذه الأرض، حتى لا ترى هذه الأرض. فهذا فيه شيء من المناسبة لهذه المظلمة، لهذه المظلمة. فمثلا: لا أحد يأخذ عليك شيء يسير من المال، وتدعو عليه بالموت، أو تدعو، أو تدعو عليه بأن يأخذ الله جميع أمواله. فهذا ربما يكون تعديا في الدعاء، تعديا في الدعاء. وإن صبرت فهذا خير، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وكما قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. ولكن إن دعوت فلكذلك، لكن أحسن في الدعاء ولا تتجاوز. ثم قال الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى: سياق ما روي من كرامات عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو أيضا من السابقين الأولين، من الغلمان الذين أسلموا من أول الأمر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود: «إنك غلام معلم»، وذلك بمكة. قال: عن علقمة، قال: سمع عبد الله بخسف، فقال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نعد الآيات رحمة، وأنتم تعدونها خوفا. والحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بيَّن تفصيلا رائعا في ظهور الآيات كالخسف، والرحمة، والأعاصير، ونحو ذلك. فذكر ملخص ما ذكر: أن الأمور الخارقة للعادة، وأن الآيات التي تظهر ليست كلها تخويفا، هذا مراد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. فما كان منها مفيدا نافعا فهو رحمة، وما كان منها ضارا أو مخوفا فهو عقاب أو إنذار أو تخويف. فظهور الآيات فيها تفصيل، وهذا مراد الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود في قوله: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نعد الآيات رحمة، أي: فيما فيها منفعة وتذكير ورحمة بالعباد، فهذه رحمة. وأما ما كان فيها تخويف، وفيها هلاك ومضرة، فهذا تخويف. ثم قال: إن بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معنا طعام، وهذا كان كانت الحال الغالبة لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ما كان يجدون الطعام، فصبروا وتوكلوا على الله، وعلقوا قلوبهم بالله، ففتحوا الأمصار، وأعز الله عز وجل بهم دينه، وأعلى بهم كلمته. لتعلم أخي المسلم أن المال وأن الدنيا ليست شرطا في العزة والرفعة والنصر والتمكين. فهذه الحالة التي اختارها الله لنبيه وأصحابه، كم نقرأ من الأحاديث التي فيها الشدة، وكذلك قلة الطعام الذي كان عليه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. ليس معنا طعام، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التمسوا من معه فضل ماء». فأتي بماء، فصفه في إناء، أي: النبي عليه الصلاة والسلام، ثم وضع كفه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام. وهذه دلال من دلائل النبوة وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. ثم قال أي: النبي عليه الصلاة والسلام: «حيّ على الطهور المبارك، والبرك من الله». قال: فشربنا منه. قال عبد الله: وهذا وجه الشاهد منه، قد كنا نسمع الطعام وهو يؤكل، قد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. والحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه بهذا اللفظ. فوجه الشاهد: أن الله عز وجل أكرم عبد الله بن مسعود مع من كان معه من الصحابة بسماع تسبيح هذا الطعام الذي يؤكل، الذي يؤكل. ولا شك أن هذه كرامة أكرم الله عز وجل بها هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. ثم قال الإمام اللالكائي عليه رحمة الله: سياق ما روي من كرامات العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم أورد حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وهو في صحيح البخاري، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا أقحطوا، يعني: لم ينزل المطر وتأخر نزوله، فجفت المنابع ويبست الأرض، فصار الناس بحاجة ماسة إلى نزول القطر من السماء. إذا أقحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، يعني: طلب السقيا، أي: طلب من العباس أن يدعو الله أن يغيثهم، هذا هو المراد بقوله: استسقى بالعباس. والحديث يدل على هذا المعنى. وأما من كان في قلبه زيغ كأهل التصوف، فإنهم يستدلون بهذا الحديث على ما هم عليه من التوسل البدعي أو الشركي، فيقولون: المراد بالاستسقى بذاته، أو التوسل بذاته. ولا يدل الحديث على ذلك، كما ستعلمون من لفظه. فجاء في الحديث: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أقحطوا استسقى بالعباس، يعني: طلب منه أن يدعو الله لهم أن يغيثهم. وما تسمى بصلاة الاستسقاء، ما تسمى بصلاة الاستسقاء، قال: ويقول: اللهم إنا كنا إذا أقحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا. ومعنى: توسلنا إليك بنبينا، يعني: بدعائه، يعني: بدعائه. وهذا الذي تدل عليه الأدلة. فالنبي صلى الله عليه وسلم بينما كان يخطب إذ دخل رجل، فقال: يا رسول الله، إن قطعت السبل، هلكت المواشي، وانقطعت السبل. ماذا قال؟ «فادعوا الله أن يغيثنا». هذا هو المراد بالاستسقاء بالنبي عليه الصلاة والسلام، أو التوسل بالنبي، أي: بدعائه. فما جاء أن الصحابة كانوا في حياة النبي عليه الصلاة والسلام يتوسلون بذاته أبدا، إنما الذي جاء: كانوا يتوسلون بدعائه. وهذا من باب التوسل المشروع، التوسل بدعاء الرجل الصالح، التوسل بدعاء الرجل الصالح. وهذا الذي فعله عمر كما جاء في هذا الحديث، توسل بدعاء الرجل الصالح، توسل بدعاء الرجل الصالح. فقال في هذا الحديث: اللهم إنا كنا إذا أقحطنا توسلنا إليك بدعاء نبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، يعني: نتوسل إليك بدعاء عم نبيك، وهو العباس بن عبد المطلب. وهذا الحديث في الحقيقة هو رد على هؤلاء المتصوفة الذين يستغيثون بالقبور ويطلبون منهم المدد. فعمر رضي الله تعالى عنه، هل ذهب إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام وتوسل برسول الله عليه الصلاة والسلام؟