الدرس في مختصر كرامات الأولياء 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح الشيخ مقبل الوادعي أن كرامات الأولياء تُعد من دلائل النبوة، مستشهداً بباب مستقل في كتابه «الصحيح المسند». يذكر مثالين من صحيح البخاري: استجابة دعاء عمر بن الخطاب بالشهادة والموت في المدينة، وقصة الربيع التي أصر أولياؤها على القصاص فأمر النبي ﷺ به.
يسرد قصة أنس بن النضر الذي أقسم ألا تكسر ثنية عمته الربيع فاستجاب الله وعفا الخصوم، مستشهداً بموقف ابن تيمية في انتصار المسلمين على التتار تأكيداً لحديث «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره». ثم يورد حديث أبي هريرة عن رجل خرج لعوز العيش فتهيأت زوجته للطحن والخبز بلا زاد توكلاً على الله.
يروي قصة امرأة دعت «اللهم ارزقنا» فامتلأت جفنتها وتنورها رزقاً من غير سبب، وأخبر النبي ﷺ أن الرحى لو تُركت لدارت إلى يوم القيامة. كما يذكر كرامة ثابت بن قيس يوم اليمامة حيث استشهد بعد دعاء، ثم رآه رجل في المنام فدل على موضع درعه المسروقة ووصاياه فوجدت كما قال.
يؤكد المتحدث ظهور كرامة واضحة للصحابي ثابت بن قيس رضي الله عنه، ثم يختم الدرس مشيراً إلى الاكتفاء بهذا القدر ومواصلة الموضوع في دروس قادمة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فـالإمام اللالكائي في كتابه، وذكرها شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «دلائل النبوة»، فقد جعل شيخنا الوادعي رحمه الله باباً مستقلاً في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة» يتعلق بما صح من كرامات الأولياء، وأنها من دلائل الأنبياء. فنقرأ ما لم يذكره الإمام اللالكائي، وإلا ففي الشيخ مقبل ذكر جملة كثيرة من الأحاديث التي ذكرها الإمام اللالكائي في كتابه «كرامات الأنبياء». فذكر شيخنا ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وأنه قال: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك» صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأين وجه الشاهد من هذا الحديث في كرامات الأولياء؟ وجه الشاهد: أن الله عز وجل استجاب دعوة عمر رضي الله تعالى عنه، فرزقه الشهادة، فطعن وهو يصلي صلاة الفجر، فمات على أثر ذلك، وهكذا كانت موته رضي الله تعالى عنه في بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. وكما تقدم أن استجابة الدعاء للأولياء يعد كرامة من كراماتهم. وهكذا مما ذكره شيخنا الوادعي في كرامات الأولياء: حديث أنس الذي أخرجه أيضاً الإمام البخاري في صحيحه، وهو حديث «أن الربيع»... حديث أنس: أن الربيع عمته كسرت الثنية، جارية، والمراد بالجارية هنا الشابة، المرأة الشابة؛ لأن لا يراد بها الأمة الرقيقة، وإنما يراد بها المرأة الشابة. فطلبوا إليها العفو فأبوا، لأن حكم الله في هذا القصاص: السن بالسن، السن بالسن. فطلب أهل هذه الجارية، أو طلب أهل الربيع العفو، فأبى أولياء هذه الجارية. فعرضوا الأرش، أي: أولياء الربيع عرضوا الأرش، والأرش هي الدية، وهو الفارق بين قيمة الشيء صحيحاً ومعيباً، كم تساوي قيمته يعطى يسمى أرشاً. فأيضاً أولياء الجارية أبوا، ما يريدون إلا القصاص، يخرج سن الربيع، السن بالسن. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص. فقال أنس بن النضر -لأن الربيع عمته- فشق عليه ذلك، فقال أنس بن النضر: «يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ لا والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنيتها». قال العلماء: لم يرد الإنكار المحض والرد بهذا القول، لم يرد أنس رضي الله عنه الإنكار المحض والرد، بل قال ذلك توقعاً ورجاءً وحسن ظن بالله سبحانه وتعالى، حتى يلهم ربنا عز وجل الخصوم بالرضا، حتى يعفوا أو يقبلوا الأرش. فقال ذلك من هذا الباب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنس: «يا أنس، كتاب الله القصاص، كتاب الله القصاص». فرضي القوم، فعفوا، قذف الله عز وجل في قلوب أولياء الجارية أن يعفوا، فعفوا عن الربيع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره». فالربيع هنا أقسم بقوله: «لا والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنيتي» -أو ثنيتها-، فألهم الله الخصوم بالعفو. وهذا قد وقع لغير الربيع، يذكرون أنه وقع لشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في حربه مع التتار، فأقسم أن المسلمين سينتصرون على التتار، فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل ذلك، بل قال: «إن شاء الله» تحقيقاً لا تعليقاً، قال: «إن شاء الله» لكنه تحقيقاً لا تعليقاً، فكان الأمر كما أقسم، فنصر الله عز وجل المسلمين على التتار. «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره»، أي: لو دعا بأمر وأقسم على الله في هذا الأمر، لاستجاب الله عز وجل لدعائه وأبر قسمه. فهذا الحديث فيه كرامة ظاهرة واضحة لأنس رضي الله تعالى عنه. ثم ذكر أيضاً شيخنا الوادعي رحمه الله حديثاً أخرجه الإمام أحمد رحمه الله، وقال شيخنا عن هذا الحديث: حديث صحيح، ورواته رواة الصحيح. وهو حديث أبي هريرة، قال رضي الله عنه: دخل رجل على أهله، فلما رأى ما بهم من الحاجة، خرج إلى البرية. لما رأى ما بهم من الحاجة، يعني: ما عندهم طعام، ما عندهم ما يسكنون به جوعهم، فخرج من البيت. فلما رأت امرأته -يعني: رأت أنه خرج من بيته- قامت إلى الرحى فوضعتها، وإلى التنور فسجرته. وضعت الرحى، ما فيها شيء: طعام ولا عجين ولا شيء، وكذلك سجرت التنور، يعني: أوقدته. ثم قالت: «اللهم ارزقنا». دعت بهذا الدعاء: «اللهم ارزقنا»، لأن زوجها خرج، لعل الله يرزقه، لعل الله يرزقه بشيء. قالت: فنظرت، فإذا الجفنة قد امتلأت. وقالت: وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئاً، فوجدته ممتلئاً. رزق ساقه الله إليهم دون أن يتسببوا في الإتيان به تسبُّباً قدرياً. قال: فرجع الزوج، قال: «أصبتم بعد شيئاً؟» يعني: هل وجدتم شيئاً من الطعام؟ قالت امرأته: «نعم، من ربنا، من الله». قال: فقام إلى الرحى فرفعها، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «أما إنه لو لم يرفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة». لو تركها هكذا تدور، لما توقفت، دارت إلى يوم القيامة. ثم قال أبو هريرة: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «والله لأن يأتي أحدكم بصُبْرٍ ثم يحمله» -يعني: الحطب المتجمع- «ثم يحمله، يبيعه، فيستعف منه، خير له من أن يأتي رجلاً يسأله». وهذا الحديث فيه كرامة لهذه المرأة، إذ دعت بهذا الدعاء: «اللهم ارزقنا»، فرزقها الله من حيث لا تحتسب. وهكذا ذكر شيخنا أيضاً من هذه الكرامات: حديث أنس بن مالك الذي أخرجه الحاكم، وقال عنه شيخنا: إنه حسن. قال أنس بن مالك: أن ثابت بن قيس جاء يوم اليمامة، وقد تحنط ولبس أكفانه، تجهز للشهادة، وقد انهزم أصحابه، من كانوا يقاتلون معه. وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء»، يعني: أصحابه. «فبئس ما عودتم، أو عودتم أقرانكم، خلوا بيننا وبين أقراننا ساعة». ثم حمل فقاتل ساعة فقتل. وكانت درعه قد سرقت، درع ثابت بن قيس سرقت في حياته. فرأى رجل فيما يرى النائم، رأى -أو فرآه رجل فيما يرى النائم- رجل من المسلمين، رأى في نومه ثابت بن قيس بعدما استشهد. فقال: «يا ثابت بن قيس، إن درعي في قدر تحت إكاف بمكان كذا وكذا»، يعني: يصف له موضع الدرع الذي سرق، يصف له موضع الدرع الذي سرق، وأنه في مكان كذا وكذا. «إن درعي في قدر تحت إكاف بمكان كذا وكذا، وأوصى بوصايا». فطلب الدرع، فوجد حيث قال، أو: فطلب الدرع، يعني: ذهبوا يبحثون عنه، فوجد حيث قال. فأنفذوا وصيته، يعني: ما قال من وصايا. وهذا لشك أنها كرامة ظاهرة لثابت بن قيس رضي الله تعالى عنه وأرضاه. نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله ما بقي في دروس قادمة. إلى هنا، والله تعالى أعلم.