الدرس في الخط التاريخي لظهور البدع 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تكاتف أهل السنة والجماعة في التحذير من بشر المريسي وتكفيره، وردوا عليه وتصدوا لأفكاره. شهدت الفترة مناظرات بينهم وبينه وانتهت بوفاته دون تشييع من أهل العلم.
حسين بن علي الكرابيسي كان فقيهاً بغدادياً على السنة ثم انحرف وألف كتاباً يبرر فيه أخطاء المبتدعة. علماء السنة أنكروا عليه كتابه وهجروه.
الكرابيسي قال "لفظي بالقرآن مخلوق" مما أثار جدلاً كبيراً. علماء السنة هجروا الكرابيسي وحاربوا قوله.
الخطيب ختم كلامه بدعاء الله أن ينفع بما قاله، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه. شكر الحضور على الاستماع.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، ذكرنا إخواني في الله ما يتعلق بكيفية تعامل أهل السنة في تلكم المرحلة الحرجة، حينما وصل الأمر إلى ولاة الأمور، فإذا هم بسيف السلطان يلزمون الناس بمسألة القول بخلق القرآن. وصلتنا الأضواء على إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، كيف كان في صبره وثباته، وكان بهذا الصبر إيذان من الله جل وعلا برفع الفتنة والمدلهمة عن أهل السنة، حتى جاءت خلافة المتوكل، فرفع الله جل وعلا به الغمة. وقبل أن ننتقل من هذه المرحلة، بقي كذلك أن ننسى ذاكم الداعية الذي دعا الناس إلى الضلال، ألا وهو بشر المريسي، والذي كما ذكر عنه ابن كثير رحمه الله تعالى هو شيخ المأمون، وهو الرأس الداهية الذي أثر على المأمون، ومن ثم تغيرت مجرى الأمور. ومر معنى ما يتعلق بأقوال بشر وما كان من ترجمته في أنماط حياته وعقيدته. بقي كيف تعامل أهل السنة والجماعة مع هذا الرجل، مع بشر المريسي؟ تكالبت وتواطأت وتفقت كلمة العلماء على ذمه وعلى التحذير منه ومن أفكاره. يقول الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: «قال أساء أهل العلم قولهم فيه، وكفره أكثرهم؛ لأجلها أساء القول تحذيرا منه». وليس هذا فحسب، بل وصل بهم الأمر إلى تكفيره، والحكم على بشر المريسي بأنه كافر، وهذا أكثر السلف على هذا. فمن هؤلاء قتيبة بن سعيد رحمه الله تعالى، قال: «بشر المريسي كافر». وقال يزيد بن هارون: «بشر كافر حلال الدم». بل إن يزيد بن هارون كان يحرض الناس على قتل بشر، يقول عثمان بن سعيد رحمه الله: «بلغني عن يزيد بن هارون أنه قال: حرّضت أهل بغداد غير مرة على قتل المريسي». وكان يزيد يسعى إلى قتله مع تكفيره، فهو كافر حلال الدم. وقال الأسدي رحمه الله، وهو يتحدث عن بشر: «زائغ صاحب رأي، لا يقبل قوله، ولا يخرج حديثه، ولا كرامة، وهو عندنا على غير طريقة الإسلام». وقال أبو زرعة الرازي: «كان يقول: بشر المريسي زنديق، يرمى بالزندقة». هذا من قول أبي زرعة الرازي رحمه الله: «بشر المريسي زنديق». وقد سئل حمد مزيد عن بشر المريسي، فقال: «ذلك كافر». وقال وكيع رحمه الله: «المريسي يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه». قال وكيع: «المريسي يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه؛ يقتل». وقال أبو يوسف رحمه الله، عندما حدث وأخبر عن بوائق بشر المريسي: «جيئوني بشاهدين يشهدان أنه تكلم في القرآن، يشهدان أنه تكلم في القرآن، فوالله لأملأن ظهره وبطنه بالصياط». أنه كان قاضي القضاة في إصدار الأحكام، يريد أن يثبت التهم عليه. قيل أن بشر عندما بلغه التهديد هرب. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، كما في مجموع الفتاوى: «قال: وقصة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة مشهورة؛ أي هذه القصة». قال: «مشهورة في استتابة بشر المريسي حتى هرب منه». شيخ الإسلام يؤكد هذه الواقعة وهذه الحادثة على أن أبا يوسف القاضي توعد وتهدد بشرا بالضرب والتنكيل والتعذيب، إلى أن بشر هرب عندما بلغه الأمر. بل إن موقف أهل السنة لم يكن فقط يقف موقف إصدار الأحكام، وإن كان هذا كافيا، هذا الذي يملكونه حينها الحكم على شخص بما يستحقه، رموه بالزندقة والكفر، بيان لحقيقة أمر وتحذيرا للناس من شره. بل وصل بهم الأمر إلى الرد عليه والتصدي لأفكاره، وقامت معهم مناظرات، وقيمت مناظرات مع بشر. يقول العماد رحمه الله تعالى في شذرات الذهب: «وناظر بشرا المريسي في مجلس المأمون مناظرة تمت بين عبد العزيز بن يحيى الكناني من أهل السنة، ومع بشر المريسي، هذا في زمن المأمون في أول ظهور للفتنة». قال: «في مجلس المأمون بمناظرات عجيبة غريبة، فانقطع بشر وظهر عبد العزيز؛ مناظرة قوية». وقد جاء بعض النقولات كما جاء في كتاب الحيدة أنه ذكر مقالات، والتي ترجم لما وقع في هذه المناظرة بين عبد العزيز وبين بشر المريسي. وأما ما يتعلق بوفاة بشر، فقد ذكر العلماء أنه عاش سبعين سنة، وقد كللها بالدعوة إلى خلق القرآن حتى هلك، وكانت هلاكه رحمة للناس من شره ومن فتنته، وإراحة الناس من أفكاره الضالة. وعند وفاته أظهر أهل السنة فرحهم، يقول بشر بن الحارث رحمه الله: «قال: جاء موت المريسي وأنا في السوق، جاء خبره، فلولا أنه ليس موضع سجود لسجدت شكرا؛ جاءني خبر وأنا في السوق، من شدة الفرح أراد أن يسجد لله شكرا إلا أن الموضع ما كان موضع سجود». وقد ذكر صاحب كتاب الخبر في ذكر من غبر: «أن المريسي لم يشيعه أحد من أهل العلم، ما صلى عليه أحد». وكيف يصلون على هذا الرجل بهذه المثابة من البدعة والضلالة؟ ومن الطريف ما يذكر، نختم به الحديث عن بشر المريسي، من طريف ما يذكر قصة ذكرها المؤرخون، مفادها أن بشرا لما مات لم يشهد جنازته أحد من أهل العلم، إلا عبيد الشنوري محسوب من أهل السنة حضر الجنازة وصلى عليه. فلما رجع من الجنازة، أقبل عليه أهل السنة ينتقدون عليه، وقالوا: «يا عدو الله تنتح للسنة وتشهد جنازة المريسي». فقال: «هذا الرجل انظروني حتى أخبركم، اسمعوا مني ثم أقبلوا عذري». قال: «ما شهدت جنازة رجوت فيها من الخير ما رجوت في شهود جنازته؛ لما وضع في موضع الجنائز - أي جثة المريسي - قمت في الصف في الصلاة، فقلت: اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن برؤيتك في الآخرة، اللهم فاحجبه عن النظر إليك، اللهم عبدك هذا كان ينكر الميزان، اللهم خفف ميزانه يوم القيامة، اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن بعذاب القبر، اللهم فعذبه اليوم في قبره عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين، اللهم عبدك هذا كان ينكر الشفاعة، اللهم فلا تشفع فيه أحدا أبدا من خلقك يوم القيامة». قال: «فإذا بالقوم سكتوا وضحكوا؛ سكتوا وضحكوا، إذا كان هكذا حضورك المريسي طيب لا بأس، تدعو عليه في جنازته لا بأس». قال: «فسكتوا وضحكوا من فعل هذا الرجل من أهل السنة». هذا إخواني في الله ما يتعلق أو خلاصة المبحث عما يتعلق ببشر المريسي، وكيف تعامل أهل السنة مع حالته ومع أمره. ننزل إخواني في الله الآن إلى مرحلة من مراحل ظهور البدع في هذه الفترة، وباعتبار نجعلها مثلا الفترة الخامسة، وهي التي يمكن أن تحدد بين عامي مئتين واثنين وثلاثين إلى ثلاثمائة وأربع وعشرين. في هذه الفترة ظهرت وبرزت شخصيات مختلفة وتحمل في طياتها بدعا جديدة ما عرفت من قبل. وقبل الخوض في ذكر البدع التي ظهرت أو هذه الشخصيات والتي كثير من العلماء يسلط الأضواء عليها كأمثال الكلابية والكرامية، وهي البدع التي ظهرت في هذه الفترة، نقف قليلا عند شخصية ظهرت وإن كان بعض العلماء ما يسلط الضوء عليها لأن أمرها ما، لكن له أثره، ونحن سنعرج على هذه الشخصية، وهي ظهرت في هذه الفترة، وهي فتنة الكرابيسي. فتنة الكرابيسي، من هو الكرابيسي؟ وما هي فتنته؟ وكيف تعامل العلماء معه؟ فلنصق الكلام إخواني في الله حول الكرابيسي. هو رجل اسمه حسين بن علي بن يزيد الكرابيسي، الفقيه البغدادي. هذا الرجل كان على جانب من العلم والفقه. قال ابن عبد البر: «كان عالما مصنفا متقنا». وكانت فتوى السلطان تدور عليه، ألف المؤلفات العلمية. قال الخطيب: «وله تصانيف كثيرة في الفقه وفي الأصول، تدل على حسن فهمه وغزارة علمه». إذن نحن بصدد الحديث عن رجل متمرس، عنده علم، متضلع بالعلم بشهادة العلماء. وكان الكرابيسي في بداية أمره على السنة، ما شاء الله رجل علم على السنة، خير نور على نور. بل ويظهر ذلك في علاقته مع الإمام أحمد رحمه الله تعالى، يقول ابن عبد البر: «وكانت بينه وبين أحمد صداقة وكيدة». كانت بينه وبين أحمد صداقة وكيدة، زمالة وصداقة بين الإمام أحمد والإمام أحمد لا يصاحب إلا من كان من أهل السنة، فهكذا كان الكرابيسي علما مع سنة. بل نقل أنه كان يدرس عند الشافعي، درس وتتلمذ عند الإمام الشافعي. ذكر ابن عبد البر: «وكان يذهب مذهب العراق إلى أن قدم الشافعي، فجالسه وسمع كتبه فانتقل إليه». كان يذهب مذهب العراق إلى أن قدم الشافعي، فجالسه وسمع كتبه. وإن كانت هذه المسألة، مسألة جلوس الكرابيسي عند الشافعي، هي محل جدل، هل هذا ثابت عنه أم لم يثبت؟ يقول عبد الله بن الإمام أحمد: «سألت أبي: هل رأيته يطلب الحديث؟ فقال: لا». فقلت: «هل رأيته عند الشافعي ببغداد؟ قال: لا». قال: «وسألت أبا ثور: هل رأيته عند الشافعي؟ قال: سألت أبا ثور عن الكرابيسي: هل يحضر معكم عند الشافعي؟ قال: هو يقول: ذاك هو يقول ذاك، أما أنا فلا أعرف ذلك». ذكر ذلك ابن حجر في التهذيب. فذكر الجدل حول الكرابيسي: هل هو حقا تتلمذ عند الشافعي كما يزعمه وكما يذكر بعض المؤرخين عنه؟ الإمام أحمد ينفي هذا، وأبو ثور يعلق الأمر، يقول: «هذا، لكنها ما رأيته في حلقة الشافعي». متى بدأ انحراف الكرابيسي هذا الذي كان على السنة وكان على العنب؟ بدأ عندما ألف كتابا بعنوان «المدلسين»، وفي هذا الكتاب كان يدافع عن أهل البدع، يلتمس لهم المعاذير. فمثلا دافع عن الحسن بن صالح، والحسن بن صالح يرى رأي الخوارج، يرى رأي الخوارج. فقال: «بأنه مجتهد، اجتهد كما اجتهد ابن الزبير في الخروج؛ هذا مثل هذا، ما تقف ابن الزبير اجتهد، وهذا كذلك اجتهد». فكان يبرر أفعال المبتدعة بالتلمس أخطاء أهل السنة وعلمائها. وهكذا أيضا يذكر أخطاء بعض الأئمة، كسليمان التيمي والأعمش. بل وأدخل طاووس بن كيسان، أدخله في باب التدليس، حتى قال العلائي: «ولم أر أحدا يصده بذلك». وكان هذا في تأليف يريد - كما قلنا - أن يبرر أخطاء المبتدعة. طبعا هذا إخواني في المسلك، وإن كان فعله الكرابيسي، لكن الآن يفعل تجد بعض الناس إذا أراد، وبعض الجماعات إذا أراد أن يبرر أخطاء قادته وأتباعه. مثل بعض الجماعات إذا أراد تبرير أخطاء سيد قطب مثلا أو حسن البنا، يقول: «أخي تنكرون على هذا، وانظر ابن حجر ونووي، أخطأوا هؤلاء أخطأوا هؤلاء، أخطأوا، يشتغلون في ابن حجر، اجتهدوا، هذا مجتهد، يا إخوان هذا مثل هذا، نفس نفس المسلك سلكه الكرابيسي، يبرر أخطاء المبتدعة بحجة وقوع ذلك عند قيمة السنة». قال المروزي: «مضيت إلى الكرابيسي وهو إذ ذاك مستور، يذب عن السنة ويظهر نصرة أبي عبد الله». فقلت له: «إن كتابك المدلسين يريدون أن يعرضوه على أبي عبد الله - إمام أحمد - خذوا وعرضوا على هذا الكتاب، ينظر ويحكم فيما ألفت وما كتبت». قال: «يريدون أن يعرضوه على أبي عبد الله، فقال لي: إن أبا عبد الله رجل صالح، مثله يوفق لإصابة الحق، وقد رضيت وقد رضيت أن يعرض كتابي عليه». قال: «وسألني أبو ثور وابن عقيل وحبيش أن أضرب على هذا الكتاب، فأبيت عليهم». ما هو أسمع لأحد هؤلاء جاءوني، إذن في أهل السنة أنكروا عليه أصلا الكتاب هذا، أهل السنة في زمنه أنكروا عليه الكتاب، لكن ما استمع. قال: «إمام أحمد سأخذ بكلامه». قال: «سألني أبو ثور وابن عقيل وحبيش أن أضرب على هذا الكتاب، فأبيت عليهم، وقلت له: بل أزيد فيه؛ عناد». قال: «فجئ بالكتاب إلى أبي عبد الله - إمام أحمد - وهو لا يدري من وضع الكتاب، وكان في الكتاب: إن قلتم إن الحسن بن صالح كان يرى رأي الخوارج، فهذا ابن زبير قد خرج». قال المروزي: «فلما قرأ على أبي عبد الله هذا الكلام، قال: هذا قد جمع للمخالفين ما لم يحسنوا أن يحتجوا به، حذروا عن هذا ونهى عنه، ما شرى فقط». موضوع الكتاب، ما هي الكتاب، متن الكتاب غلط، أنك تجمع أخطاء السنة وتحشدها وتجعل ذلك مبررا ليعامل كما يعامل المبتدع، أمر بالحذف الكتاب وبتركه. إلا أن الكرابيسي استمر في أمره وزاد ضلاله وحينما كان، قال المروزي: «فانكشف أمره، ظهرت أمور لم تكن في الحسبان». ما الذي أظهره الكرابيسي؟ أظهر بدعة شنيعة جدا، الذي قال عنها الكرابيسي: «لأقولن مقالة حتى يقول أحمد بن حنبل بخلافها، فيكفر عندي». عبارة سأأتي بها، ما الذي أتى بها؟ «لفظي بالقرآن مخلوق». عبارة أول من أتى بها الكرابيسي: «لفظي بالقرآن مخلوق». قال الذهبي رحمه الله تعالى في تاريخ الإسلام: «وأول من أظهر اللفظ الحسين بن علي الكرابيسي، وذلك في سنة أربع وثلاثين ومائتين». أظهر هذه المقالة في هذه الفترة الزمنية. قال: «وأول من أظهر اللفظ الحسين بن علي الكرابيسي». وقال شيخ الإسلام: «وأول من قال ذلك فيما بلغنا حسين الكرابيسي؛ أول من قال: لفظي بالقرآن مخلوق». ماذا كان دور أهل السنة؟ قال شيخ الإسلام: «فأنكر عليه علماء السنة في ذلك الوقت، وقالوا فيه كلاما غليظا». لماذا الكلام الغليظ على الكرابيسي؟ وإيش في هذه العبارة؟ هذه العبارة التي فيها موهمة، «لفظي بالقرآن مخلوق»، ما الذي تعنيه؟ «لفظي»، ما هو اللفظ؟ اللفظ يطلق ويراد به فعل الفاعل، التلفظ، حركة الفم، حركة اللسان، هذا الفعل الفاعل، تلفظ، هذا يقال عنه مخلوق أوجده الله، والله خلقكم وما تعملون، عمل الإنسان خلقه الله، فاللفظ خلق من خلق الله. ويطلق اللفظ على الملفوظ الذي تتلفظ به، الذي تتكلم به، هذا الذي تتكلم به، ما هو؟ ما هو؟ لربما تتكلم بالقرآن، والقرآن الملفوظ غير مخلوق، إذن اللفظ يطلق على أمر، وهو التلفظ، ويطلق على الملفوظ. فلما تقول: «لفظي بالقرآن مخلوق»، ما الذي تعنيه أصلا؟ «لفظي»، ما هو؟ التلفظ أو الملفوظ؟ الله أعلم بالذي تعنيه. عبارة مهمة توقع الناس في الشك، فلو قلت بالأول لا ربما وقعت في البدعة، لو قلت في الثاني وقعت في البدعة، بين القدرية وبين كذلك الجبرية. من يقول بقوة بخلق القرآن؟ لما رأوا العلماء هذه العبارة المهمة، ما كان عنهم إلا محاربة الكرابيسي ومحاربة قوله. في تاريخ بغداد: «جاء رجل إلى الكرابيسي، فقال: ما تقول في القرآن؟ فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق؛ هذا يكفي». يكفي هذا، لكن انظر، فقال الرجل: «فما تقول في لفظي بالقرآن؟» يعني هو الذي أتى بها، ما تقول؟ قال الكرابيسي: «لفظك بالقرآن مخلوق». فمضى الرجل إلى الإمام أحمد وأخبره الخبر وبما أمل عليه الكرابيسي، فأنكر الإمام أحمد وقال: «هذه بدعة، هذه بدعة». فرجع الرجل إلى الكرابيسي وأخبره بإنكار الإمام أحمد، فقال: «فقلت: إذن لفظك بالقرآن غير مخلوق، يلا إذا كان مخلوق بدعة، إذن خذ مني: لفظك بالقرآن غير مخلوق». فرجع الرجل المرة الثانية إلى الإمام أحمد وأخبره الخبر، فأنكر الإمام أحمد العبارة، وقال: «هي بدعة». فرجع الرجل للكرابيسي ويخبره بإنكاره، حينها قال الكرابيسي: «إيش نعمل مع هذا الصبي؟ هكذا إيش نعمل مع هذا الصبي؟ إيش نعمل؟ إمام أحمد قلنا: هذا بدعة، قلنا: هذا بدعة، إيش معاه إمام أحمد؟ ما معه إلا الوضوح، أهل السنة يتركون هذه العبارات المجملة التي توقع الناس في اللبس». يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «والذي استقرت عليه نصوص الإمام، وطبقته من أهل العلم: أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق، فهو مبتدع». في كل الأحوال أنت مردود عليك. قال: «ومن قال: غير مخلوق، فهو مبتدع». وهذا هو الصواب عند جماهير أهل السنة: «أنه لا يطلق واحد منهما، لا تقول: لا هذا ولا ذاك، أنه لا يطلق واحد منهما، كما عليه الإمام أحمد وجمهور السلف، بل كل واحد من الإطلاقين يقتضي إيهاما، يقتضي الإيهام». ثم تتابع أهل السنة على الرد على الكرابيسي، من أمثال الزعفراني، وأحمد بن صالح، وأحمد الدورقي، ويعقوب الدورقي، وابن الشجاع. وهكذا أبو ثور، عندما حذر أحمد من الكرابيسي، قال: «من عنده إيش خبر أبي ثور؟ فقال: أوافقه على هذا؛ أي وافق الكرابيسي على مسألة اللفظ، أوافقه على هذا». قال: «قد هجر، قال: قد أحسن؛ هكذا الذي ينبغي أن تتضافر وتتكالب كلمة أهل السنة ضد المبتدع، وطبعا وهذا الذي وقع». الكرابيسي من انتقام له من هذا الرجل الذي تعرض على الكلام على سلف الأمة، قال إمام أحمد: «لما بلغه عما وقع للكرابيسي من الدخول في هذا الأمر المشكل من مسألة الاعتقاد». قال إمام: «ما كان الله ليدعه، وهو يقصد التابعين مثل سليمان التيمي والأعمش وغيرهم، ويتكلم بهم، ما كان الله يدعه، ما كان الله يدعه أحد يخوض في عرض السلف، بل وإنما الله سيفتريه ويفتريه بما ينبغي أن يظهر به أمره، كما وقع للكرابيسي». وأخيرا إخواني في الله، كلام عن الكرابيسي يطول، وقد دخل في تفاصيل، لكن ننتقل إلى آخر مسألة، وهي ما يتعلق بموته. ما يتعلق بموته؟ قيل: «أن المتوكل - وقد علمنا من المتوكل - بلغه أمر الكرابيسي، وما كان من كل كلام علماء السنة من التحذير عنه، فسأل عنه من الكرابيسي؟ قيل: إنه رجل أحدث قولا لم يتقدمه أحد، قال قولا غريبا». حينها أمره بأن يلزم بيته، فلزمه حتى مات، ضربت له الإقامة الجبرية، فجلس في بيته حتى مات. ما ذكر ذلك ابن الجوزي في المناقب. هذا إخواني خلاصة هذه الفتنة التي مرت، وهي فتنة الكرابيسي، وكيف أنه أدخل عقله في هذا الباب، كما قال ابن حبان رحمه الله تعالى: «قال: ولكن أفسده - أي أفسد علمه - بقلة عقله». فقال: «سبحان من رفع من شاء بالعلم اليسير حتى صار على ما يقتدى به، ووضع من شاء مع العلم الكثير حتى صار لا يلتفت إليه». فعن كأن معنا الكرابيسي كان ممن آتاه علما غزيرا، لكن سقط، وذلك لمخالفته لمنهج السلف. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكرا.