الخط التاريخي لظهور البدع  9

الخط التاريخي لظهور البدع 9

الدرس في الخط التاريخي لظهور البدع 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في فتنة خلق القرآن وتعريف بالإمام أحمد بن حنبل

يتناول المقطع تعامل الإمام أحمد بن حنبل مع فتنة خلق القرآن في عهد المأمون والمعتصم، حيث تعرض للتعذيب والسجن لرفضه القول بخلق القرآن. ثبت الإمام أحمد على موقفه رغم التهديدات والضغوط.

تفاصيل المحنة والمعاناة التي تعرض لها الإمام أحمد بن حنبل

تعرض الإمام أحمد بن حنبل لمحنة شديدة على يد المعتصم بسبب رفضه القول بخلق القرآن، حيث تعرض للضرب والجلد والسجن لفترة طويلة. ثبت الإمام أحمد على موقفه ولم يتنازل عن عقيدته.

مرحلة الواثق والمتوكل ونهاية فتنة خلق القرآن

تشدد الواثق في إلزام الناس بقول خلق القرآن وقتل من خالفوه، بينما أفرج المتوكل عن المسجونين بسبب رفضهم القول بخلق القرآن وأزال آثار الفتنة. كشف الله الغمة عن الأمة وأزاح الظلمة عن قلوب أهل السنة.

موقف المتوكل من فتنة خلق القرآن وإنهائها

غير المتوكل سياسته وأكرم الإمام أحمد وعزل ابن أبي دؤاد ونصب يحيى بن أكثم قاضي القضاة، مما أدى إلى ارتفاع السنة وعودة الأمور إلى مسارها الصحيح. بهذا الإجراء، انتهت الفتنة وارتفعت السنة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، ذكرنا إخواني في الله ما يتعلق بهذه الفترة ما بين عامي مئة وخمسين إلى مئتين وأربع وثلاثين من البدع، وخاصة من نشوء المعتزلة وظهورها، وكيف أن الأمر استفحل عندما وصل الأمر إلى الولاة وإلى من بيده زمام الأمور أن يكون مدافعا منافعا عن البدعة وأهلها. ماذا الذي حصل في هذه الفترة؟ ذكرنا ما يتعلق بهذه المسألة وما كان من تأثير المبتدعة كأمثال من أبي دعاد وبشر من ريسي إلى إضلال ولاة الأمور في هذه الفترة. وهذا المجلس إخواني في الله نذكر كيف تعامل أهل السنة والجماعة مع هذه الفتنة الدهماء الشنعاء. سأقتصر بالحديث عن إمام من أئمة أهل السنة، ضرب لنا أروع الأمثلة في الثبات حتى خرج من هذه الفتنة بلقب إمام أهل السنة، وأعني به الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله رحمة واسعة، ممن عاصر وعايش هذه الفتنة مع تتابع ولاة الأمور عليها. نبتدأ في ذكر قصة الإمام أحمد في تعامله مع هذه البدعة، مع أن ولاة الأمور في صفها في زمن المأمون، كما ذكرنا عندما اعتنق وهو أول من اعتنق هذه البدعة، وإلا من كان قبله ما كان أحد منهم يقول بها حتى أتى المأمون واعتنقها. وكان في بداية أمره لا يلزم الناس حتى في آخر عمره بدى له أن يلزم الغير، فكتب المأمون إلى واليه في أرض بغداد وهو إسحاق بن إبراهيم بن مصعب الخزاعي، أرسل إليه بأن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن. فقام إسحاق بن إبراهيم الخزاعي فكتب إلى علماء بلده وأخبرهم بأمر المأمون فوافقوا، وذلك خوفا من بطشه، أقروا بالقول بخلق القرآن لكن بطرف ألسنتهم، لكن امتنع أربعة من الموافقة: الإمام أحمد، ومحمد بن نوح، والقواريري، والحسن بن حمد الملقب بالسجاد، امتنع الأربعة عن القول. فقام إسحاق والي بغداد فأمر بالأربعة أن يوثقوا بالحديد ويوضعوا في الحبس. وفي اليوم الثاني استدعاهم وأعاد لهم خطاب المأمون، حينها أقر القوارير والسجاد، أقروا فأطلقهم الوالي، اذهب. أما أحمد ومحمد بن نوح فأصرا على الامتناع، فأرجعهم إلى الحبس أياما، أبقاهم أياما، ثم أمر المأمون أن يحمل إليه هؤلاء أن يحملوا إلى دار السلطان، فحملوا مقيدين. يقول أبو جعفر الأنباري رحمه الله: قال لما حمل أحمد إلى المأمون عبرت الفرات فجئته وسلمت عليه، فقلت له: أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق كثير، وأنت الآن إن لم تقتل فستموت، فاتق الله ولا تجب. قال فبكى أحمد وقال: ما شاء الله، أعد عليه. وفي أثناء طريقهم وابتحركوا من بغداد إلى دار السلطان محمد بن نوح والإمام أحمد، وفي أثناء طريقهم إلى دار السلطان جاء رجل وقال: البشرى، لقد مات الرجل يعني المأمون. لأنه كما قلنا المأمون في آخر عمره تبنى هذا المذهب، وفي آخره أيضا هو الحين أصر، ولما أصر أولا ثم أصر، لكن في آخر حياته مات المأمون، وكان الإمام أحمد يدعو الله أن لا يرى المأمون، فاستجاب الله لدعاء فما رأى. فبقي أحمد محبوسا في الرقة لأن الوالي مات، ما وصل الطريق حتى بويع للمعتصم بعد موت أخيه المأمون، فرد أحمد إلى بغداد، ارجع من حيث أتيت. وكان رجوعهم في منطقة سمعانة، وهناك توفى محمد بن نوح زميله الذي معه، توفى، فحين فك قيده وصل عليه أحمد ودفنه، وكان يثني عليه ثناء عطرا، لأنهم ممن ثبت في هذه الفتنة، كل الناس قد قالوا خوفا وهيبة إلا ما كان محمد بن نوح. ثم وصل أحمد إلى بغداد، رجع من حيث أتى، وكان مقيدا عند ولي إسحاق بن إبراهيم، وتم إدخال أحمد إلى الحبس، وكان الحبس ضيقا وهو مقيد ولا ينفك عنه أبدا إلا وقت الصلاة والنوم. ومع هذا كان الوالي يرسل إليه في سجنه من يناظره، من يناظره كأمثال أحمد بن رباح وأبو شعيب الحجاج، وكانوا لا يصلون مع أحمد بنتيجة. فإذا قام دعي بالقيود فصارت في رجله، وبعد ذلك أمر المعتصم من إسحاق أن يرسل أحمد إليه، الآن أريده. فقام إسحاق باستدعاء أحمد، قال: يا أحمد، إنها والله نفسك، وإنه لا يقتلك بالسيف، إنه قد آل على نفسه أي السلطان المعتصم انتبه منه، إنه قد آل على نفسه إن لم تجبه أن يضربك، ضربا بعد ضرب، هل أنتبه هذه فرصة معك، ارجع، وإلا ستذهب إلى المعتصم، وسنجب منه ما هو أعظم من الموت، التعذيب والتنكيل. لكن أحمد رحمه الله تعالى على ما كان من أمره، ثم أخرج من السجن، وجئ له بدابة ليركبها، فركبها، إلا أن أحمد رحمه الله تعالى كان يقول: فكدت غير مرة أن أخر على وجهي لثقل القيود، أحاديد أغلال كبل بها في رجليه وفي قدميه ويديه، حتى نوكاد يسقط من شدة ثقل القيود التي عليه رحمه الله. واصل المسير أحمد حتى دخل على المعتصم، وكان المعتصم جالسا على كرسيه، وعنده أحمد بن أبي دؤاد وجمع كثير من أصحابه، فأمر به المعتصم أن يدنوا منه، أدنوا. فلما دنا تكلم تكلم أحمد وذكر المعتصم بعدة أحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. حتى قال المعتصم: لولا أني وجدتك في يد من قبلي ما عرضت إليك هذا المشكلة، أنت محبوس من من سبق، لو كان أمر بيدي ما عندي لك علاقة بهذا الأمر، الأمر ليس بيدي. لولا أني وجدتك في يد من قبلي ما عرضت لك. ثم قال: لي من معه ناظروه، كلموه. أول يوم منذ دخوله تمت المناظرة، فكلما تكلم منهم رجل رد عليه أحمد وأسكته، هو في الحجة. وهذا السنة لا أحد يدانيهم في الحجة، ومن ذا الذي يداني كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ فكان يرد على هذا ويرد على ذاك، وكان إذا أسكت رجل منهم قال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، هو والله ضل مظل مبتدع، يحرض الإمام عليه. وكان الأمير يقول: كلموه، ناظروه، ما لكم رجل مقيد لوحده، مقيد بالسلاسل، ما الذي يخوف؟ ردوا عليه، كلموه، ناظروه. وهكذا حتى إذا انقطعوا ما استطاع أحد أن يكسر حجة الإمام أحمد رحمه الله، حتى إذا انقطعوا قاله المعتصم: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فقال إمام أحمد: يا أمير المؤمنين، اعطوني شيئا من كتاب الله وسنة رسول حتى أقول به، حتى أقول به. وكان إمام أحمد ينظر من أبي دؤاد الضال المظل، كان إذا أقبل على أحمد لكي يكلمه كان أحمد ما يلتفت إليه، وإنما يشير بوجهه، لم يلتفت إليه. حتى قاله المعتصم: يا أحمد، ألا تكلم أبا عبد الله؟ فقال إمام أحمد: لست أعرفه من أهل العلم فأكلمه، ومن هو حتى أكلمه؟ فدل على ذلك أن أبا دؤاد ما كان من أهل العلم، ولم يكن محسوبا يوما منهم. قال: لست أعرفه من أهل العلم حتى أكلمه. وبعد ذلك أمر المعتصم بإرجاع أحمد إلى السجن، وليس هذا فقط، بل كان يرسل إليه من يناظره في السجن حتى المساء، حتى المساء. وكان هذا كله متى؟ في رمضان، في رمضان. وفي اليوم الثاني طبعا ألا أذكر اليوم الأول جاء على المناظرة ورجع، ومناظر في السجن إلى المساء. اليوم الثاني أدخل، وفي اليوم الثاني كان بالمثل، فتح باب المناظرة إلى الزوال، ثم رد إلى السجن. وفي اليوم الثالث دخل به إلى المجلس، فغاض بالناس وبحملة السيوف، ثم قام من يناظره ويرد عليهم. حتى قال المعتصم: خذوه واسحبوا واسحبوه، وخلعوا سيابه. فكانت هذه إيش معناها؟ أن الأيام الثلاثة الأولى ما كانت إلا مهلة لك يا أحمد، ما سنمسك بالتي هي أحسن، نرجع. اليوم الأول، اليوم الثاني، اليوم الثالث ما راجعت، حينها أمر بضربه. فأمر بأن تخلع عنه ثيابه وتبقى عليه السراويل، قال: فخلعوا ثيابه وأبقوا السراويل، وجلس المعتصم وربط أحمد بخشبتين يكون الرجل بينهما، خشب هنا وخشب هنا، ثم يمتد إلى الخشبتين ويكون الرجل بينهما، تجهيزا لضربه. قال: وربط أحمد بخشبتين يكون الرجل بينهما. وخيل إن المعتصم لان دخله شيء من اللين والرفق لما يرى من شدة على الرجل، ما يستحق هذا كله، فلانا لأحمد. لكن ابن أبي دؤاد يستفزه، انتبه لا لا ترحم، ماذا صاحب فتنة؟ ولا زال يحرض المعتصم على الإمام أحمد. فجئ بالسياط وجئ بالجلادين، فيتقدم رجل فيضربه بصوتين، ثم يأتي بآخر رجل بكامل قوته يضرب، الصوت الأول والثاني بكل قوة، الثاني كذلك بقوته، ليس بتاعب، كلهم بقوته، يأتي ويضرب الإمام أحمد بصياط. الصوت الواحد يشق الجلد، الآن الصوت إخواني في الله ليس بالأمر السهل، لو ضربت به شق الجلد. فضرب الإمام أحمد من قبل هؤلاء الرجال، وكان المعتصم يقول: شد، قطع الله يدك، يأمر الجلادين بالشدة في الضرب على رجل ضعيف. قال: شد، قطع الله يدك. ولا يزال هكذا حتى ضرب بسبعة عشر سوطا. قال: فقام إليه المعتصم، قال: يا أحمد، أتقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق، ارجع، يكفيك، إلى متى ستحمل هذا الضرب في سبيل ماذا؟ قل هوا انتهى الأمر، إني عليك لشفيق. وكان إمام أحمد لا يزيح عن قوله: أعطوني شيئا من كتاب الله وسنة رسوله، هذا طلبه فقط. أرجع، لماذا بدليل كتاب الله وسنة؟ أعطوني شيئا فقط أفر به، أجعله عقيدة أتعبد الله به. أما ما عندكم شيء لا، المسلم إخوانا في الله لا يتنازل عن عقيدته ولا يتنازل عن دينه ومنهجه. فرجع المعتصم بعدما سمع هذا الكلام من إمام أحمد، وأمر الجلادين بأن يكملوا حتى أغمي عليه رحمه الله من شدة الضر. ثم رد إلى السجن، وكان إمام أحمد في سجن يعقلى له الطعام فيرفضه، لأنه كان صائما، مع هذا العذاب والنكال والأذى كان صائما رحمه الله تعالى، لنكمل في رمضان ما أفطر. قال: ثم يؤتى به ويجلد، وهكذا استمر الضرب عليه وهو في ثبات. قال الذهبي رحمه الله تعالى: حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه، ثبت بن عمد الله عز وجل. وكان المعتصم لما يرى من قوة أحمد وثباته يلوم نفسه، فقال يوما لابن أبي دؤاد: لقد ارتكبت إثما في أمر هذا الرجل. فقال ابن أبي دؤاد: إنه الله كافر مشرك، أعوذ بالله من أهل البدع، أعوذ بالله من أهل الضلال، حقد وكراهية واستمات على بدعة ما أنزل الله بها من سلطان. فوصل أي المعتصم إلى مكان مسدود، ما استطاع علمه يضرب ويضرب ويضرب، وتدوم الأيام والليالي والأسابيع، والإمام أحمد علمه أم علمه وهو علمه عليه، فما استطاع أن يفعل المعتصم شيئا في أمر هذا الرجل. فحينها جاء من جاء وأشار إلى الأمير أن يقتله ويتخلص منه، ويتخلص منه، وانتهى أمره. وكان نسيا منسيا، إلا أن بعضا قال: لا، انتبه، لا تقتله، إن قتلته في داره فسيعلم الناس أنه مات على أمر ثبات، وسيتخذونه إماما، انتبه، تستعجل تقتله، أمر ليس قتل، ويزهق نفسه، الأمر ما بعد ذلك، الناس سيعظمون أمر أحمد، مما به ثبت، مما به قتل في سبيل قضيته، فيستمسك الناس به. حينها وجد ومنه من شاور إليه أن يتركه يطلق سراحه، ولا يجعل الناس يجتمعون إليه، فإن مات لعل نسي يقولون أن أحمد إنما خرج من السجن لأنه قال بخلق القرآن، فإذا مات مات سره معه، فينخدع الناس. وهذا الذي ذهب إليه المعتصم أن يطلق سراحه، ما استطاع أن يفعل معه شيء، لأن ضرب ينفع معه، ولأن القتل يأتي بجدوى، فأطلق سراحه بعد الذي صار. فأخرج أحمد من السجن بعد فترة دامت ثمان وعشرين شهرا، فهذه الفترة التي دام فيها أحمد مغلولا ومقيدا بالسلاسل والأغلال رحمه الله تعالى، ثمان وعشرين شهرا. وما يتعلق بقصة خروجه له شأن وله التفاصيل، لكن ما نعرج على قضية الخروج وما كان من أمرها. لكن نأتي إلى أن أرجع إلى بيته لكي يتداوى، سيتداوى مما أبتلي به، ضرب، جلد، سلخ في جلده. فأرجع إلى بيته ليتداوى، وكان يستلقي منكبا على وجه، ما يستطيع، والوجه قد تشقق رحمه الله تعالى. وكان من يداوي يحكي عن شدة معاناة أحمد، فمنه من يذكر أن اليد لربما تدخل في جراحاته، اليد تغوص بالظهر، الظهر تقطع كما نعبرها، فدح، فدح كبيرة مفتوح للجروح، لربما يد الجراح تدخل داخل إلى ظهر، تغوص من شدة الشققات في ظهره رحمه الله تعالى. ومنهم من يذكر أن بعض الجلد قد تلف، جلد قد تلف، فكان التداوي يقص من ظهره رحمه الله تعالى، يقص الجانب من الجلد الذي تلف. ناهيك عن الكفين، إن خلعتا من شدة الربط، ربط مع ضرب، إن خلعت الكف كان بلا عظم، جدا إخواني في الله، نسمع نحن كما يقال: فدت لإمام أحمد ما لا تصور، ما الذي صار لهذا الرجل الإمام؟ نسأل ليس بالهينة إخواني في الله، أمر عظيم ما وقف إلاه. لكن العلماء ما استطاعوا لعلمهم ببطشه ما سيصلوا إليه، لكن إمام أحمد رحمه الله تعالى أثابر وصبر، فجلس أحمد في بيته ما يخرج للتداوي حتى برئ، فكان يخرج للجمعة والجماعة. وفي أثناء هذه الفترة مات المعتصم، مات المعتصم. لكن هل انتهت الفتنة؟ أتى بعد ذلك الواثق، كما قلنا الخلفاء الثلاث: المأمون والمعتصم والواثق، الثلاثة على هذا الرأي، ثم كان الخليفة ابنه، والواثق ابن المعتصم، فأحيا هذه المسألة وأمر بها، وقتل من قتل من العلماء، ومر معنا. وكان متشدد الواثق، كان شديدا في إلزام الناس بخلق القرآن، حتى أنه كان يأمر باختبار وامتحان القواد والجنود، وقواد الجيوش، من لم يقل بخلق القرآن تضرب عنقه، ولو كان أكبر وزير، كان يعظم من شأن هذه المسألة البدعية. وصل به الأمر ليس فقط إلى العامة وأصحاب الجند، بل كذلك إلى أهل العلم، قتل منهم الكثير، فقتل من قتل من العلماء، كما فعل بأحمد بن نصر الخزاعي من أئمة السنة رحمه الله، حيث امتحانه بهذه المسألة، فأبى أن يقول بخلق القرآن، فأجلسه على النطع، النطع هو المكان الذي يجهز تضربه العنق حتى لا يتلطخ الفرش مثل الجلد إذا قطعت الرقبة أو الدم، يسير على هذا النطع فلا يبل به الفرش. ومكان الذي يجازيه الملك، فأمر بالنطع فأجلس عليه وهو مقيد، وأمر بشد رأسه بحبل، أمر بشد رأسه بحبل، وأمر أن يمدوه بباقي القدم، تمد ينظر الجسم ممدود يكون، الرأس بحبل والجسم يمد عن طريق الحرس. قال: وأمر أن يمدوه، ومشى إليه الواثق بنفسه، ما أمر الحرس، كان الواثق يتقرب إلى الله بقتل أهل السنة، لغضب استحكام البدع في قلبه. قال: ومشى فمشى إليه، فضرب عنقه وقتله، بل وأمر بحمل رأسه إلى بغداد، فجعلها تذكارا، قيل أن رأسه في مكان وجسده في مكان، أصبح معلقا على الأسوار، يجعلها عبرة، عبرة لباقي أهل السنة، هذا إمامكم، هذا الذي يكون له لمن كان على مثل ما كان من إيباء، ومن لم يقل بخلقه. هذا الواثق دخل عهده في زمن الإمام أحمد، وكان القضاء كذلك على هذا الأمر يظهرون ذلك، طبعا والكثير من الناس كما قلنا ما كانوا يقولون عقيدة، وإنما خوفا، ما الذي سيفعل؟ هذا نهاية أمرهم، قطع الرقاب، قطع الأرزاق. ومرة معنا كما من عبارة شيخ الإسلام: ما يقع من العظيم النكال الذي سيحل في حق كل من أبى القول بخلق القرآن، حتى أن الناس اجتمعوا عند الإمام أحمد من أهل العلم ومن القضاء ومن من هو على دين الإسلام المتمسك بالعقيدة الصحيحة، عندما رأوا أن الأمر فشى وتفاقم. فجاءوا يماعي الإمام أحمد وقالوا: إن الأمر فشى وتفاقم، وذكروا أيضا أن ابن أبي دؤاد أمر المعلمين أن يعلموا الصبيان حتى الصبيان في الكتاب يعلمونه، يعلمونه بخلق القرآن، إنكار الصفات، وأن الله ما يتكلم، وأن القرآن هو عبارة عن خلق من خلق الله أوجده الله في هواء أوجده الله في صدر جبريل، ثم سمعه جبريل فألغوا إلى محاك، أما أن الله يتكلم القرآن لا، القرآن ليس بكلام الله، في القرآن مخلوق، هذه العقيدة. وصل الأمر إلى أبي دؤاد أنه يأمر المعلمين أن يعلموها للصبيان، الأمر تفاقم فوق الحد، فوق المتصور، هكذا المبتدع إذا أصبح المبتدع ينتصر لبدعته كما نرى في الميل حوثة، عندما آلت إليهم الأمور وصلوا إلى مناهج التربية والتعليم، وأصبح يقررون الرفض في الوزارات والأماكن التي تحت أيديهم. وهكذا المبتدع سرعان ما ينشر بدعته ويستميت عليها ولو فعل ما فعل في سبيلها. وهكذا ابن أبي دؤاد، حينها قال الناس لإمام أحمد: إنا لا نرضى بولايته إلى هذا الحد، خلاص ما يمكن أن نصبر على الواثق. فقال الإمام أحمد وأمرهم بالصبر، أرادوا منه الخروج ونصبر، نحن معك، رؤل أما ومن كان معنا سلجتمع، ولا خروج عليه، الخروج التغيير بين قوسين، ثورة، ثورة لا، ما عند أهل السنة، هذا صبر، أمرهم بالصبر رحمه الله تعالى. ثم قام إسحاق بن إبراهيم وهو الوالي على بغداد، لأن إمام أحمد بعدما أطلق المعتصم سراحه ورجع إلى بلاده في بغداد، جلس في بغداد يتداوى يتعالج في بلده. فقام الوالي إسحاق بن إبراهيم قد مر معنا، أرسل رسالة لإمام أحمد في زمن الواثق، رسالة أرسلها ليلا فيها يخبره بأن الأمير وهو الواثق يقول لك: إن الأمير، إن أمير المؤمنين هذا كلام إبراهيم إسحاق يخبره بمفادة رسالة الواثق له. إن أمير المؤمنين قد ذكرك فلا يجتمعن إليك أحد، ما يسمى بالإقامة الجامعية، ما يزار، تنقطع عنه جميع الاجتماعات، لا يجتمع مع أحد، ولا يأتي إليه أحد. قال: إن أمير المؤمنين ذكرك فلا يجتمعن إليك أحد، ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها، فاذهب حيث شئت من أرض الله، لا تبقى عندي، ولا تبقى في بلدي، أن تعني بجواري، لا تساكن، اذهب، اغرب عن وجهي. فقام إمام أحمد رحمه الله تعالى واختفى بقية حياة الواثق، اختفى، وما ظهر أيضا، وقيل أنه أصبح مختفيا في بيته لا يخرج لا إلى صلاة ولا إلى غيرها، حتى لا يواجه بطش الأمير، ثم يزج به في السجون. وبقي على ذلك الحال حتى مات الواثق. ومر معنا في عبارة ابن كثير السالفة أن الواثق لم تدم خلافته إلا سنوات قليلة، وعرج ابن كثير بأن هكذا هي حياة وأيام الظلم والفساد والبدعة قصيرة قليلة، فهلك الواثق. نأتي الآن للخليفة الذي بعد الواثق، من هو؟ بعد موت الواثق حضر جماعة من الأعيان والكبراء من أهل الحل والعقد، وعزموا على بيعة محمد بن الواثق ابنه، الواثق خلف أتوا بابنه، وكان غلاما أمردا قصيرا. فلما ألبسوه لباس السلطان اختلفوا فيما بينهم حول كفاءته للخلافة، وخاصة مع قصر قامته وصغر عمره، كيف بلاد عظيمة، بلاد عظيمة مترامية الأطراف نوليها لهذا قصير القامة في هيئته، صغير العمر في سنه؟ اختلفوا فيه. ثم أحضر المتوكل، والمتوكل أخو الواثق، أخوه، ومحمد ابنه أولا نصبوا الابن، لكن رأوا أن الابن ليس بكفأ للخلافة، ثم استدعي المتوكل، فرأوه كفأة، عنده كفاءة وكفاءة للخلافة. قال: فبايعوه، وكان عمره حين ستة وعشرين سنة، عمره المتوكل كان عمره ستة وعشرين سنة، واسمه جعفر بن محمد بن هارون الرشيد. ما هي أعمال المتوكل؟ المتوكل إخواني في الله كانت نعمة من الله، أزال الله جل وعلا به الغمة، كان من أهم أعماله أنه أطلق جميع من في السجون ممن امتنع من القول بخلق القرآن في أيام أبيه، أي وحد أطلق سراحهم، تهمته ما قال بي خلق القرآن، لا، هذا ما هو تهمة، يفرج عنهم. فأفرج عن جميع المسجونين، وأمر بإنزال جثة أحمد بن نصر الخزاعي الذي نصبها الواثق، أمر بها أن تنزل وأن تدفع إلى أقربائه، فدفنت. وفيها غضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد، سبحان الله هذا البدعي المتزلف الذي أغرى وأضل الكثير من ولاة الأمور، إن عكست الآية في أيام المتوكل، أخرجه من مركزه من وزارته، وصادر أمواله، أمواله التي كان امتلكها كلها خرج عنها، صادرها. بل وأمر بحبس بعض إخوانه، فلا زال حتى دفع الكثير من ماله، دفع الكثير حتى أصبح معدما، خزي الدنيا قبل الآخرة. بل وكتب المتوكل بالمنع عن الكلام في مسألة القول بخلق القرآن، لا أحد يتكلم بهذا المسألة، ولا أحد يخوض فيها، ولا أحد يزم الناس بها. وأمر الناس أن لا يستدل أحد إلا بالكتاب والسنة لا غير. ثم أظهر إكرام الإمام أحمد واستدعاه من بغداد فأكرمه وأجله. وبهذا يقول ابن كثير رحمه الله: وارتفعت السنة جدا، وظهرت السنة، ورجعت الأمور إلى ما كانت عليه من ارتفاع هامات أهل السنة بأشخاصهم بأفكارهم بأعيانهم، ظهرت الأمور، ما كان من فتنة هو خروج عن المسار الصحيح، خروج، ثم رجعت المياه إلى مجاريها. وارتفعت السنة جدا في أيام المتوكل، وكان قد عزل ابن أبي دؤاد ونصب يحيى بن أكثم قاضي القضاة في يومها، وهو من أئمة السنة ومن علماء الناس ومن المعظمين لأهل الحديث واتباع الأثر، تخير ينقل بالوزارة من رجل مبتدع ضال إلى رجل من خيار الناس من أهل السنة، فنغلبت الموازين وتغيرت الأمور. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى معلقا: ثم إن الله كشف الغمة عن الأمة في ظل خلافة المتوكل، أزاح الله تلكم الظلمة التي جثت على قلوب أهل السنة حينا من الدهر بخلافة المتوكل. يقول ابن كثير رحمه الله تعالى عن المتوكل: وكان من خيار الخلفاء، لأنه أحسن الصنيع لأهل السنة. إلى هنا نكتفي إخوانا في الله، وهذا خلاصة من يذكر من موقف أهل السنة من هذه الفتنة الملتمة. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.