الدرس في الخط التاريخي لظهور البدع 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل المرحلة الرابعة من تاريخ الأمة الإسلامية، حيث ازدادت الفتن وتأثر الفكر الإسلامي بالمعتزلة وكتب الفلسفة، خاصة في عهد المأمون. ازداد تأثير هذه الأفكار إلى حد فرض فكرة خلق القرآن على الناس.
يتناول هذا الفصل فترة الفتنة الكبيرة التي حدثت في عصر المأمون والمعتصم والواثق، حيث اعتنقوا القول بخلق القرآن وفرضوه بالقوة على الناس، مما أدى إلى قتل وتنكيل بأهل السنة. استمرت هذه الفتنة لسنوات عديدة.
يبرز هذا الفصل دور بشر المريسي في نشر بدع المعتزلة وتأثيره على المأمون ليدعو إلى فتنة خلق القرآن وتعطيل الصفات. كان له تأثير كبير في تلك الفترة رغم أنه كان من أهل الورع والزهد.
يختتم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويؤكد على قدرة الله، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع الاعتراف بقدرة الله وطلب نعمته.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، إن شاء الله، أخواني في الله، في هذه الدقائق وفي هذا المقام نتذاكر وإياكم ما يتعلق بالفترة الرابعة، وهي من المراحل التي مرت بها الأمة، حيث عم فيها الخطب وكثرت فيها الفتن، والتي بالإمكان أن تحدد بين عامي 150 من الهجرة إلى 232، 150 إلى 232 من الهجرة. وسنرى معا السر في ختم هذه المرحلة بهذا العام. هذه المرحلة، إخواني في الله، تميزت بعدة أمور، منها تداخل البدع بعضها ببعض. تلاحظون في المرحلة الثانية ظهرت لنا فرق، بعضها كردة فعل لأسباب معادية، لأسباب سياسية، ظهرت لنا فرق لأسباب ما كهيئات. وفي المرحلة التي بعدها ظهرت لنا أفكار من التعطيل ومن التشبيه ومن التمثيل. ظهرت لنا أفكار في هذه المرحلة التي نحن الآن بصددها، أصبح هناك دمج، أصبحت كل فرقة تبحث لها عن مذهب، تبحث لها عن مذهب تجعلها لها دين تتعبد الله جل وعلا به. فالمعتزلة اعتنقت مذهب القدرية، وأخذت شيئا من الجهمية. فهذا شأن المعتزلة، والمرجئة قابلوا مذهب الجبر، وأن الإنسان مجبور. وأما الشيعة فقد تبنت وتبنت مذهب التجسيم والتمثيل. فهذه خلاصة الفرق، وهي رؤوس الفرق الأربع، وهم الخوارج والروافض والمعتزلة والمرجئة. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «أما تعيين الفرق الهالكة، تعيين الفرق الهالكة، فأقدم من بلغنا أنه تكلم في تضليلهم يوسف بن أصباط، ثم عبد الله بن المبارك، قالوا: أصول البدع أربعة: الروافض والخوارج والقدرية والمرجئة». أيضا مما يذكر في هذه الفترة، إخواني في الله، نشوء وتطور المعتزلة. المعتزلة ظهر أمرها، نمت نموا عظيما، انتشرت وانتشارا كبيرا، وذلك من خلال الكتب التي قام المأمون والخليفة حينها بترجمتها وإدخالها في بلاد المسلمين. انتشرت هذه الكتب، كتب الكلام والفلسفة، انتشرت في زمن المأمون، فانبرى لها المعتزلة، فأخذوها وأخذوا ما فيها قراءة وتدريسا وإقرارا بما فيها. يقول إمام الشهرستاني رحمه الله تعالى: «ثم طالع شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة، كتب الفلاسفة حين نشرت أيام المأمون، فخلطت مناهجها بمناهج الكلام». تأتي مسألة: ولماذا أدخل المأمون وكيف أدخل كتب الفلاسفة إلى بلاد المسلمين؟ ما كان عندنا فيلسوف أصلا. ما كان عندنا إلا علم الشريعة، القرآن والسنة، وعلم الناس العقيدة والتوحيد والفقه، هذا الذي ينفعهم يتعلمونه. وهذا الذي كتب وصطر في بلاد المسلمين. من أين جاءت كتب الفلاسفة؟ تقول القصة: أن المأمون سمع أن عند النصارى كتب اليونان، سمع بها، فطلبها. هذه الكتب من باب الفضول، وأن ينظر في باقي العلوم التي عند اليونان، وخاصة وأنه تأثر بمذهب المعتزلة، فكان يعظم العقل والكلام، فطالبها. فقيل أنه أرسل إلى صاحب جزيرة قبرص، وهم من ملوك النصارى، راسله وأرسل إليه وطلب منه أن يرسل إلينا بكتب اليونان التي عندكم. قام الأمير، وهو ملك القبرص، جمع خواصه من ذوي العقل والحجا، واستشارهم في طلب المأمون: ماذا تقولون في طلبه؟ فكلهم أشار إليه بعدم الإرسال، كالنعمان، هذا علومنا، هذا تراثنا، هذا علوم آبائنا وأجدادنا، كيف نرسل؟ أولئك أبوا كلهم أبوا ذلك إلا رجل واحد، وهم من أساقفتهم، ومن كبرائهم ممن حضر المجلس، فقال: جهزها إليهم. طلب من أميره أن يرسل الكتب الفلاسفة إلى أهل الإسلام، قال: جهزها إليهم، فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها. وهذه القصة ذكرها المقريزي رحمه الله تعالى في الخطط، والصيوط في تاريخ الخلفاء. انظر لهذا الدهاء، كلهم أنفوا إلا هذا الرجل، له نظر بعيد، علم شؤم هذه الكتب، كتب الفلسفة واليونان، ما تأتي إلا بالشك، ما تأتي إلا بالحيرة. قال: أرسلها إليهم، ما لنا بها حاجة، كانت موجودة عندهم في الخزائن، ما أحد يطلع عليها لخطورتها أصلا، أغلقوا عليها الأبواب. قال: أرسلها، دعهم يأخذون من هذه الكتب، قال: فإنها ما دخلت على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها. فقام الملك وأرسلها، فقام المأمون وأتمن المترجمين يترجمون ما في الكتب إلى اللغة العربية، فانتشرت كتب الفلسفة في عهده. حينها نشطت المعتزلة، لأنهم يرون أنفسهم بأنهم هم أهل العقل وأهل الفكر، فعظموا الكلام على حساب العلوم الشرعية. في هذه الفترة، إخواني في الله، وفي هذه الفترة التي عم فيها البلاء وانتشار كل علوم الكلام، وانبرى المعتزلة لذلك، تأثر المأمون بالمعتزلة، لأنه هو في الساحة، هو معجب بهذه الكتب، يرى من الذي أعجبها، يرى المعتزلة، فكان يقربهم. فتأثر المأمون بفكر المعتزلة، وأخذ بما يدورون حوله، ومما كانوا يدورون حوله البدع، من نفي الصفات، وخاصة القول بخلق القرآن. تأثر المأمون بهذه الفكرة، فاعتنقها. وهنا المصيبة أن تجد من بيده الأمور من الحكام والأمراء يعتنق بدعة وعقيدة فاسدة، كيف ستسير الأمور؟ اعتنق المأمون القول بخلق القرآن، طبعا هذه مسألة القول بخلق القرآن قديمة، أبوه هارون الرشيد، أبو المأمون، هارون الرشيد، قد علم بمسألة القول بخلق القرآن، علم بها وحذر منها، وحذر منها الجميع، كان على عقيدة السلف، لا يخرجون عنها. إلا ما كان من أمر المأمون، خرجت الأمور عن مسارها. مما يذكر أن المأمون اعتنق هذه الفكرة في آخر حياته، في آخر سنوات قبل موته، اعتنق هذه الفكرة، قيل في سنة المائتين واثني عشر للهجرة، اعتنق مبدأ القول بخلق القرآن، لكنه كما يذكر عنه، ما صمم وما ألزم الناس بها، ما وصل أمره إلا لشخصه لنفسه، وما ألزم الناس بأن يعتنقوا فكرة القول بخلق القرآن. وما هي إلا سنوات حتى في سنة المائتين وسبع عشرة، مات بسبب مرض ألم به، ثم مات. جاء بعده أخوه المعتصم، أخو المأمون، واعتنق المعتصم مبدأ القول بخلق القرآن، قيل للوصية، أن المأمون أوصاه بأن يأخذ هذه العقيدة، فهي عقيدة صحيحة، مع أن المعتصم لم يكن بذاك العلم كالمأمون المطلع والذي يقرأ، إلا أنه أخذ هذه الفكرة، وشدد، وشدد المعتصم في مسألة القول بخلق القرآن، حتى أنه امتحن الناس بها، وعمت الفتنة العظيمة في بلاد المسلمين. كان هذا من فعل المعتصم، والذي أثر عليه كثيرا كذلك علماء السوء الذين توصلوا حتى جلسوا بجواره، كأمثال أحمد بن أبي دؤاد، استطاع أن يصل وأصبح بجوار المعتصم، وهو كان من أغلظ الناس ومن أشد الناس على أهل السنة، فكان هو جليسه، فلا زال بالمعتصم حتى فعل الأفاعيل بأهل السنة من قتل ومن تنكيل بهم. بقي المعتصم في عام مئتين وسبعة وعشرين، عدة سنوات، ثم مات. جاء بعده ابنه الواثق، الواثق ابن المعتصم، وسار على سيرة أبيه، وهي القول بخلق القرآن، ليس هذا فحسب، بل كان من أشد الناس تعصبا لهذه الفكرة، ومن أشد الناس إيقاعا بالسيف على أمة محمد عليه الصلاة والسلام، إلزاما بأن يعتنقوا بهذه الفكرة. قال الخطيب رحمه الله تعالى: «وكان ابن أبي دؤاد قد استولى عليه، وحمله على التشديد في المحنة، ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن». لكن لم تنب سوى سنوات قليلة حتى مات، خمس سنوات فقط، دامت مع الواثق في شدته على المسلمين سنوات قليلة، ثم مات. قال ابن كثير رحمه الله تعالى معلقا على وفاة الواثق: «وهكذا وهكذا أيام الظلم والفساد والبدع قليلة قصيرة». هذه، أخواني في الله، المرحلة التي تمت في هذه المرحلة الزمنية، تتابع ولاة الأمور على البدع الغليظة، من نفي الصفات، ومنها القول بخلق القرآن، حاكم بعد حاكم، المأمون، المعتصم، الواثق، فعل فيه الأفاعيل الذي ما ينفك هذا المقام أن أستطرد بعظيم ما فعل، لكن أكتفي بعبارة لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى. قال شيخ الإسلام رحمه الله، قال: «وصار كل من وافقهم، أي المعتزلة، على هذا التعطيل، عصموا دمه وماله، وولوه الولايات، وأعطوه الرزق من بيت المال». يقول: «وصار كل من وافقهم، أي المعتزلة، على هذا التعطيل، عصموا دمه وماله، وولوه الولايات، وأعطوه الرزق من بيت المال، وقبلوا شهادته، وافتدوه من الأسر». أسير، تقول: بخلق لا، والله لا نامت أعين الجبناء، أخرجوه، أعطوا أموال الكفار حتى يخرج هذا الأسير، إذا كان يقول بقولنا. قال: «وافتدوه من الأسر، ومن لم يوافقهم على أن القرآن مخلوق، قتلوه أو حبسوه أو ضربوه أو منعوه من العطايا من بيت المال، ولم يولوه ولاية، ولم يقبلوا منه شهادة، ولم يفدوه من الكفار». هذا من أعظم المصائب، من أعظم المصائب. كان الواثق، الواثق، الواثق، إذا كان هناك حرب بين الكفار ومن المسلمين، وكان هناك تبادل الأسر، ينتظر الواثق، يقول: أرسل من في السجون الكفار، احتن الناس: ما الذي يقول؟ الأسر؟ فمن رأى من الأسر يقول بخلق القرآن، افتوه، أيتوه، ومن لم يوافقه، يبقيه في أسر الكفار. بدعة شنعاء، صلعاء، كما قال ابن كثير رحمه الله: شنيعة عظيمة. كان الولاء والبراء على هذه المسألة، يبقى الأسير في يد الكفار حتى يقول: بل. الواثق أن يجمع رؤساء الثغور، من كبار القوات، يجمعهم على ماذا؟ على هذه مسألة: كل من لم يقل بخلق القرآن، وكل من لم يقل بخلق القرآن، قال: تضرب عنقه. فخرج أربعة من القوات، مرضوا بهذا، أمر بضرب أعناقهم، إلا أن يتوبوا. ولا وبراء، تخيل في هذا المنظر كيف يكون حال الناس؟ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ضربوه أو منعوه العطايا من بيت المال، ولم يولوه ولاية، ولم يقبلوا منه شهادة، ولم يفدوه من الكفار». فدامت هذه المحنة على المسلمين بضع عشرة سنة، في أواخر خلافة المأمون، وخلافة أخيه المعتصم، والواثق ابن المعتصم. هذه مراحل سوداء التي مرت على أمة محمد عليه الصلاة والسلام، الحديث عنها يطول، لكن هنا نتكلم عن رجل، وعن شخصية ظهرت في هذه الفترة، وكانت هذه الشخصية من أعظم من أثر على الرأس، وهو المأمون، جعله يعتنق القول بخلق القرآن. من هو؟ بشر المريسي. بشر المريسي، من هو بشر المريسي؟ قالت: ذهب عنه، قال: هو المتكلم المناظر البارع، أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريم العدوي. بشر بن غياث، يذكر في أول مرحلته، كان على ملازمة لأهل العلم، ملازم لأهل العلم. قال ابن كثير: «وقد كان هذا الرجل ينظر أولا في شيء من الفقه، أخذ عن أبي يوسف القاضي، وروى الحديث عنه، وعن حماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، وغيرهم، له نشاط علمي، روى الحديث، وأخذ الفقه من علمائه». وأيضا كان على جانب من الورع والزهد. يقول الصميري رحمه الله تعالى: «كان من أهل الورع والزهد». كان على ذلك، لكن هذا في أول حياة الرجل، لكن ما دام هذا الخير ما دام أبدا. وإنما إن سلخ منه، خرج عن هذا العلم الذي آتاه الله، واستبدله بالكفر، وخرج عن العبادة والتعبد الذي آتاه الله، بالجرأة على الله جل في علاه. وكان من أعظم أسباب انحراف بشر، التعمق في علم الكلام. في هذه الفترة، انتشت كتب الفلاسفة، وعم البلاء على الناس. بشر ممن كان يتعمق في النظر في علم الكلام الذي أتيح بزمنه، فنظر فيه ونظر فيه حتى شذ بأقوال غريبة. وكان هذا محل سخط الناس عنه. يقول الذهبي رحمه الله تعالى: «نظر في الكلام فغلب عليه، وانسلخ من الورع والتقى». هذا سببه النظر في علم الكلام. قال: «ونظر في الكلام فغلب عليه، وانسلخ من العلم، الورع والتقى، حتى إن الناس هم الذين ابتعدوا عنه، لما رأوه سلك هذا المسلك». يقول الصميري رحمه الله تعالى: «وكان من أهل الورع والزهد، غير أن الناس رغبوا عنه في ذلك الزمان، لاشتهاره بعلم الكلام وخوضه في علم الكلام، رغب الناس عنه، تركوه». وإلا كان محب الناس، يحبونه، منشغلا بالعلم، منشغلا بالعبادة، يذكرهم بدين الله. لكن لما قلب هذا الأمر قلبا، قلب الناس عليه، فانقلب الناس عليه، فرغبوا عنه. وكان بشر من أعظم الشخصيات الذي أثرت عليه، هو جهم بن صفوان، الذي مر معنا قريبا، وما كان من بدعه، وما كان من هلاكه. جهم بن صفوان هو الذي كان يعظمه بشر أيما تعظيم، تبنى أقواله، أخذ أقواله الذي أتى به. قال الذهبي رحمه الله: «لم يدرك جهم بن صفوان معنا بشر، ما أدركه». ما استطاع يلتقي به، قال الذهبي: «لم يدرك جهم بن صفوان، بل تلقف مقالاته من أتباعه، من طلاب جهم الذين لا زالوا في البلاد، أخذ عنهم بشر مذهب جهم بن صفوان». وليس أخذه كأي طالب، بل أخذ عن طلابه حتى أصبح هو الرئيس عليهم، هو زعيمهم. أصبحت نهاية هذه الفرقة تأول إلى جهم، إلى من؟ إلى بشر المريسي. قال الذهبي رحمه الله تعالى: «حتى كان عين الجهمية في عصره، وعالمهم، هو الرأس». معنى: كان متأخرا، لكن من شغفه لهذه المحدثات والبدع الضالة الذي تلقفها، حتى أصبح يدندن حولها، فأصبح رأسا من رؤوسهم. نأتي الآن إلى ما ذكرناه سلفا: كيف استطاع بشر أن يؤثر في المأمون؟ بشر المريسي كان يقول بخلق القرآن، وكان ظهوره في زمن هارون الرشيد. ظهر في زمن هارون الرشيد، لما علم هارون الرشيد بامر بشر المريسي بخلق القرآن، ماذا قال هارون؟ قال: «لئن ظفرت به لأضربن عنقه». كانوا على الجادة، الولاة والأمراء. فهرب بشر من هذا التهديد، هربا واختفا، وما ظهر إلا عندما ظهر المأمون في الولاية. ظهر بشر حينها، قام المأمون وقرب بشر، وجعله من الحاشية. وهنا جاءت المصائب على أهل الإسلام، فأخذ المأمون ينادي بما ينادي به المعتزلة، وبما يقول به بشر المريسي. قال صاحب كتاب العبر في خبر من غبر: «أول حتى ممن صرح بأن بشر هو الذي أثر على المأمون». ما ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى، قال: «وهو بشر بن غياث المريسي، المتكلم، شيخ المعتزلة، وأحد من أضل المأمون». أضله حتى جعله يدعو إلى البدع، من الأسباب كذلك الذي دعت بشر إلى الانحراف، أصله وفصله، من أين؟ أصوله يهودية، فقد كان أبوه يهوديا. ولعل هذا السبب في أن، كما قيل: العرق دساس، العرق دساس، فلا زالت سلالة اليهودية ودماؤهم تجري في بشر، فظهرت هذه النبضات اليهودية في أقواله ومقالاته، بل حتى في شكله، كما سيأتي معنى من أقوال العلماء. ففي لسان الميزان، قال أبو النظر الهاشمي بن قاسم: «كان والد بشر المريسي يهوديا، قصارا صباغا». والد يهودي، لا إشكال في يهودية أبيه. وليس أبوه أي يهودي هنا المشكلة، ليس أبوه أي يهودي، بل كان أبوه من أخبث اليهود، من أخبثهم. فعن إسحاق بن إبراهيم رحمه الله تعالى يقول: «مررت في الطريق، فإذا بشر المريسي والناس عليه مجتمعون، بشر ورأس، والناس حوله». قال: فمر يهودي، قال: فقال: «لا يفسد عليكم كتابكم كما أفسد أبوه علينا التوراة». انتبهوا من هذا الشبل، هذا الشبل من ذاك الأسد، أبوه هو الذي أفسد علينا التوراة، وابنه سيفسد عليكم كتابكم. قال: «فأنا سمعته يقول: لا يفسد عليكم كتابكم كما أفسد أبوه علينا التوراة». ولهذا كان العلماء يذكرون أن المقالات الخبيثة التي أتى بها بشر، إنما كانت من أصوله. يقول المروذي رحمه الله تعالى: «سمعت أبا عبد الله، الإمام أحمد، وقد ذكر المريسي، فقال: كان أبوه يهوديا، أي شيء تراه يكون؟ عن أيش توضع؟ يعني رجل أبوه يهودي، إيش تتوقع من سيخلف لنا؟ سيخلف من أمثال بشر». فالعرق دساس. بل حتى، إخواني في الله، حتى أن ملامح بشر، ملامحه كانت باقية فيه، ملامح اليهود، ظاهرة عليه. يقول صالح بن أحمد بن عبد الله العجلي: «حدثني أبي، قال: رأيت بشر المريسي مرة واحدة، شيخا قصيرا، ذميما المنظر، وسخ الثياب، وافر الشعب، أشبه شيء باليهود». سبحان الله، أشبه شيء باليهود. فلا زالت هذه الآثار، ليس فقط في أفكاره، بل كان كذلك باقيا حتى في منظره، سافرا بمنظره. إخواني في الله، طبعا بشر المريسي أتى بطوامع عظيمة وعظيمة، منها القول بخلق القرآن، ومنها كذلك تعطيل الصفات، وجحودها، وإلغائها، وينكر أن يكون في السماء شيء، أنكر علو الله سبحانه وتعالى. ولدخول الوقت، صعب أن نذكر ما جاء من بدعه، وإلا هي كثيرة وعظيمة، لكن إن شاء الله في درس غد نكمل ما تبقى، وخاصة سننظر كيف قام أهل السنة إزاء هذه البدع العظيمة. وكما قلنا في هذه الفترة، تغير المسار، إذ أن الأئمة هم الذين مسكوا زمام الأمور، بسيف البدعة، ألقي القبض على أئمة السنة، زج بهم في السجون، قطعت الرقاب برقاب أهل السنة. كأن تقص الرقاب، تقص الرقاب، لربما جاء بإمام، فشد الحبل برقبته، ثم يسحب، ثم يقطع رأسه، ولربما علقت في الجسور رؤوس العلماء من أهل السنة، من الأئمة، فتنة عظيمة جدا، حضرها من حضرها، وفر منها من فر. سأتي معنا إن شاء الله في درس غد، كيف تعامل أهل السنة مع هذه الفتنة المدلهمة، سواء ما كان مع كبارهم من أمراء وحكام، أو من كان من رؤوسهم المبتدعة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفع بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.