الدرس في آثار وآداب الصيام 6، ألقاها
درس اليوم يتناول أثر شهر رمضان في الإقبال على القرآن، حيث نزل القرآن في هذا الشهر العظيم. شهر رمضان صار فضيلا بإنزال القرآن فيه.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدارس القرآن مع جبريل عليه السلام في رمضان، وهذا يدل على أهمية القرآن في هذا الشهر. القرآن يشفع لصاحبه يوم القيامة ويكون رفيقا للمؤمن.
يُشدد على أهمية تعلق المسلم بالقرآن وتدبره والعمل به خلال شهر رمضان، ويُنبه إلى هجر القرآن وأنواعه. يُشجع على قراءة القرآن وحفظه والعمل به في هذا الشهر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا العبد ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعثه الله عز وجل بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وكشف الله عز وجل به الغمة، ولم يمتق الله عز وجل حتى أقام به الملة العوجاء، تركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نطرق في هذا الدرس أيضا أثرا من آثار هذا الشهر العظيم، لكن هذا الأثر أثر عظيم جدا. وقبل أن نبدأ أردت أن ننبه على درس أمس، سبق لساني في كلام في مسألة الفرح، فقلت وفرحت عائشة رضي الله عنها بتوبتها، وهذا خطأ مني، وأستغفر الله عز وجل، وقد نبهني بعض الإخوة في ذلك، وهو سبق لسان، على فرحة رضي الله عنها ببراءتها، برأها الله عز وجل من فوق سبع سماوات، برأها الله عز وجل بما اتهمها به بعض المنافقين وتبعهم بعض المسلمين. وهذه البراءة التي برأها الله عز وجل هي في القرآن تتلى إلى يوم القيامة، وهذه حجة على الروافض أخزاهم الله، على الروافض أخزاهم الله، وهي دليل صريح على كفرهم، وأنهم لا يمدون للإسلام بشيء، وأنهم مكذبون للقرآن، فهم يتكلمون على هذه المرأة الطاهرة العفيفة، بل جعلوا الكلام على عائشة رضي الله عنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأحب أزواجه عنده، جعلوا الكلام عليها من دينهم، وهذا يدل على كفرهم وتكذيبهم للقرآن. ولو وضعت أيضا الأشياء التي عندهم غير هذه من الشرك بالأموات وغيره، فتجد كل أو أشياء كثيرة ثبتت كفر هؤلاء، وأنهم ليسوا من أهل الإسلام أبدا، ولهذا صرح كثير من أهل العلم من السلف وأيضا كذلك من الخلف، بل بعضهم ذكره إجماعا على تكفير الروافض، وأنهم ليسوا من أهل الإسلام، بل هي أمة من شر الأمم وأخبثها، بل هم أعداء هذا الدين، معنا أشد عدو لهذا الدين هم الروافض، بل هم أشد أعداء للدين من اليهود والنصارى. فلهذا عباد الله، فأردت أن ننبه على هذا التنبيه. وعما درسنا اليوم، فهو في أن القرآن أو أن شهر رمضان هو شهر القرآن، شهر القرآن. ولو أردت أن تحقق، فنقول إن رمضان هو أثر من أثر القرآن، شهر رمضان أثر من آثار شهر القرآن، لكن أيضا من آثار هذا الشهر العظيم الإقبال على هذا الكتاب العظيم، الإقبال على هذا الكتاب العظيم، لأن رمضان رفعه الله عز وجل وفضله على سائر الشهور بإنزال القرآن فيه، بإنزال القرآن فيه. وهذا القرآن بركة، بركة ما كان فيه شيء إلا فضله، نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان أفضل الغسل، ونزل على هذه الأمة فكانت هذه الأمة أفضل الأمم، ونزل في شهر رمضان فكان شهر رمضان أفضل الشهور، وهكذا فهو بركة عظيمة أنزله الله عز وجل كتاب مبارك، أنزلناه أيضا هذا كما قلنا الإقبال على قراءة القرآن وعلى حفظه وعلى مدارسته وعلى أيضا العمل به. فهذا يكون ظاهرا في هذا الشهر العظيم، ونلتمس هذا من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن سيرة السلف، وكذلك من واقع أهل الإيمان وأهل القرآن، فتجد أن الله عز وجل كما ذكرنا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، فهذا الشهر أنزل الله عز وجل فيه القرآن. وجاء العبد العباس كما ذكرنا قبل أنه قال: أنزله إلى بيت العزة في ليلة القدر، ثم نزل منجما بحسب الحوادث مفرقا بحسب الحوادث. وقيل إن أول إنزاله كان في رمضان، لما جاء الملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الغار كان في رمضان، فلهذا أول ما نزل القرآن كان في شهر رمضان، وهذا أيضا قول له وجه. فالمهم أن الله عز وجل ذكر وأخبرنا أنه أنزل هذا القرآن في هذا الشهر العظيم، وصار هذا الشهر فضيلا بإنزال هذا القرآن. وكذلك أيضا مما يدل على أهمية مدارسة القرآن وقراءته والاهتمام به في هذا الشهر العظيم، ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من مدارسته للقرآن مع جبريل. فقد جاء روى لنا إمام محافظة الكوفة الإمام الشعبي رحمه الله، روى لنا رحمه الله عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم المرض، كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده، ولم تغادر منا أحد، قالت: فجاءت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تمشي، وكانت مشيتها كمشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم قال: مرحبا بابنتي، قالت عائشة: فجلست عنده يمينا أو شمالا، فأسر لها فبكت رضي الله عنها، ثم أسر لها فضحكت. فقالت عائشة: لم أر كاليوم ضحك مع بكاء، قالت: فسألتها ما الذي أبكاك لما أسر إليك النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا أفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: فلما قام أي قام من المرض وخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، قالت عائشة: فقلت لفاطمة ما أسر لك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بكيت ثم ضحكت؟ فقالت: لا أفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة: فقلت لفاطمة رضي الله عنها بحق عليك، أي أنها زوجة أبيها، بحق عليك أن لا تخبرتني بما أسر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على حرصها رضي الله عنها ليس من باب الفضول، وإنما من باب معرفة هذا الشيء الذي جعل فاطمة رضي الله عنها تبكي ثم بعد ذلك تضحك، وعلى شيء غريب وعلى في وقت واحد الإنسان يبكي ثم يضحك. فقالت لها: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جبريل يأتيه في كل سنة في رمضان يدارسه القرآن، وهذه السنة دارسه مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما أظن إلا أن أجلي قد قرب، فقد قرب، فاتق الله واصبري، يقول لابنته رضي الله عنها، يقول لها النبي صلى الله عليه وسلم: فاتق الله واصبري، فنعم السلف أنا لك، فنعم السلف أنا لك. فقالت: فبكيت، فقال لها صلى الله عليه وسلم: وأنت أقرب الناس أو قال أقرب أهلي لحوقا بي، أقرب أهلي لحوقا بي، ثم قال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة؟ قالت: فضحكت. فهذا الحديث يبين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيه جبريل ويدارسه القرآن في رمضان، في رمضان يدارسه مرة. ومعنى يدارسه: معنى يدرس معه. وجاء في رواية مسلم في حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال: كان جبريل يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعارضه القرآن. وجاء في رواية صحيح: يدارسه القرآن في رمضان في كل ليلة، ولما كان السنة التي توفي فيها عارضه القرآن مرتين، عاتره القرآن مرتين. ومعنى عارضه: أي عرض عليه، إما أن جبريل يعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن يقرأه، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على جبريل حتى يتأكد من القراءة، والمعارضة معروفة، عرض القرآن معناه قراءته. يقول: كما جاء عند ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد من طرق المجاهد: هذا صحيح أنه قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، يوقفه عند كل آية. فمعنى عرضت: أي قرأته عليه. وهكذا العرض عند أهل العلم من أهل الحديث، يعرضون الحديث على الشيخ يقرأ الحديث عند الشيخ والشيخ يستمع. فلهذا فالنبي صلى الله عليه وسلم عرض القرآن على جبريل، يعارضه القرآن، يعارضه القرآن. فهذا الحديث سواء كان حديث فاطمة أو حديث ابن عباس يدلنا على أن شهر رمضان اختص بمدارسة القرآن، اختصه النبي صلى الله عليه وسلم بمدارسة القرآن، وهذا إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاهتمام بهذا القرآن في هذا الشهر العظيم. والقرآن العظيم فضائله كثيرة جدا، قد لا نستطيع أن نحصر هذه الفضائل لكثرتها وأيضا لتفرقها. ولهذا ألف بعض العلماء بل كثير من هذا العلم ألفوا في فضائل القرآن، ألفوا مؤلفات في فضائل القرآن. وأول من ألف في فضائل القرآن هو الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى، ثم تلاه ابن الضريس، وثلاه أيضا كذلك الإمام أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن، وكذلك أيضا جعفر الفريابي وغيرهم كثير، ألفوا في فضائل القرآن. وألف أيضا من بعدهم في مسائل في القرآن وفضائله، وممن اشتهرت كتبهم في ذلك الإمام النووي رحمه الله التبيان، وكذلك الحافظ ابن كثير أيضا ألف كتاب في فضائل القرآن وذكر مسائل في القرآن. فلهذا كما قلنا إنه فضائله كثيرة ومتشعبة، وأعظم ما يكون من الفضائل أن هذا القرآن صديق للمؤمن لا يفارقه أبدا، لا يفارق المؤمن الذي يتعلق به والذي يقرأه ويحفظه ويعمل به. فإنه لا يفارقه، لعل في ذلك أحاديث كثيرة في هذا الأمر. أولا أن هذا القرآن يشفع للعبد يوم القيامة، فقد جاء في صحيح مسلم في حديث أبي أمامه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يؤتى القرآن يوم القيامة شفيعا لأصحابه». وكذلك أيضا جاء في حديث النواسي بن سمعان في صحيح مسلم أيضا قال: «يأتي القرآن يوم القيامة وأهله الذين يعملون به تقدمهم سورة البقرة وآل عمران». ثم قال: فذكر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشياء حفظها، قال: «كالغيايتان أو في رواية غمامتان أو ضلتان سودوان بينهما شرق»، معنى بينهما كأن هذا الظلة وهذا الظلة بينهما. أو كطير صواف، معنى تأتي كأنها تظل الشخص وعمله. وجاء أيضا في صحيح البخاري أن القرآن يأتي كالرجل الشاحب، يعني يجادل عن صاحبه، يجادل عن صاحبه. وكذلك يقول ابن مسعود جاء عنه بإسناد صحيح أن القرآن شافع مشفع وماحل مصدق ومراد ماحل: أي مجادل يجادل عن صاحبه يوم القيامة. فلهذا ينبغي علينا أننا نصحب هذا القرآن. وقد جاء في حديث أنس أن لله أهلين من الناس، فأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، أهل القرآن هم أهل الله وخاصته. وهذا يدل على عظمة القرآن عند الله جل وعلا، فلهذا جعل الله عز وجل وخير أفضل الناس عند الله عز وجل وجعلهم خاصته هم خاصة أهل القرآن. وكذلك أيضا جعل من تعلمه وعلمه هو من خيرة الناس وأفضلهم، كما جاء في صحيح البخاري عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وكذلك جاء في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيحب أحدكم أن يذهب إلى بطحان أو العقيق فيأتي له بناقة أو ناقتين كوما وين زهروين من غير إثم ولا قطيعة رحم؟» قالوا: كلنا يحب ذلك يا رسول الله، قال: «إذا جاء الرجل إلى المسجد فتعلم له آية من كتاب الله خير له من ناقة، وآيتين خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث أيضا». وجاء في حديث أبي هريرة في مسلم أنه قال: «أن يحب أحدكم أن يخلف له ثلاث خليفات سمان، أن يخلف له ثلاث خليفات سمان»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «يقرأ ثلاث آيات في صلاته». فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على تعلم القرآن وعلى قراءته، «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابك، تتقدمه سورة البقرة والعمران كالزهراوي أو تقدمه الزهراوي كالغنامتان أو غيايتان أو كالطير الصواف». وكذلك أيضا النبي صلى الله عليه وسلم حث على تعاهد القرآن ومراجعته، جاء في حديث مالك نافع عن ابن عمر في الصحيحين، وكذلك جاء من طريق الزهري عن سالم عن ابن عمر، وجاء كذلك أيضا من حديث أبي موسى في الصحيحين، وكذلك من حديث ابن عباس وغيره من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها»، أي مراجعة القرآن. وكما قلنا الأمر في ذلك واسع، لكن أردت أن نبين أمرا لعله يكون شاملا، وهو أن الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الفوائد ذكر في قول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، فذكر أن الهجر أنواع، وأن الهجر للقرآن أنواع. فهذا فقط من باب التنبيه، هجر الأول قال: هجر سماعه، أنه لا يسمع القرآن، سواء كان بقراءته أو بقراءة غيره، وهذا لا ينبغي من مسلم أن يهجر القرآن ويهجر قراءة القرآن. وهذا الشهر العظيم فرصة عظيمة في أن يتعلق الإنسان بالقرآن ويحب القرآن، لأن الإنسان إذا لم يحب القرآن فإنه يتفقد قلبه. كما ثبت عن الحسن بصري رحمه الله قال: تعاهد قلبك في ثلاثة أماكن: عند الصلاة، وعند قراءة القرآن، وعند ذكر الله جل وعلا، فإذا لم يطمئن قلبك فاعلم أنك لا قلب لك، أي أن قلبك ليس بحي، لأن حياة القلب بهذه الأمور، كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، فقال الشيخ الإسلام وغيره: أن الحياة هنا حياة القلب. فحياة القلب تكون بهذه الأشياء، وخاصة كتاب الله جل وعلا، وهو أعظم الأشياء التي يحيا بها القلب، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. فلهذا أولا كما ذكر الإمام ابن القيم: أول هجر هو هجر السماع، معنى لا يسمعه من نفسه ولا يسمعه من غيره، فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يسمعه من غيره. فقد جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي»، فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، قال: فقرأت عليه من سورة النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حسبك»، قال: فنظرت إليه فإذا عيناه تدرفان. فهذا النبي صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه القرآن، يسمعه من غيره. فالسماع سماع القرآن من غيره طيب، أولا من ناحية أنك تسمع القرآن، ومن ناحية أخرى أنك تتلقى القراءة الصحيحة من هذا الذي يقرأ. وأيضا كذلك فيه اطمئنان للقلب وتخشع للقلب. ولهذا كان عمر رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين، كان يقول لأبي موسى: اقرأ ويجمع ويجعل أبا موسى يقرأ القرآن وهم يستمعون لقراءة أبي موسى. بل النبي صلى الله عليه وسلم استمع لقراءة أبي موسى استمع لقراءة أبي موسى رضي الله عنه، وقال: «لو كنت أعلم أنك تسمع لحبرتها لك تحبيرا». وجاء في الصحيحين من عدة طرق عن أبي موسى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم على أبي موسى: «أنه أوتي مزمارا من مزامير آل داود». وكذلك أيضا في الصحيحين في حديث عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم تأخر مرة، فقلت له: أي لما جاء قالت عائشة له: من أين تأخرت؟ سمعت رجلا يقرأ في المسجد فرحمه الله، لقد ذكرني آية كذا وكذا. وسمع قراءة أيضا في الصحيحين سمع قراءة سالم مولى أبي حذيفة، فقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من مثل هذا». فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب سماع القرآن من غيره، لأنه في هذه الفوائد العظيمة. وكذلك الهجر أيضا هجر القرآن أيضا في تعليمه وتعلمه، في تعليمه تعليم القرآن، كما ذكرنا قبل في حديث عثمان: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وكذلك حتى النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة وغيره على تعلم آية من كتاب الله يتعلمها الإنسان، يأتي للمسجد يتعلم آية يتعلم حديث، فهذا خير عظيم يتلقاه العبد. فأيضا كذلك يحرص على قراءة معنى التعلم القرآن بالقراءة الصحيحة، القراءة التي أنزلها الله عز وجل. وكذلك كما قال الله عز وجل: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، معنى اقرأه قراءة صحيحة، ليس الترتيل الذي يذكره معنى أهل التجويد أو أهل القراءات، ذاك شيء آخر، إنما المراد الترتيل: هدى هو القراءة الصحيحة التي يظهر فيها الحروف، تظهر فيها الحروف صحيحة، معنى ما تكون حروف ناقصة أو فيها مثلا شيء من عدم الوضوح فيقرأ قراءة صحيحة وواضحة. وكانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم هكذا. وكذلك أيضا من الهجر قال: الهجر في عدم التحاكم إلى كتاب الله جل وعلا، عدم التحاكم إلى كتاب الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر عظيم قد قل في هذه الأزمان، تجد كثير من الناس أكثر ما يتحاكمون يتحاكمون إلى المحاكم أو إلى مشايخ القبائل أو إلى كذا، ولا يطلبون حكم القرآن، حكم الكتاب والسنة. والواجب على المسلم أنه يحتكم للكتاب والسنة، إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، فلا بد أن المؤمن يوضع نفسه على حكم الله، حكم القرآن، حكم السنة، يقول: أنا أريد حكم الكتاب والسنة، وأنا أدعو لذلك وأرضى بذلك، سواء كان من أهل العلم أو من قاضي أو من غيره، المهم أنه يحتكم إلى كتاب الله أو إلى سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ولا ينبغي أن يحتكم إلى شيء من أحكام البشر إلا أن كان من باب الصلح، فهذا باب واسع، ما في شيء، لكن يحتكم إلى أحكام معروفة وموجودة ومخالفة لكتاب الله، فهذا من حكم الجاهلية الذي ذكره الله عز وجل. فلهذا أيضا كذلك من الهجر: هجر العمل بكتاب الله وعدم الوقوف عند حلاله وحرامه، هذا أيضا ذكره الإمام ابن القيم من هجر. وهذه أيضا هذه الأمور التي ذكرها والأنواع التي ذكرها الإمام ابن القيم في هذا الكتاب، وإنما أردت التنبيه من باب أن هذه الأمور تحتاج إلى اهتمام. والقرآن كما قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، لا ينبغي لنا أن نهجر هذا الكتاب العظيم. فهذا الشهر عندنا فرصة عظيمة في قراءة وفي حفظه وفي المداومة أو التعاهد في الحفظ المراجعة، وكذلك أيضا العمل، فهذا القرآن هذا الشهر أيضا فيه العمل بالكتاب الله عز وجل، الناس سجدوا ينقادون إلى الكتاب والسنة، الحمد لله عز وجل، إقبال عظيم في هذه الأزمان، وإن كان أيضا إقبال على الشر، لكن أيضا هناك إقبال على الخير، وخاصة على الكتاب والسنة والعمل بهما والرضا بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فهذا شيء مما يذكر في هذا الباب، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم، الحمد لله.