الدرس في آثار وآداب الصيام 19، ألقاها
يتناول هذا الفصل مفهوم الشكر وأهميته في الإسلام، حيث يُعد الشكر صفة مهمة للمؤمنين ويكون بالقلب واللسان والجوارح. يُشير إلى أن الشكر هو مفتاح كلام أهل الجنة ويشمل الخضوع والمحبة والاعتراف بالنعم والثناء على الله والعمل الصالح.
يتناول هذا الفصل نماذج من الأنبياء الذين وصفهم الله بالشكر، مثل نوح وإبراهيم وموسى والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا يظهرون الشكر لله بالاعتراف بنعمه وطاعته.
يُشير هذا الفصل إلى أهمية منزلة الشكر في حياة المؤمن، حيث يكون الشكر باستخدام النعم في طاعة الله، ويُعد أعلى من الرضا عند المصائب. كما يشدد على أهمية شكر الله تعالى في ختام شهر رمضان على نعمه مثل التوفيق للصيام والقيام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نأخذ في هذه اللحظات امتدادا لدرسنا عن آثار شهر رمضان وآدابه، فنأخذ أثرا عظيما من آثار هذا الشهر، وهو صفة عظيمة لنصفه في الأنبياء، وكذلك في الأولياء، وفي أهل العبادة والطاعة لله سبحانه وتعالى، ألا وهي صفة الشكر لله سبحانه وتعالى. فربنا جل وعلا، بعدما ذكر آيات الصيام، قال جل وعلا: ﴿فَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فإذا أتممنا العدة، فيكون الشكر لله سبحانه وتعالى. والشكر لله عز وجل في هذا الشهر في أشياء كثيرة، فيشكر ربنا سبحانه وتعالى على ما منّ علينا أن أحيانا وأبقانا في هذا الشهر العظيم. وكذلك يشكر سبحانه وتعالى على ما أعطى سبحانه وتعالى في هذا الشهر من العطايا العظيمة، سواء كان من فتح أبواب الرحمات والجنة، وإغلاق النيران، وكذلك من تصفيد الشياطين، وكذلك أيضا من ما منّ الله عز وجل علينا في هذا الشهر من مغفرة الذنوب والعتق من النيران، وكذلك ما منّ الله عز وجل علينا في هذا الشهر من مضاعفة الأجور والحسنات، وأيضا غيرها من النعم الكثيرة التي تكون في هذا الشهر وفي غيره. ولهذا جعل الله عز وجل ختام هذا الشهر شكرا لله سبحانه وتعالى، ولأن الإيمان كما ذكر السلف على نصفين: نصف صبر ونصف شكر. فلهذا ألف الإمام القيم رحمه الله كتابا في هذا الأمر، أي في الصبر والشكر، نصفه تكلم فيه في الصبر، والنصف الآخر تكلم فيه في الشكر. فقال -من كلامه رحمه الله عليه- «أن الشكر مفتاح كلام أهل الجنة»، «أن الشكر مفتاح كلام أهل الجنة»، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، أو قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا وَأَقْرَبُ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. وأيضا قال الله عز وجل: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فيبتدئون كلامهم بالحمد، وينتهون كلامهم بالحمد لله سبحانه وتعالى، شكرا له جل وعلا على ما أوصلهم إلى تلك الجنات العظيمة والدار الكريمة التي أعدها الله عز وجل لعباده الصالحين. وصفة الشكر، عباد الله، صفة عظيمة، بل الله عز وجل جعل الإنسان إما شاكرا وإما كفورا، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. فالشكر المراد به هو اعتراف العبد بالنعمة لله جل وعلا، وكذلك العمل بما يكون ردا لهذه النعمة. فلهذا الشكر، ذكر الإمام ابن القيم أن له خمسة أركان: أولا الخضوع، خضوع الشاكر للمشكور، والاعتراف بنعمة الله عليه. والثاني: المحبة له، أن يحب هذا الذي أعطاه وأسدله. والثالث: الاعتراف بنعمته بقوله، الاعتراف في قلبه وكذلك في لسانه، أنه يعترف بهذه النعمة العظيمة التي أعطاه الله عز وجل له، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. والرابع: الثناء على الله عز وجل بالقول، وكذلك بالجوارح وبالقلب. والخامس: العمل بما يكون فيه مقابلة هذا الشكر، العمل بما يكون فيه مقابلة هذا الشكر. فلهذا قال العلماء: أن الشكر يكون بثلاثة أشياء: بالقلب، وباللسان، وبالجوارح. كما قال بعضهم: «أفادت النعمة منكم ثلاثة: يدي ولساني والضمير المحجم». فالشكر يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح. فيشكر الله عز وجل بقلبه، ويعترف بنعمة الله عز وجل، أن أعطاه هذه النعمة، ومنها أن أبقاه في هذا الشهر العظيم حتى تحصل على هذه الجوائز العظيمة في هذا الشهر. ثم يذكر ذلك بلسانه، شكرا لله وحمدا له سبحانه وتعالى. ومن ثم بعد ذلك يقابل هذا الشكر بنعمة الله، أو أقصد بطاعة الله سبحانه وتعالى. فمن شكر الله عز وجل أن العبد يقابل نعمة الله بطاعته. ولهذا تجد أن هذا المحك الذي يكون بين الناس، فالأصل أن الإنسان كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾، أي كافر بالنعمة، لا يعترف بنعمة غيره عليه. لكن هناك من عباد الله عز وجل من يشكر هذه النعمة، ويعترف بهذه النعمة، ويقابلها بما يكون شكرا لهذه النعمة. فلهذا كما قلنا هذا المحك الذي يكون بين الناس، فمن الناس بعد رمضان ينصرف إلى ما كان قد اعتاده مما لا يرضي الله عز وجل، يذهب إلى المعاصي والعياذ بالله، أو إلى أشياء أخرى. ومن الناس من يبقى في طاعة الله وشكره، أن وفقه الله عز وجل لصيام هذا الشهر، فيبقى على طاعة الله سبحانه وتعالى. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم، أو قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر». وهذا يعينه للشاكرين، يعينه للشاكرين حتى يقابلوا نعمة الله عز وجل بالطاعة، لا يقابلونها بالكفران، ويقابلونها بالجحود وعدم الطاعة لله سبحانه وتعالى. كثير من الناس، هداهم الله عز وجل، إذا خرج رمضان عاد إلى ما هو عليه، من مثل بعضهم -والعياذ بالله- يترك الصلاة، وهذا كفر. وبعضهم مثلا يتساهل في الصلاة، يتأخر عن الصلوات ويكسل عنها، ويصليها في آخر وقتها. وكذلك بعض الناس أيضا يتأخر عن الواجبات التي عليه من طاعة الله، من طاعة الوالدين، وكذلك صلة الأرحام، وكذلك غيرها من هذه الطاعات العظيمة التي جعلها الله عز وجل لأمر الله عز وجل به. فهذا شكر لله، تأدية الطاعات هي شكر لله. ويعرف الشاكر لله عز وجل إذا داوم على الطاعة، وأما إذا انتكس ورجع إلى ما هو عليه، فهذا ليس بشاكر، فهذا ليس بشاكر لله سبحانه وتعالى. فلهذا شكر عظيم، عباد الله، ووصف الله عز وجل به أنبياءه. فهذا نوح عليه الصلاة والسلام، أول رسول أرسله الله عز وجل، وصفه الله عز وجل بهذه الصفة، «إنه كان عبدا شكورا». وكذلك الخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال الله عز وجل عنه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُن مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، شاكرا لأنعمه. وكذلك أيضا الله عز وجل قال لموسى: ﴿يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾. وهذا نبينا الكريم صلوات الله وسلام عليه، جاء في الصحيحين عن زياد بن علاقة، عن مغيرة بن شعبة رضي الله عنه، أنه قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الليل حتى تورمت قدماه، فقيل له: تقوم أو تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا». وهذا أيضا جاء عن عائشة في الصحيحين، وكذلك عن أبي هريرة في السنن، وجاء أيضا عن عائشة من طريق أخرى، وجاء عن جمع من الصحابة فيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول هذا، وهو الشاكر عليه الصلاة والسلام، وهو من أشكر الناس لربه جل وعلا. وكان يقول: «أفلا أكون عبدا شكورا». وكان كذلك صلوات الله وسلام عليه، مع ما غفر الله عز وجل له من ذنبه، إلا أنه كان يجتهد اجتهادا عظيما عليه الصلاة والسلام. فالشكر أيضا، عباد الله، سمة لأهل الإيمان ولأهل الطاعة في كل نعمة من نعم الله عز وجل عليهم. ولهذا كما قلنا: أن الإيمان إما صبر وإما شكر. وقد جاء في صحيح مسلم، ما ذكره ابن أبي ليلى، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعد بن هشام بن عامر، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن». والشكر، عباد الله، منزلة عظيمة، حتى ذكر العلماء كالشيخ الإسلام ابن القيم وغيرهما، أن الشكر هو درجة عظيمة، أعظم حتى من الرضا في المصائب. الشكر يكون حتى في المصائب أحيانا، وهو أعلى الدرجات، وهو أن يعترف العبد بتقصيره لله جل وعلا، وأيضا يعترف بما أعطاه الله عز وجل من نعمة، وإن سلبه غيرها. فمثلا أن يكون مثلا الإنسان أعمى، فيقول: شكرا لله عز وجل، وإن أعمى بصري، لكن أعطاني الحواس الأخرى. أعطاني الحواس الأخرى أيضا. وكذلك من أخذ مثلا أو قطعت رجله، فيقول: الحمد لله عز وجل، فقد أعطاني يدين، وأعطاني لسانا أتكلم به، وغيرها من هذه النعم. فالشكر لله عز وجل بما أعطاه الله عز وجل هو أعظم من الرضا. فالرضا عند المصائب أولا يكون الصبر، صبر لله عز وجل، ثم الرضا. والرضا هو أن يطمئن العبد ويعلم أن هذا كله من الله سبحانه وتعالى، ويرضى بقضاء الله وقدر. ثم تأتي منزلة أخرى فوقه، وهو الشكر، أنه يشكر الله عز وجل على ما منّ عليه من النعم الأخرى. وما من إنسان إلا هو يتقلب في نعم الله سبحانه وتعالى. فلو سلبه الله عز وجل نعمة، أعطاه الله عز وجل غيرها. فلو مثلا سلبه المال، أعطاه الصحة. فلو سلبه مثلا الصحة، أعطاه مثلا مالا، أعطاه أشياء أخرى. فنعم الله عز وجل كثيرة، ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. وقد جاء أيضا في حديث عبيد الله بن محسن الخطمي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها». معنى من أخذ هذه النعم وشكر الله عز وجل لله سبحانه وتعالى، فهذا أمر عظيم، عنده الدنيا عنده، آمن وعنده صحة وعنده قوت يومه. من أصبح آمنا في سربه، أي في المكان الذي هو فيه، في بيته أو في المكان الذي يسكن فيه، آمنا في سربه، عنده آمن. وهذه نعمة عظيمة، امتن الله عز وجل عليها على قريش، كما قال الله عز وجل: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾. فالأمن، عباد الله، من أعظم النعم التي أنعم الله عز وجل على عباده. وكذلك صحة البدن، معافى في جسده، لا يستكين من أمراض التي تعوزه أو تعوقه عن طاعة الله جل وعلا، وعن الحركة. وكذلك عنده قوت يومه، فهذه كأن الدنيا اجتمعت عنده اجتمعت عنده. وهذا الراضي بالقضاء الله عز وجل، والقانع قد أفلح، ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فليعبد عباد الله ربهم في شكر الله سبحانه وتعالى، يكون بالاعتراف بالقلب، وكذلك بالتكلم باللسان، وكذلك أن يأتي بما يقابله من طاعة الله جل وعلا. فالله عز وجل مثلا أعطى الإنسان العقل، يستخدمه لطاعة الله. أعطاه العينين، يستخدمها لطاعة الله، هذا شكرها أيضا. أعطاه الأذن، يستخدمها لطاعة الله، فهذا شكرها. وهكذا. والناس يتفاوتون في هذا بين مقل ومستكثر، وبين رجل قد بلغ أوج الدرجات من شكر الله جل وعلا. ومنهم من هو قصّر جدا في شكر الله سبحانه وتعالى. فخلاصة الأمر كما قلنا: أن هذا الشكر جعله الله عز وجل في هذا الشهر، وخاصة في ختامه، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي أن هذه الأشياء تأتي بشكر الله جل وعلا. وأن العبد يشكر ربه جل و،الوفقه لصيام هذا الشهر، ولقيامه، ولأيضا طاعته لله سبحانه وتعالى، ولأن أبقاه حتى آخره، فهذا يشكر ربنا سبحانه وتعالى عليه جل وعلا. فهذا ما أردت أن أقوله، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.