الدرس في وصف الجنة من نونية ابن القيم 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يذكر ابن القيم أن طول أهل الجنة ستون ذراعاً على صورة آدم عليه السلام مستنداً إلى الصحيحين، بينما عرضهم سبعة أذرع ورد في حديث ضعيف فلم يجزم به العلماء. كما يصف حليهم وألوانهم بأنهم بيض البشرة، لا لحى، شعور جعد، وأعين مكحّلة دالة على كمال الحسن.
يستعرض المقطع أوصاف أهل الجنة الخَلقية مستنداً إلى قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ وحديث معاذ بن جبل، مبيناً أن وجوههم تبيض ويدخلون الجنة جرداً مرداً مكحلين جعدي الشعور بلا لحى. وينبه إلى أن إعفاء اللحية مطلوب في الدنيا فقط ولا ينافي وصفهم في الآخرة.
يناقش المقطع حديثاً ضعيفاً يفيد بأن لسان أهل الجنة هو العربية، موضحاً علل ضعفه برواة مغموزين وجواز ذكر الحديث الضعيف مع بيان ضعفه. ويستعرض ابن عثيمين قرائن ترجح أن لغة الجنة عربية منها نزول القرآن بالعربية وكون أتباع النبي أكثر أهل الجنة ملزمين بتعلم العربية.
يختم المؤلف البحث بذكر القرائن والتعليلات التي استند إليها أهل العلم في جواز كون لسان أهل الجنة عربياً، مع تفويض العلم لله تعالى. ويعلن الاكتفاء بما ذُكر مختتماً الكلام بالحمد لله.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال العلامة ابن القيم عليه رحمة الله في نونيته في وصف الجنة: قال: فصل في طول قامات أهل الجنة وعرضهم. قال: والطول طول أبيهم ستون، لكن عرضهم سبع بلا نقصان. الطول صح بغير شك في الصحيحين الذين هما لنا تمسان، والعرض لم نعرفه في إحداهما، لكن رواه أحمد الشيباني. هذا ولا يخفى التناسب بين هذا العرض والطول البديع الشأن، كل على مقدار صاحبه، وذا تقدير متقن صنعة الإنسان. قوله: والطول طول أبيهم ستون، أي أن أهل الجنة طولهم ستون ذراعاً، ستون ذراعاً على طول أبيهم آدم عليه السلام. وكما ذكر رحمه الله أن دليل ذلك ما جاء في الصحيحين، أي صحيح البخاري ومسلم، في قول النبي عليه الصلاة والسلام في ذكر أوصاف أهل الجنة: «على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعاً في السماء، ستون ذراعاً في السماء». هذا ورد في الصحيحين. وقوله: والعرض لم نعرفه في إحداهما، يعني دليل عرض أهل الجنة لم يأت في الصحيحين، إنما جاء في خارج الصحيحين في مسند الإمام أحمد. وهذا معنى قوله: لكن رواه أحمد الشيباني. وهذا الحديث فيه علي بن زيد بن جذعان، وحكم عليه العلماء بالضعف، ومنهم العلامة الألباني. هذه الزيادة حكم عليها بالضعف بسبب علي بن زيد بن جذعان. ولذلك أهل العلم لم يجزموا بعرض أهل الجنة لضعف الحديث، ويكون هذا من الأمر المسكوت عنه، فلا يثبت لأن حديثه لم يثبت، والله تعالى أعلم. ولكن كما هو معلوم، كما تقدم معنا في دروس ماضية، أن أهل الجنة يدخلون الجنة على أحسن هيئة، وعلى أجمل صورة، وعلى أحلى حلة وزينة، فلا شك أن عرضهم يتناسب مع هذا الطول، يتناسب مع هذا الطول، فقد يكون سبعة أذرع، وقد يكون أكثر من ذلك، والله تعالى أعلم. ثم قال ابن القيم عليه رحمة الله: فصل. قال: فصل في حليهم وألوانهم. قال: ألوانهم بيض، وليس لهم لحا، جعد الشعور، مكحل الأجفان. هذا كمال الحسن في أبشارهم وشعورهم، هذا كمال الحسن في أبشارهم وشعورهم، وكذلك العينان. قولوا: ألوانهم بيض، هذا دلت عليه الآية بقول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي في الجنة، في الجنة رحمة الله هي الجنة. فإذا ألوانهم بيض، وهذا أيضاً من الحسن والجمال، من الحسن والجمال. وليس لهم لحا، يعني لم يدخل الجنة بلحا، إنما بغير لحا. وهذا تقدم معنا حديث معاذ رضي الله تعالى عنه الذي رواه الإمام أحمد والترمذي، وحسنه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً مكحلين، أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة». فقوله مرداً، الأمرد هو الذي لم تنبت له لحية، لم تنبت له لحية، فيقال له أمرد. فإذا يدخلون الجنة بغير لحا. أما في هذه الدنيا، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أمر المؤمنين بإعفائها، أمر المؤمنين بإعفائها، وهي زينة لهم في هذه الدنيا. نعم، كما جاء صحت بذلك الأحاديث الكثيرة: «أعفوا اللحاء»، «أرخوا اللحاء»، وغير ذلك من الأحاديث الواردة في الصحيحين وفي خارج الصحيحين. أما أهل الجنة فليس لهم لحاء. جعد الشعور، بمعنى أنهم على أجمل أو على أحسن شعر يدخلون به الجنة، يدخلون به الجنة. وكان العرب أحسن شعورهم الجعد منه، أحسن شعورهم الجعد منه، وهو الذي لا يكون كشعور الفرس والروم، لا يكون كشعور الفرس والروم، إنما هو شعور العرب. كما أن بياضهم ليس كبياض الفرس والروم، فهو شعر متوسط، ليس بالأملس، وليس بالكذلك القوي المترادف، وإنما هو وسط. وهذا كانت خصلة محمودة عند العرب، خصلة محمودة عند العرب، أن يكون أحدهم ذا شعر أجعد، ذا شعر أجعد. فأهل الجنة كذلك جعد الشعور. وهذا مأخوذ كذلك من حديث صحيح، حسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله، وأنهم أي أهل الجنة جعد الشعور. وقوله: مكحل الأجفان، هذا أيضاً جاء في حديث معاذ المتقدم: مكحلين. وعرفنا ما معنى جرد: يدخل أهل الجنة، يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً. والجرد: غُلن، هو الذي لم ينبت له شعر في سائر جسده كاليَدين والساقين ونحو ذلك. فالجرد: الشعر الخاص بغير شعر اللحية، بغير شعر اللحية مما ينبت في جسد الإنسان. فأهل الجنة يدخلون بهذه الصورة وبهذه الزينة. ولذلك قال: هذا كمال الحسن في أبشارهم، في أبشارهم وشعورهم، وكذلك العينان. يعني هذه زينة أجسادهم وشعورهم، وهكذا أعينهم. ثم قال رحمه الله: فصل في لسان أهل الجنة، يعني بماذا يتكلم أهل الجنة، بأي لغة يتكلم أهل الجنة. قال: ولقد أتى أثر بأن لسانهم بالمنطق العربي خير لساني، لكن في إسناده نظر، ففيه راويان وما هما ثبتان، أعني العلا هو ابن عمر، ثم يحيى الأشعري، وذاني مغموزاني. يريد بهذا أنه جاء حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام بأن لسان أهل الجنة اللسان العربي، ولكن هذا الحديث لم يثبت، كما نبأ على ذلك في هذه الأبيات، كما نبأ على ذلك في هذه الأبيات، وذكر سبب ضعفه، فقال: لكن في إسناده نظر، يعني ضعف، وفيه راويان ضعيفان غير ثبتين، غير ثبتين. فذكر العلاء ابن عمر ويحيى الأشعري، ويحيى الأشعري فقد غمز فيهما العلماء، فلم يثبت هذا الحديث. وهذا فيه أن أهل العلم قد يستدلون بالحديث الضعيف مع التنبيه على ضعفه. قد يقول قائل: طالما أن الحديث ضعيف، فلماذا تذكرونه لنا، ولماذا كذلك يذكره ابن القيم في نونيته؟ فيقال: إذا ذكر الحديث مع بيان الضعف، فهذا لا شيء فيه، لأن العالم قد أخلى عهدته، أخلى عهدته من أن يذكر حديثاً ضعيفاً لأنه ذكر السبب، لأنه ذكر السبب. وقد يكون أيضاً ذكرهم للحديث الضعيف لأن معناه صحيح، لأن معناه صحيح، دلت عليه عمومات أو كذلك قرائن أو نحو هذا. ولذلك يقول ابن العثيمين عند شرحه لهذه الأبيات: وأن لسان أهل الجنة اللسان العربي، قال: هذا هو الظاهر والله أعلم، أن لسانهم هو اللسان العربي. هذا قاله ابن العثيمين. ثم علل، وذكر قرائن على ذلك، فقال: لأن أفضل الكتب باللغة العربية، لأن أفضل الكتب باللغة العربية وهو القرآن، وهو القرآن نزل باللسان العربي المبين، هذا تعليم. قال: ولأن، ولا يزال كلام ابن عثيمين عليه رحمة الله، قال: ولأن أتباع النبي عليه الصلاة والسلام أكثر أهل الجنة، كما تقدم معنا أنهم، أنهم ثلثا أهل الجنة. قال: ولأن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر أهل الجنة، وإن كان في أتباع النبي صلى الله عليه وسلم من ليس بعربي، لكن الواجب على غير العربي من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرف العربية، وهذا الغالب أن غير العربي إذا اعتنق الإسلام تعلم اللغة العربية حتى يفهم القرآن وحتى يفهم كلام العلماء. قال: لأنه لا بد أن يعرف معنى القرآن والسنة، وهذا لا يتأتى إلا بمعرفة اللغة العربية. هذه قرائن وتعليلات استأنس بها أهل العلم على أنه لا مانع من أن يكون اللسان في الجنة باللسان العربي، والله تعالى أعلم. نكتفي بهذا، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.