الدرس في وصف الجنة من نونية ابن القيم 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
أول زمرة تدخل الجنة تشرق وجوههم كالبدر ليلة الرابع عشر، لأنهم سبقوا في الإحسان والمسارعة إلى الطاعات في الدنيا. ويصف ابن القيم الزمرة الثانية بأن وجوههم كأضوأ كوكب، وأمشاطهم ذهب ورشحهم مسك خالص.
تتميز الزمرة الثانية بوجوه مضيئة كأضوأ كوكب، وهم درجة أدنى من الزمرة الأولى التي وجوهها كالبدر. ونعيمهم يشمل أمشاطاً من ذهب، ورشحاً من مسك خالص، وخلوهم من نقائص الدنيا، ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين.
يتفاضل أهل الجنة بحسب أعمالهم وإخلاصهم، ومن في الدرجات السفلى يرون من فوقهم كالكواكب رؤية عين. وهذه الدرجات العلا ليست مختصة بالأنبياء بل ينالها كل من آمن بالله وصدق المرسلين من الصديقين والمؤمنين الصادقين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، قال الإمام العلامة ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه النونية: فصل في صفة أول زمرة تدخل الجنة. وقوله "زمرة" لأنهم يحشرون إلى الجنة زمراً، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ﴾. فأول زمرة تدخل الجنة سيبين ابن القيم أوصافها في هذه الأبيات، فقال رحمه الله: هذا وأول زمرة **فوجوههم كالبدر ليلة الست بعد ثماني السابقون هم وقد كانوا هنا أيضاً أولي سبق إلى الإحسان فقوله: "هذا وأول زمرة فوجوههم كالبدر"، هنا شبه وجوههم بالبدر، لكنه في أحسن وأكمل ما يكون من الضياء والجمال، وهو في قوله: "ليلة الست بعد ثماني"، وهي ليلة الرابع عشر. القمر أو البدر ليلة الرابع عشر يكون فيها أكمل ما يكون من الحسن والجمال والنور. فوجوه أول زمرة في الحسن والبهاء كالبدر ليلة الست بعد ثماني. وابن القيم رحمه الله إنما أخذ هذه الأوصاف من الكتاب والسنة؛ لأنها أمور تتعلق بالغيب، فلا مجال للاجتهاد والرأي فيها، وإنما يؤخذ ذلك من النصوص الشرعية. فهذا الأمر جاء دليله في حديث أبي هريرة في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر»، وإنما يكون القمر بدراً في ليلة الرابع عشر، في ليلة الرابع عشر، ولذلك قال: "البدر ليلة الست بعد ثماني"، ست فوق ثماني يكون المجموع أربعة عشر. ثم بين أوصاف هؤلاء وما كانوا عليه في الدنيا، وكيف بلغوا هذه الرتبة وهذه المنزلة، إذ أنهم أول الناس دخولاً إلى الجنة، فقال: "السابقون هم وقد كانوا هنا أيضاً أولي سبق إلى الإحسان". يعني: السابقون إلى الجنة، لماذا سبقوا إلى الجنة؟ لأنهم كانوا هنا، أي في هذه الدنيا، أولي سبق إلى الإحسان، يعني: سباقون ومسارعون إلى الإحسان، إلى الأعمال الصالحة. نعم، فجزوا بهذه الكرامة، فسبقوا غيرهم في الآخرة. فالسبق في الآخرة يكون بحسب السبق في الدنيا، السبق في الآخرة يكون بحسب السبق في الدنيا. من كان سباقاً إلى الخيرات، مسارعاً إلى فعل الطاعات، كان في يوم القيامة من السابقين، وممن يحوز الدرجات العلا والنعيم المقيم. ثم قال رحمه الله في صفة الزمرة الثانية، الدفعة الثانية التي تدخل الجنة: "والزمرة الأخرى كأضوأ كوكب في الأفق تنظره به العينان، أمشاطهم ذهب ورشحهم فمسك خالص، يا ذلة الحرمان". الزمرة الثانية تكون وجوههم كأضوأ كوكب، يعني: أقل إضاءة من القمر ليلة البدر، أقل إضاءة ونوراً وضياءً من القمر ليلة البدر. هذه الزمرة الثانية إذن، قال: "والزمرة الأخرى كأضوأ كوكب في الأفق"، يعني: كأضوأ كوكب في السماء، تنظره بعينيك، تنظره بعينيك. وهذا أيضاً دليله ما جاء في حديث أبي هريرة السابق المتقدم، فقال عليه الصلاة والسلام بعدما ذكر وجوه الزمرة الأولى وأنها كالقمر ليلة البدر: «ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء، على أشد كوكب دري في السماء إضاءة». هكذا قال عليه الصلاة والسلام. وهؤلاء أقل منهم رتبة ومنزلة؛ لأن أهل الجنة درجات، وقد ذكرت هذه الدرجات في القرآن الكريم في سورة الواقعة، فذكر السابقون، السابقون، وذكر كذلك أصحاب اليمين، وهكذا في سورة الرحمن ذكر كذلك مراتب أهل الجنة، فذكر الجنة الأولى وأن نعيمها أعظم من الجنة الثانية، وهكذا. فأهل الجنة درجات، فتكون درجاتهم في الجنة بحسب أعمالهم، بحسب أعمالهم. وأما قوله: "أمشاطهم ذهب ورشحهم فمسك خالص، يا ذلة الحرمان"، فأمشاطهم يعني: ما يمشطون به شعورهم، فهذا المشط من ذهب، من ذهب، وهذا غاية في النعيم. ولذلك حرم هذا على أهل الدنيا، الذهب في لبسه للرجال، وفي كذلك استخدامه للطعام أو الترف والزينة للرجال، فهذا أيضاً مما حرم في شرع الله عز وجل في الدنيا. أما في الآخرة فإنهم يعطون هذا النعيم: أمشاطهم ذهب، ورشحهم فمسك. الرشح هو العرق الذي يخرج من أجسامهم، ليس فيه رائحة كريهة كحال ذلكم الرشح في الدنيا، إذا عرق الإنسان تنبعث منه الروائح الكريهة في هذه الدنيا. أما في الجنة فإن رشح أهلها مسك، مسك غاية في الرائحة الطيبة، خالص، ما فيه شيء من الأخلاط، ولا من الضعف في نفوذ الرائحة، ولا شيء من ذلك. ودليل ذلك أيضاً ما جاء في نفس حديث أبي هريرة، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يبولون -أي أهل الجنة- ولا يتغوطون، ولا يدفلون، ولا يمتخطون». كل هذه نقائص في الدنيا بالنسبة للإنسان، نقائص: البول والغائط هذه نجاسات، والتفل والمخاط هذه قاذورات يستقذرها الإنسان. فأهل الجنة ليس فيهم شيء من ذلك، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يدفلون، ولا يمتخطون. ثم قال: «أمشاطهم الذهب، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، عرقهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين» إلى آخر الحديث. وقوله: "يا ذلة الحرمان"، يعني: من حرم هذا النعيم فقد أذل نفسه وحرم نفسه حرماناً عظيماً، فلا ينبغي لعاقل أن يؤثر الأدنى على الأعلى، وأن يفرط في هذا النعيم المقيم، وفي هذه الأوصاف العظيمة، ولا يكون ذلك إلا بالاستقامة على دين الله، وأخذ الأسباب الموصلة إلى جنة الله سبحانه وتعالى. ثم قال ابن القيم عليه رحمة الله: فصل في تفاضل أهل الجنة في الدرجات العلا. أهل الجنة يتفاضلون بتفاضل أعمالهم وإخلاصهم ويقينهم وحسن ظنهم بربهم سبحانه وتعالى، فيتفاضلون في درجات الجنة. فقال ابن القيم: ويرى الذين بذيلها من فوقه **مثل الكواكب رؤية بعياني ماذاك مختصاً برسل الله **بل لهم وللصديق بالإيمان فمعنى قوله: "ويرى الذين بذيلها"، يعني: يرى الذين في أسفل الدرجات من هو فوقه في أعلى الدرجات، يرى ذلك مثل الكواكب، رؤية، رؤية بعياني، يعني: رؤية عين. ينظر الذي تحت فيرى من فوقه من أهل الجنة كالكواكب، كما يرفع الإنسان رأسه إلى السماء في هذه الدنيا فيرى الكواكب. فهكذا من هو أسفل الدرجات يرى من هو أعلى منه في الدرجة، يرى ذلك مثل الكواكب، رؤية بعياني. وهذه الدرجات لا تختص بالأنبياء، فهم صلوات الله وسلامه عليه من باب أولى ينالون هذه الدرجات العلا، ولكن لا تختص بهم، بل غيرهم من هذه الأمة من يصل إلى منازلهم. ولذلك قال: "ماذاك مختصاً برسل الله، بل لهم"، يعني: لهؤلاء الرسل، "وللصديق ذي الإيمان"، يعني: لمن آمن بالله وصدق المرسلين. وأخذ هذا ابن القيم كذلك مما ثبت في الصحيحين، بصحيح البخاري ومسلم، لما حدث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأنهم يتراءون أصحاب الغرف، يعني: أن كل صاحب منزله يرى صاحب المنزل الأخرى، كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق، كما يرى أحدهم الكوكب الذي فوقه، قال: «كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من بعده وصفاته»، يعني: ونوره، كما يرون الكوكب بأعينهم، رؤية عين، لا رؤية قلب، بل رؤية عين. فقال الصحابة: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، تلك منازل الأنبياء، لا يسكنها أو لا ينالها غيرهم. هذا يا رسول الله، لا تحدثنا بها من المنازل، هذه منازل الأنبياء، هذه منازل الأنبياء، ما ينالها وما يصل إليها غيرهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «بلى»، يعني: ليس الأمر كما قلتم، ثم قال: «والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين». أي: أن هناك من غير الأنبياء من يصل إلى هذه المنازل. فابن القيم، فابن القيم عليه رحمة الله، لخص هذا الحديث في هذه الأبيات، فقال: "ويرى الذين بذيلها من فوقهم"، بذيلها يعني: من هو أسفل، من هو أسفل، من فوقه صاحب الدرجة التي فوقه، مثل الكواكب، رؤية بعياني، يرى ذلك بعينيه، "ماذاك مختصاً برسل الله، بل لهم وللصديق للإيمان"، يعني: لمن صدق وآمن بالله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم