وصف الجنة من نونية ابن القيم  5

وصف الجنة من نونية ابن القيم 5

الدرس في وصف الجنة من نونية ابن القيم 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تحليل ابن القيم لمنازل أهل الجنة وتمييز الأحاديث الثابتة من الضعيفة

يستعرض ابن القيم في نونيته أعلى وأدنى منازل أهل الجنة، ويناقش الأدلة الواردة؛ فيبين أن حديث النظر إلى الله مرتين يومياً ورؤية الملك ألفي سنة حديث ضعيف لا يثبت، بينما حديث إعطاء آخر أهل الجنة عشرة أمثال ملك الدنيا ثابت في الصحيحين، ويشرع في ذكر حديث موسى الطويل عن أدنى أهل الجنة منزلة.

نعيم أدنى أهل الجنة ومقارنة ملك الدنيا الزائل

يُبيّن الحديث أن أدنى أهل الجنة يُعطى عشرة أمثال ملك ملوك الدنيا، مع أن نعيم الجنة دائم وكامل، بينما ملك الدنيا زائل وناقص. ويذكر ابن القيم أن سن أهل الجنة يكون ثلاثاً وثلاثين سنة، وهي قوة الشباب، سواء ماتوا صغاراً أو كباراً، ما عدا الولدان.

استقرار سن أهل الجنة على ثلاث وثلاثين سنة ووصف هيئتهم عند الدخول

يبيّن المقطع أن سن أهل الجنة يستقر على ثلاث وثلاثين سنة، مع توحيد الروايات بين الثلاثين وثلاث وثلاثين بحمل الأولى على جبر الكسر عند العرب، ويستثنى من ذلك الولدان المخلدون للخدمة. كما يصف حال الداخلين بأنهم جرد مرد مكحلون، في أكمل صورة وأجمل هيئة.

الدعاء بالخاتمة الحسنة وسؤال الله الجنة والقرب منها

يختتم المتحدث بدعاء الله أن يرزقه والمستمعين الجنة وما يقرب إليها من الأقوال والأعمال، ثم يعلن انتهاء الحديث.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال العلامة ابن القيم رحمه الله في نونيته: فصل في ذكر أعلى أهل الجنة منزلة وأدناهم. قال: هذا وأعلاهم فناظر ربه لكل يوم وقته الطرفان، لكن أدناهم وما فيهم دني، ليس في الجنات من نقصان، فهو الذي تلفى مسافة ملكه بسنيننا ألفان كاملتان، فيرى بها أقصاه حقاً مثل رؤيته لأدناه القريب الداني. أَوَمَا سَمِعْتَ بِأَنَّ آخِرَ أَهْلِهَا يُعْطِيهِ رَبُّ الْعَرْشِ ذُو الْغُفْرَانِ يُعْطِيهِ رَبُّ الْعَرْشِ ذُو الْغُفْرَانِ أَضْعَافَ دُنْيَانَا جَمِيعًا عَشَرَ أَمْثَالٍ لَهَا سُبْحَانَ ذِي الْإِحْسَانِ. وكما تقدم أن ابن القيم رحمه الله ما يذكر هذه الأوصاف إلا بدليل من الكتاب أو السنة، فاعتماده فيما ذكر في هذه الأبيات الأربعة: "هذا وأعلاهم فناظر ربه في كل يوم وقته الطرفان" إلى آخر هذه الأبيات الأربعة، دليل على ذلك ما جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفين سنة يرى أقصاه كما يرى أدنى، ينظر في أزواجه وسروره وخدمه، وإن أفضلهم منزلة لمن ينظر في وجه الله عز وجل كل يوم مرتين». هذا الحديث رواه الحاكم، ولكنه حديث لا يثبت، ضعفه العلامة الألباني عليه رحمة الله كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم خمسة وثمانين وتسعمائة وألف. فابن القيم اعتمد على هذا الحديث، وبعض هذه المعاني صحيحة، فثبت في الأحاديث الأخرى نظر المؤمنين إلى الرب سبحانه وتعالى، لكن هذه التفاصيل: أنه في كل يوم مرتين، أو كذلك أن الذي في الجنة يرى ملكه مسافة ألفين سنة، هذه التفاصيل لا تثبت. ولكن الله سبحانه وتعالى يعطي أهل الجنة من القوة، سواء كان في النظر أو كذلك في الأكل أو في الجماع، فيعطون قوة مئة رجل، يعطون قوة مئة رجل كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، فلا شك أن أهل الجنة يكون عندهم من قوة النظر ومسافة المسافة البعيدة في النظر، فهذا يؤخذ من عموم الأحاديث. أما هذه التفاصيل فإنها لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما قوله في آخر هذه الأبيات: أَوَمَا سَمِعْتَ بِأَنَّ آخِرَ أَهْلِهَا يُعْطِيهِ رَبُّ الْعَرْشِ ذُو الْغُفْرَانِ أَضْعَافَ دُنْيَانَا جَمِيعًا عَشَرَ أَمْثَالٍ لَهَا سُبْحَانَ ذِي الْإِحْسَانِ، هذا ورد في الصحيحين، في صحيح البخاري وكذلك في صحيح مسلم، أن آخر رجل يدخل الجنة يُعْطَى عَشْرَ أَمْثَالٍ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ هَذِهِ الدُّنْيَا، يُعْطَى عَشَرَ أَمْثَالٍ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ هَذِهِ الدُّنْيَا. ولا بأس أن نذكر هذا الحديث بطوله لما فيه من التفاصيل والفوائد، فاخترنا رواية الإمام مسلم من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «سئل موسى ربه» - حديث صحيح مسلم بهذا اللفظ - «سئل موسى عليه السلام ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ من أدنى أهل الجنة منزلة؟ أدناهم أقلهم منزلة. فقال: هو رجل يجيء بعدما...» يقول الرب سبحانه وتعالى لموسى: «هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة. يقال لهذا الرجل: ادخل الجنة، فيقول هذا الرجل: أي رب، كيف وقد نزل الناس منازلهم وآخذوا أخذاتهم؟». وفي رواية جاءت في الصحيحين أنه يخيل إليه أنها ملأى، يخيل إلى هذا الرجل أن الجنة ملأى، ما فيها متسع له، ما فيها متسع له، فيقول للرب سبحانه وتعالى لما يأمره بالدخول إلى الجنة: «أي رب، كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، كل واحد في موقعه وفي مكانه، وما بقي لموقع ولا مكان ولا منزل؟» فيخيل إليه أن الجنة ملأى، وهي ليست كذلك، وهي ليست كذلك. فيقال له، يقال لهذا الرجل: «أما ترضى أن يكون لك... أما ترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟» انظر: رجل ملك هذه الدنيا، صار ملكاً فيها، يأمر وينهى، وعنده الخدم والحشم والقصور والدور وما يريد من ملذات هذه الدنيا، فيقال لهذا الرجل: «أما ترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟» فيقول: رضيت يا رب، رضيت بهذا العرض. فيقول: «لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله»، هذه أربع مرات. قال: فقال في الخامسة، يعني لما قال له الرب: «ومثله»، قال هذا الرجل في الخامسة: رضيت رب. إذن له خمس مرات مثل ما يملك ملك من ملوك هذه الدنيا. فيقول الرب: «ومثله، هذا لك ومثله، هذا لك، هذه الخمس لك» أو هذا الملك لك، بل وعشر أمثاله، يعني عشر أمثال ملك ملك من ملوك هذه الدنيا. ثم قال له: «وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ». فيقول هذا الرجل: رضيت رب. قال: «ربي، فأعلاهم منزلة؟». أي موسى كذلك سأل عن أعلى أهل الجنة، فقال الرب سبحانه وتعالى: «أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر». قال: وذلك مصداق قول الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. انظر الشاهد من هذا الحديث: أن أدنى أهل الجنة من يعطى ماذا؟ عشر مرات من ملك ملك من ملوك هذه الدنيا، مع تفاوت ما بين الملكين، وملك الدنيا زائل وهو ناقص، وهو كذلك غير كامل، أما نعيم الجنة فإنه لا يفنى ولا يبيد، فهو كامل، وهو كذلك أعظم لا شك مما يكون في هذه الدنيا، فكيف بمن هو أعلى منزلة أو أوسط منزلته ودرجة؟ لا شك أن نعيمه أعظم وأعظم. ثم قال ابن القيم عليه رحمة الله: فصل في ذكر سن أهل الجنة، كم يكون سنهم في الجنة؟ في الجنة قال: هذا وسنهم ثلاث مع ثلاثين، التي هي قوة الشبان، وصغيرهم وكبيرهم في ذا على حد سواء، ما سوى الولدان. ولقد روى الخدري أيضاً أنهم أبناء عشر، بعدها عشران، وكلاهما في الترمذي، وليس ذا بتناقض، بل هاهنا أمران: حذف الثلاث ونيف بعد العقود، وذكر ذلك عندهم سيان، عند اتساع في الكلام، فعندما يأتوا بتحرير فبالميزان. معنى كلامه هذا: أن سن أهل الجنة ثلاث وثلاثين سنة، من يدخل الجنة يدخل بهذا السن. "هذا وسنهم ثلاث مع ثلاثين" يعني ثلاث وثلاثين، التي هي قوة الشبان، يعني هذا السن هي ذروة وأعلى قوة الشباب وأعلى قوة الشباب. ثم قال: "وصغيرهم وكبيرهم في ذا على حد سواء ما سوى الولدان"، يريد بهذا أن من مات وهو أكثر من هذا السن يرجع إلى هذا السن، سن ثلاث وثلاثين، ما يدخل الجنة على السن الذي مات عليه، سواء كان أقل أو أكثر. فمن مات أكثر من ثلاث وثلاثين يرجع إلى سن ثلاث وثلاثين، ومن مات دون ثلاث وثلاثين، كمثل عشرين سنة أو خمس وعشرين سنة، فإنه يرفع في السن إلى سن ثلاث وثلاثين، إلا الولدان. والصحيح أن الولدان خلق يخلقهم الله عز وجل لأهل الجنة يخدمونهم، كما جاء في القرآن: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿غِلْمَانٌ﴾، فلذلك قال: "وصغيرهم وكبيرهم في ذا على حد سواء ما سوى الولدان"، يعني إلا الولدان الذين يخدمونهم. ثم قال: "ولقد روى الخدري أيضاً أنهم أبناء عشر، بعدها عشران"، يعني جاءت رواية أخرى أنهم يدخلون الجنة على سن ثلاثين، لأن قول "أبناء عشر، بعدها عشران" يعني ثلاث عشرات، والثلاث العشرات ثلاثون، ثلاثون سنة، ثلاثون سنة. قال: "وكلاهما في الترمذي، وليس ذا بتناقض، بل هاهنا أمران"، يعني ما تناقض رواية الثلاثة والثلاثين ورواية الثلاثين. لماذا؟ قال: "حذف الثلاث ونيف بعد العقود، وذكر ذلك عندهم سيان"، يعني رواية الثلاثين تحمل على رواية الثلاث وثلاثين، لأن الكسر العرب كانوا يحذفونه إذا جاء في العقود، والعقود يراد بها العشرات: العشرة، عشرون، ثلاثون، أربعون، إلى التسعين. فمثلاً، إذا جاء عدد ثلاث وثلاثين يقولون: ثلاثون، بجبر الكسر، يجبرون الكسر، هذا أسلوب عربي معروف عندهم، أو مثلاً إحدى وأربعون يقولون: أربعون، يحذفون الواحد. فهذا معنى قول: "حذف الثلاث ونيف بعد العقود"، ومعنى نيف: يعني من الثلاثة، من الواحد إلى التسعة، بعد العقود، بعد العشرات. "وذكر ذلك عندهم سيان" يعني سواء، إلا في ماذا؟ عند التضييق في الكلام، فعندما يأتوا بتحرير فبالميزان، إذا أرادوا أن يدققوا ويحرروا في هذا العدد فإنهم يأتون به كاملاً، يأتون به كاملاً إذا اقتضى المقام ذكر الكسر لتحقيق أو لتدقيق أو لحكم أو نحو ذلك. فإذا تحمل الروايتان على جبر، تحمل رواية الثلاثين على جبر الكسر، وهذا أمر معروف عند العرب، فيكون سن أهل الجنة ثلاثاً وثلاثين. وكما تقدم، ابن القيم ما يذكر هذه التفاصيل إلا بناءً على ما اطلع عليه وما صح عنده من أحاديث أو من أدلة من كتاب أو من سنة. فدليل هذا السن ما جاء في حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، وكذلك جاء من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم جميعاً، قال عليه الصلاة والسلام: «يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً مكحلين، أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة». والحديث رواه أحمد والترمذي، وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترمذي، فهو حديث حسن، ويستدل به على هذا الأمر، يستدل به على هذا الأمر. أما قوله: «جرداً» يعني لا تكسو أبشارهم، لا تكسو أبشارهم الشعور، يعني ما في أبشارهم شعور، فهم متجردون من شعر الجسد، من شعر الجسد، لا كما حال أهل الدنيا، ربما يطلع عليك الشعر في يديك أو في ساقيك أو في لحيتك، فهم لا شعر، لا في لحاهم ولا في أيديهم وأرجلهم. «مرداً» والمرد هو الذي لم تنبت له لحية، ويكون شاباً صغيراً، يقال له: أمرد. «مكحلين» أي في أعينهم الكحل، وهذا غاية في الجمال، ولذلك الكحل حتى عند أهل الدنيا يعد من الجمال، ومما يختص به النساء. فأهل الجنة يدخلون الجنة على أحسن صورة، وعلى أجمل هيئة، في لباسهم، في سنهم، في زينتهم، في جميع أحوالهم، في طولهم، في عرضهم، في عرضهم، فكملت أخلاقهم، وكمل خلقهم، كذلك كمل خلقهم. كذلك رزقني الله وإياكم الجنة، وما قرب إليها من قول وعمل. نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى أعلم.