وصف الجنة من نونية ابن القيم  9

وصف الجنة من نونية ابن القيم 9

الدرس في وصف الجنة من نونية ابن القيم 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

وصف أشجار الجنة وثمارها وتربتها ومائها

يشرح ابن القيم وصف الجنة مستنداً إلى آثار ابن عباس، مبيناً أن أشجارها وثمارها تختلف حقيقة عن الدنيا، وتربتها من المسك والزعفران، وماؤها غير آسن، وثمارها طيبة دائمة لا تنقطع، وظلها ممتد لا يقي حراً ولا شمساً.

سيقان الأشجار من ذهب وجذوعها من زمرد ولباس أهل الجنة

يصف المقطع سيقان أشجار الجنة من ذهب وجذوعها من زمرد أخضر، ثمارها دانية بلا نوى وكبيرة كالقلال، ولباس أهل الجنة مقطعات من سعف النخيل الذهبي (العقيان)، مستنداً إلى آثار ابن عباس وأحاديث الترمذي والحاكم المصححة.

ظل الجنة وشجرة طوبى وعظمة ظلها وخاتمة الدرس

يستعرض أدلة القرآن والسنة على وجود الظل في الجنة كنعمة إضافية، ويسرد حديث أبي سعيد الخدري عن شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام، وشجرة طوبى التي تخرج منها ثياب أهل الجنة، ويختتم بقول 'إلى هنا والله تعالى أعلم' وذكر المترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال العلامة ابن القيم عليه رحمة الله في نونيته في وصف الجنة، وفي وصف أشجارها وثمارها وظلالها: قال ابن عباس: وما بالجنة العليا سوى أسماء ما تريانه، يعني الحقائق لا تماثل هذه، وخلاهما في الاسم متفقان. يا طيب هاتيك الثمار وغرسها في المسك ذاك الترب للبستان، وكذلك الماء الذي يسقى به، يا طيب ذاك الورد للظمآن. وإذا تناولت الثمار أتت نظيرتها فحلت دونها بمكان، لم تنقطع أبدا ولم ترقب مسير الشمس من حمل إلى ميزان. وكذاك لم تمنع ولم تحتج إلى أن ترتقي للقنو في العيدان، بل ذللت تلك القطوف، فكيف ما شئت انتزعت بأسهل الإمكان. ولقد أتى أثر بأن الساق من ذهب، رواه الترمذي ببيانه. قال ابن عباس: وهاتيك الجذوع زمرد من أحسن الألوان، ومقطعاتهم من الكرب التي بها، ومن سعف من العقيان، وثمارها ما فيه من عجم كأمثال القلال، فجل ذو الإحسان. وظلالها ممتدة ليست تقي حرا ولا شمسا وأنا ذان. أو ما سمعت بظل أصل واحد فيه لسير الراكب العجلان مئة سنين قدرت لا تنقضي، هذا العظيم الأصل والأفنان. ولقد روى الخدري أيضا أن طوبا قدرها مئة بلا نقصان، تتفتح الأكمام فيها عن لباسهم بما شاء من الألوان. قول رحمه الله: قال ابن عباس: نواب الجنة العليا سوى أسمام ترياني. هذا أثر جاء عن ابن عباس، رواه البيهقي في سننه، وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة، أن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء. هكذا جاء الأثر: ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء. إذا سمعت أشجارا، فأشجار الجنة ليست كأشجار الدنيا، إنما الاتفاق في الاسم فقط. إذا سمعت العنب والرمان ونحو ذلك من الثمار، فلا تظن أنها مثل ثمار الدنيا، وإنما الاتفاق في الاسم فحسب. هذا معنى قوله: قال ابن عباس وما بالجنة العليا سوى أسماء ما تريني، أسماء التي تراها في هذه الدنيا فقط. وقوله: يعني الحقائق لا تماثل هذه، وكلاهما في الاسم متفقان، يعني يتفقان في الاسم ويختلفان في الحقيقة، أي الطعم والتنعم بها ونحو ذلك. ثم قال: يا طيب هاتيك الثمار وغرسها في المسك ذاك الترب للبستان، أي أن غراسة هذه الأشجار في تربة الجنة، ومما تربة الجنة تربة الجنة من المسك والزعفران، كما تقدم معنا في وصف تربتها، فما بالك بأشجار تربتها المسك والزعفران، كيف سيكون ثمارها وكيف ستكون روائحها؟ هذا معنى كلامه رحمه الله، فهي طيبة. وقال: وكذلك الماء الذي يسقى به، يا طيب ذاك الورد للظمآن. ماء الجنة أنهار من ماء غير آسن، وتعلمون أن الأشجار يكون طعمها وطيبها على حسب تربتها ومائها، على حسب تربتها ومائها. ثم قال: وإذا تناولت الثمار أتت نظيرتها فحلت دونها بمكانه، لا تنتهي ثمار الجنة ولا تفنى، فإذا تناول من بالجنة ثمرة من ثمار هذه الشجرة عادت تلك الثمرة مرة أخرى، وهذا من النعيم المقيم الدائم. ثم قال: لم تنقطع أبدا ولم ترقب مسير الشمس من حمل إلى ميزان، والمعنى أن ثمار الدنيا مواسم على حسب الجو من حرارة شمس أو من برودة جو، فهناك فواكه صيفية وهناك فواكه شتوية، هذا في الدنيا، أما في الجنة فعلى طول الوقت الثمار كلها متوفرة وموجودة، لا ترقب مسير الشمس، لا تنتظر موسما، لا تنتظر موسما تحمل فيه هذه الشجرة أو تسقط فيه تلك الشجرة أبدا. لم تنقطع أبدا ولم ترقب مسير الشمس من حمل إلى ميزان، يعني من فصل إلى آخر. ثم قال: وكذاك لم تمنع ولم تحتج إلى أن ترتقي للقنو في العيدان، يعني هذه الفواكه ما تنقطع، دائما مستمرة في أي وقت اشتهاها من بالجنة نالها وتلذذ بطعمها وأكلها. هذا معنى قوله: وكذاك لم تمنع ولم تحتج إلى أن ترتقي للقنو في العيدان، يعني كذلك لما يحتاج أنك ترتقي إلى الشجرة وتصعد إليها حتى تصل إلى هذه الثمرة، بل الثمرة تصل إليك، فقطوفها دانية. وهذا معنى قوله: أن ترتقي للقنو، والقنو هو العذق الذي فيه الثمار، فما يحتاج إلى أن تصعد إليه، بل حتى أن تمد يدك إليه، وإنما يتدنى لك فتأخذه بأسهل ما يكون. ولذلك قال: فكيف ما شئت انتزعت بأسهل الإمكان، يعني بأسهل ما يكون. ثم قال: وَلَقَدْ أَتَى أَثَرٌ بِأَنَّ السَّاقَ مِنْ ذَهَبٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِي بِبَيَانِهِ، يعني جاء حديث أن ساق أشجار الجنة من ذهب، وهذا الحديث رواه الترمذي في جامعه، وصححه العلامة الألباني من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب، إلا وساقها من ذهب». فانظر إلى حسن هذه الأشجار، فما بالك كيف تكون هذه الشجرة التي ساقها من ذهب؟ ثم قال: قال ابن عباس: وهاتيك الجذوع زمرد من أحسن الألوان. وهذا جاء فيه أثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، رواه ابن المبارك، وذكره العلماء في وصف الجنة، والله أعلم بصحته، فكأن ابن القيم أخذ هذا المعنى من ذلك الأثر. قال فيه ابن عباس: نخل الجنة جذوعها من زمر رد أخضر من زمرد أخضر، والزمرد هو حجر كريم أخضر اللون، له قيمة لما فيه من الخصائص، وذلك لصفائه ولونه وخلوه من الشقوق ونقائه من الشوائب، فهو مثل المرمر الصافي النقي الذي يعطيك اللون الأخضر، يعطيك اللون الأخضر. قيل أنه بهذا الأزمان إذا وجده فهو أغلى ما يكون من الأحجار الكريمة، من الأحجار الكريمة. هذا هو الزمرد بتشديد الراء. قال ابن عباس: وهاتيك الجذوع زمرد من أحسن الألوان، لأن لونه أخضر، فجذوع النخل أو جذوع الشجر من هذا الحجر، من هذا الحجر، ولا مقارنة بين حجر الدنيا وحجر الآخرة. ثم قال: ومقطعاتهم من الكرب الذي بها، ومن سعف من العقيان. مقطعاتهم يعني كسوتهم ولباسهم من هذا الكرب، من هذا الكرب الذي بها، يعني من هذه الجذوع التي بالأشجار. وهكذا مقطعاتهم يعني لباسهم من سعف النخيل، لكنها من العقيان، والعقيان هو الذهب، والعقيان هو الذهب. وهناك حديث رواه الحاكم، وكأن ابن القيم أخذ هذا المعنى من هذا الحديث، والله أعلم بصحته. فهذا الحديث فيه أن نخلة الجنة جذعها من زمرد أخضر، وكربها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم وحلولهم، وثمرهم أمثال القلال، أمثال القلال. ثم قال: وثمارها ما فيه من عجم كأمثال القلال، فجل ذو الإحسان. يعني ثمار الجنة ما فيها نوى، العجم يعني النوى التي تكون بداخل الثمر، مثلا التمر، أو كذلك غيرها من الفواكه ذوي النوى، ففي الجنة ما توجد فيها هذه النوى، ما فيها عجم، بل تكون ثمرة خالصة، ثمرة خالصة. وهكذا ثمار الجنة كبيرة، ليست كثمار الدنيا، ولذلك قال: كأمثال القلال، والقلال هي شبيه بالقربة الكبيرة، لكن تصنع من الخزف أو الطين أو نحو ذلك، مثل الكوز في زماننا هذا. فجل ذو الإحسان، فجل ذو الإحسان، أي الله سبحانه وتعالى، إذ أحسن خلقة هذه الثمار. ثم قال: وظلالها ممتدة ليست تقي حرا ولا شمسا وأنا ذان. يعني أن الجنة فيها ظل، الجنة فيها ظل، وهذا جاء في القرآن، وكذلك جاء في السنة، جاء في القرآن وجاء في السنة. قال الله عز وجل في القرآن: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾، وقال سبحانه وتعالى أيضا: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾. وهكذا جاء في السنة، جاء في السنة من ذلك الأحاديث التي سينبه أو سيلخص ابن القيم ذكرها في هذه المنظومة. فقوله: وظلالها ممتدة، يعني أنها واسعة، واسعة الظل، واسعة الظل. نعم، ليست تقي حرا ولا شمسا وأنا ذان، يعني هذا الظل ليس من شمس أو حر، فإن الجنة لا فيها شمس ولا حر. إذن ما هو هذا الظل؟ اختلف العلماء في ذلك، وذكروا أقوالا في ظل الجنة، فمنهم من قال: الظل المراد به ضد كذلك، نعم، الظل هو ضد الظلمة، الظل ضد الظلمة، وهو أعم من الفيء، أعم من الفيء، فيقال ظل الليل، يعني المكان الذي فيه شيء من فيه شيء من الإضاءة أو النور في وقت الظلمة، وهكذا قالوا ظل الجنة. والأقرب والله أعلم أن الله عز وجل يخلق لأهل الجنة ظلا زيادة لهم في التنعم، وإن لم يكن هناك شمس ولا حر، فالجنة لا تقاس بالدنيا، لا تقاس بالدنيا، فمع أن الجنة ليست فيها حر ولا شمس، إلا أن الله عز وجل يجعل أهل الجنة يتنعمون في ظل يخلقه لهم سبحانه وتعالى. لذلك قال: أوما سمعت بظل أصل واحد فيه لسير الراكب العجلان، يعني جاء حديث أن شجرة واحدة يسير فيها الراكب العجلان، يعني المضمر السريع، مئة سنين قدرت لا تنقضي، هذا العظيم الأصل والأفنان. يعني شجرة واحدة تحتها ظل يسير الراكب المضمر، الراكب السريع، فيها مئة عام حتى يقطعها، مئة عام حتى يقطعها. وهذا ورد فيه كما ذكر هنا حديث أبي سعيد الخدري. ولقد حديث أبي سعيد الخدري جاء في هذه الشجرة، وجاء في كذلك طوبى الذي سيأتي ذكرها. فجاء في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر، الجواد المضمر يعني السريع المضرع، مئة عام ما يقطعها، يجري فيها مئة عام ما يقطعها، ما يستطيع أن يقطع مسافة هذا الظل، وهو ليس ببطيء بل سريع، ومع هذا لا يقطع، هذا يدل على عظم ظل هذه الشجرة، هذه الشجرة». ثم قال: ولقد روى الخدري أيضا أن طوبى قدرها مئة بلا نقصان. جاء حديث آخر أن هناك شجرة اسمها طوبى، وهي شجرة عظيمة كبيرة، يصنع منها ثياب أهل الجنة. فجاء في حديث أبي سعيد الخدري الذي أشار إليه ابن القيم عليه رحمة الله، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «طوبى شجرة في الجنة مسيرة مئة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها». والحديث يحسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله. لذلك قال ابن القيم: تتفتح الأكمام فيها عن لباسهم، يعني أن لباس أهل الجنة يكون من أكمام هذه الشجرة. نعم، تتفتح الأكمام فيها عن لباسهم بما شاء من الألوان، يعني تكون هذه اللباس بألوان مختلفة، بألوان مختلفة، وهذا غاية في التنعم. وهذا حتى حال أهل الدنيا، يقول لك: العام الماضي اشتريت هذا اللون، أريد هذا السنة لونا آخر، التنوع والتنقل في الألوان من التنعم، من التنعم. فلذلك جاء هذا الحديث في هذا المعنى، وأن أهل الجنة تخرج أو يخرج لباسهم من شجرة طوبى، وبما شاء من الألوان المحببة إليهم. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الجنة، وما قرب إليها من قول أو عمل. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.