وصف الجنة من نونية ابن القيم  15

وصف الجنة من نونية ابن القيم 15

الدرس في وصف الجنة من نونية ابن القيم 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تصحيح حديث جرير وابتداء وصف الحور

صحح المحاضر خطأً سابقاً في تحديد الصلاتين الواردتين في حديث جرير بأنهما الفجر والعصر، ثم شرع في قراءة أبيات ابن القيم من النونية التي تصف الحور العين، مستحضراً تعليق ابن عثيمين على استطراد ابن القيم في الوصف واعترافه بالطغيان في القلم، مع الإحجام عن الشرح التفصيلي مراعاة لحرمة شهر الصيام.

تفصيل نعيم الجنة وقوة المؤمن في الجماع

استعرض المصف وصفاً دقيقاً لجمال الحور العين وصفاتهن الجسدية وطبيعة الجماع في الجنة، مستنداً إلى أقوال المفسرين وأحاديث تفيد بأن المؤمن يعطى قوة مائة رجل في ذلك النعيم، مختتماً بالتأكيد على أن الصبر على طاعة الله في الدنيا هو السبيل لنيل هذا النعيم المقيم.

مقارنة نساء الدنيا بالحور والحث على الزهد

عقد ابن القيم مقارنة بين نساء الدنيا المملوءات بالنقص والهم، والحور العين المتمتعات بجمال سرمدي ونعيم لا ينتهي، حاثاً المسلم على جمع قواه للآخرة، وغض البصر عن المحرمات، وعدم الاغترار بالملذات الفانية، محذراً من اتباع الغافلين، داعياً للمبادرة بالطاعات لنيل النعيم المقيم.

خاتمة الدرس وكلمة شكر

اختتم الدرس بتكرار كلمة الشكر أربع مرات من قبل الحضور أو المحاضر، إيذاناً بانتهاء المجلس العلمي دون إضافة محتوى علمي جديد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أولاً في الدرس الماضي وقع خطأ في آخر حديث جرير، قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طروع الشمس وقبل غروبها فافعلوا». ففسرت الصلاتان بالعصر والمغرب، والصواب: الفجر والعصر. فهم الصلاتان اللتان قبل صلاة العصر قبل غروب الشمس، وصلاة الفجر قبل طلوع الشمس، فوجب التنبيه. وفي يومنا هذا نستمر في وصف الجنة للعلامة ابن القيم عليه رحمة الله في نونيته، وفي هذا اليوم معنا أبيات تتعلق بوصف الحور العين. وابن القيم في هذه المنظومة استطرد وتوسع وتعمق في ذكر أوصاف الحور العين، وقد أقر واعترف بذلك رحمه الله تعالى. فبعدما ذكر أوصافاً كثيرة للحور العين قال: يا رب غفراً قد طغت أقلامنا، يا رب معذرة من الطغيان. فقال الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله على هذا البيت: «يا رب غفراً قد طغت أقلامنا، يا رب معذرة من الطغيان». فقال الشيخ ابن العثيمين: «فلقد قال وهذا صحيح»، أي ما ذكره ابن القيم: «فلقد طغت أقلامه»، فهو يعتذر إلى الله من الطغيان، يعتذر إلى الله من الطغيان في الأبيات هذه. ثم قال ابن عثيمين: «وإن شاء الله لا يأثم بها، لا يأثم بها»، فهو يقصد بهذا التشويق إلى ما في الجنة من الحور العين، وأنه ليس ما في الجنة كما في الدنيا، إلى آخر ما ذكر رحمه الله تعالى. فالأمر كما ذكرنا: استطرد ابن القيم في ذكر هذه الأوصاف، وفي الحقيقة يكفي في هذا الدرس أن نقرأ هذه الأبيات قراءة مجردة بدون شرح ولا تفسير، فإنه يخشى أن تزل اللسان ونحن في شهر الصيام، فنقتصر إن شاء الله على قراءة الأبيات. فهذا ابن القيم وهو مقيد في هذه الأبيات بالوزن، وزن الشعر، وبالروي، وبالقوافي، ومع هذا فغطغى قلمه، فكيف يكون هذا الشرح الذي هو بدون وزن ولا روي ولا شيء من ذلك؟ فنخشى أن تزل اللسان، فنقتصر إن شاء الله على قراءة هذه الأبيات، وهي كلمات واضحة وبينة، ولا داعي للتعمق في شرحها وبيانها، والله تعالى أعلم. يقول ابن القيم عليه رحمة الله: فاسمع صفات عرائس الجنات *** ثم اختر لنفسك يا أخ العرفان حور حسان قد كملنا خلائقا *** ومحاسنا من أكمل النسوان حتى يحار الطرف في الحسن الذي *** قد ألبست فالطرف كالحيران ويقول لما أن يشاهد حسنها *** سبحان معطي الحسن والإحسان والطرف يشرب من كؤوس جمالها *** فتراه مثل الشار بالنشوان كملت خلائقها وأكمل حسنها *** كالبدر ليلة الست بعد ثمان والشمس تجري في محاسن وجهها *** والليل تحت ذوائب الأغصان وكلاهما مرآة صاحبه *** إذا ما شاء يبصر وجهه يريان فيرى محاسن وجهه في وجهها *** وترى محاسنها به بعيان حمر الخدود ثغورهن لآلئ *** سود العيون فواتر الأجفان والبرق يبدو حين يبسم ثغرها *** فيضيء سقف القصر بالجدران ولقد روينا أن برقاً لامعاً *** يبدو فيسأل عنه من بجنان فيقال هذا ضوء ثغر ضاحك *** في الجنة العليا كما تريان لله لاثم ذلك الثغر الذي *** في لثمه إدراك كل أمان ريانة الأعطاف من ماء الشباب *** فغصنها بالماء ذو جريان لما جرى ماء النعيم بغصنها *** حمل الثمار كثيرة الألوان فالورد والتفاح والرمان في غصن *** تعالى غارس البستان والقد منها كالقضيب الذي في *** حسن القوام كأوسط القطبان في مغرس كالعاج تحسب أنه *** عالي النقا أو واحد الكثبان للظهر يلحقه وليس ثديها *** بلواحق للبطن أو بدوان لكنهن كواعب ونواهد *** فنهودهن كألطف الرمان والجيد ذو طول وحسن في بياض *** واعتدال ليس ذا نكران يشكو الحلي بعاده فله مدى *** الأيام وسواس من الهجران والمعصمان فإن تشأ شبههما *** بسبيكتين عليهما كفان كالزبد ليناً في نعومة ملمس *** أصداف در دورت بوزاني والصدر متسع على بطن لها *** خفت به خصران ذاث ثماني وعليه أحسن سرة هي مجمع *** الخضرين هي مجمع الخصرين قد غارت من الأعكان حق من العاج *** استدار وحوله حبات مسك جل ذو الإتقان وإذا انحذرت رأيت أمراً هائلاً *** ما للصفات عليه من سلطاني يعني ليس لنا حق أن نصفه، أن نصف هذا الأمر الهائل. وإذا انحذرت رأيت أمراً هائلاً *** ما للصفات عليه من سلطاني لا الحيض يغشاه ولا بول *** ولا شيء من الآفات في النسوان فخذاني قد حفى به حرساً له *** فجنابه في عزة وصياني قام بخدمته هو السلطان بينهما *** وحق طاعة السلطان وهو المطاع أميره لا ينتهي *** عنه ولا هو عنده بجباني وجماعها فهو الشفاء لصبها *** فالصب منه ليس بالضجران وإذا يجامعها تعود كمن تشت *** بكراً بغير دم ولا نقصاني فهو الشهي وعضوه لا ينثني *** جاء الحديث بلا نكراني وَلَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ شُغْلَهُمُ الَّذِي قَدْ جَاءَ فِي يَاسِينَ دُونَ بَيَانِي يريد قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾، فُسِّر هذا الشغل بالجماع. قال: وَلَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ شُغْلَهُمُ الَّذِي قَدْ جَاءَ فِي يَاسِينَ دُونَ بَيَانِي شُغْلُ الْعَرُوسِ بِعُرْسِهِ مِنْ بَعْدِ مَا عَبِثَتْ بِهِ الْأَشْوَاقُ طُولَ زَمَانِي بِاللَّهِ لَا تَسْأَلُهُ عَنْ أَشْغَالِهِ تِلْكَ اللَّيَالِي شَأْنُ هَذُو شَانِي وَاضْرِبْ لَهُ مَثَلًا بِصَبٍ غَابَ عَنْ مَحْبُوبِهِ فِي شَاسِعِ الْبُلْدَانِ والشوق يزعجه إليه وما له *** بلقائه سبب من الإمكان وفى إليه بعد طول مغيبه *** عنه وصار الوصل ذا إمكان أتلومه إن صار ذا شغل به *** لا والذي أعطى بلا حسبان يا رب غفراً ضطغت أقلامنا *** يا رب معذرةً من الطغيان أقدامها من فضةٍ قد ركبت *** من فوقها ساقان ملتقيان والساق مثل العاج ملموم يرى *** مخ العظام وراءه بعيان والريح مسكٌ والجسوم نواعمٌ *** واللون كالياقوت والمرجان وكلاهما يسب العقول بنغمةٍ *** زادت على الأوتار والعيدان وهي الغروب بشكلها وبدرها *** وتحببٌ للزوج كل أواني وهي التي عند الجماع تزيد في *** حركاتها للعين والأذنان لطفاً وحسن تبعُلٍ وتغنُّجٍ *** وتحبُّبٍ تفسير ذا العرفان تلك الحلاوة والملاحة أوجبا *** إطلاق هذا اللفظ وضع لساري فملاحة التصوير قبل غناجها *** هي أولٌ وهي المحل الثاني فإذا هم اجتمع لصبٍ وامقٍ *** بلغت به اللذات كل مكان أتراب سنٍ واحدٍ متماثلٍ *** سن الشباب لأجمل الشبان بكرٌ فلم يأخذ بكارتها سوى *** المحبوب من إنسٍ ولا من جاني حصنٌ عليه حارسٌ من أعظم *** الحراس بأساً شأنه ذو شاني فإذا أحسَّ بداخلٍ للحصن ولا *** هارباً فتراه ذا إمعاني ويعود وهناً حيناً ربُّ الحصن *** يخرج منه فهو كذا مدى الأزمان وكذا رواه أبو هريرة أنها *** تنصاع بكراً للجماع الثاني لكن دراجاً أبا السمح الذي فيه *** يضعفه أولو الإتقاني هذا وبعضهم يصحِّح عنه في *** التفسير كالمولود من حباني فحديثه دون الصحيح وإنه *** فوق الضعيف وليس ذا إتقاني يعطى المجامع قوة المئة التي *** اجتمعت لأقوى واحد الإنسان لا أن قوته تضاعف هكذا *** إذ قد يكون لأضعف الأركاني ويكون أقوى منه ذا نقصٍ من *** الإيمان والأعمال والإحساني ولقد روينا أنه يغشى بيومٍ *** واحدٍ مئةً من النسوان ورجاله شرط الصحيح رووا لهم *** فيه وذا في معجم الطبران هذا دليلٌ أن قدر نسائهم *** متفاوتٌ بتفاوت الإيمان وبه يزول توهم الإشكال عن *** تلك النصوص بمنَّة الرحمن وبقوة المئة التي حصلت له *** أفضى إلى مئةٍ بلا خوران وأعفهم في هذه الدنيا هو *** الأقوى هناك لزهده في الفان فاجمع قواك لما هناك وغمض *** العينين واصبر ساعةً لزماني يا من تريد هذه الأوصاف وهذه *** الحور اصبر في هذه الدنيا على ما ترى من حسن نساء هذه الدنيا فهو يقول: وبقوة المئة التي حصلت له أفضى إلى مئةٍ بلا خوران، وأعفهم في هذه الدنيا هو الأقوى هناك لزهده في الفان، فاجمع قواك لما هناك أي في الجنة، فاجمع قواك لما هناك وغمض العينين أي في الدنيا عن الحرام والنظر إلى الحرام، فاجمع قواك لما هناك وغمض العينين واصبر ساعةً لزماني. ما ها هنا والله ما يسوى قلامة *** ظفر واحدة ترى بجناني نساء الدنيا هذه ظفر الحور العين *** ما يساوي أجمل واحدة في هذه الدنيا ما ها هنا والله ما يسوى قلامة *** ظفر واحدة ترى بجناني ما ها هنا إلا النقار وسيء *** الأخلاق مع عيب ومع نقصاني أي نساء هذه الدنيا هم وغم دائم *** لا ينتهي حتى الطلاق أو الفراق الثاني والله قد جعل النساء عوانياً *** شرعاً فأضحى البعل وهو العاني لا تؤثر الأدنى على الأدنى فإن *** تفعل رجعت بذلة وهواني لا تؤثر نظرة محرمة على تلك *** الحور العين التي سمعت من أوصافها ومن حسنها وجمالها. ثم قال: وإذا بدت في حلة من لبسها *** أي الحور العين وتمايلت كتمايل النشواني تهتز كالغصن الرطيب وحمله *** ورد وتفاح على رماني وتبخترت في مشيها ويحق ذاك *** لمثلها في جنة الحيواني ووصائف من خلفها وأمامها *** وعلى شمائلها وعن أيماني كالبدر ليلة تمه قد حف في *** غسق الدجا بكواكب الميزاني فالطرف منه وقلبه ولسانه *** في الدهش والإعجاب والسبحاني والقلب قبل زفافها في غرسه *** والغرس إثر الغرس متصلاني حتى إذا ما واجهته تقابل *** أرأيت إذ يتقابل القمراني فسر المتيما هل يحل الصبر عن *** ضم وتقبيل وعن فلتاني وسل المتيما أين خلف صبره *** في أي واد أم بأي مكاني وسل المتيما كيف حالته وقد *** ملئت له الأذنان والعينان من منطق زفت حواشيه ووجه *** كم به للشمس من جرياني وسل المتيما كيف عيشته إذن *** وهما على فرشيهما خلواني يتساقطاني لآلئا منثورة *** من بين منظوم كنظم جماني وسل المتيما كيف مجلسه مع *** المحبوب في روح وفي ريحاني وتدور كاسات الرحيق عليهما *** بأكف أقمار من الولداني يتنازعان الكأس هذا مرة *** والخود أخرى ثم يتكئاني فيضمها وتضمه أرأيت مع *** شوقين بعد البعد يلتقياني غاب الرقيب وغاب كل منكد *** وهما بثوب الوصل مشتملاني أتراهما ضجرين من ذا العيش لا *** وحياة ربك ماهما ضجراني ويزيد كل منهما حباً لصاحبه *** جديداً سائر الأزماني فوصاله يكسوه حباً بعده *** متسلسلا لا ينتهي بزماني فالوصل محفوف بحب سابق *** وبلاحق وكلاهما صنواني فرق لطيف بين ذاك وبين ذا *** يدريه ذو شغل بهذا الشاني ومزيدهم في كل وقت حاصل *** سبحان ذي الملكوت والسلطان يا غافلا عما خلقت له انتبه *** جد الرحيل ولست باليقضان سار الرفاق وخلفوك مع الأولى *** قنعوا بذل حظ الخسيس الفاني هنا يحثوا وكذلك يحفز ابن القيم المسلم في هذه الدنيا على أن يسبق إلى هذا النعيم وإلى هذه الأوصاف العظيمة، وأن يبتعد عن الغفلة، وأن يبتعد عن الكسالة، وأن يبتعد عن كذلك المفرطين في نيل هذا النعيم المقيم. فقال: يا غافلا عما خلقت له انتبه *** جد الرحيل ولست باليقضان سار الرفاق أي أهل التقى وأهل الصلاح، سار الرفاق وخلفوك مع الأولى، قنعوا بذل حظ الخسيس الفاني، قنعوا بهذه الدنيا وزهدوا في هذا النعيم المقيم، فلا تكن مع هؤلاء وكن مع السباقين. سار الرفاق وخلفوك مع الأولى *** قنعوا بذل حظ الخسيس الفاني ورأيت أكثر من ترى متخلفا *** فتبعتهم ورضيت بالحرمان لكن أتيت بخطتي عجز وجهل *** بعد ذا وصحبت كل أماني منتك نفسك باللحاق مع القعود *** عن المسير وراحة الأبدان ولسوف تعلم حين ينكشف الغطاء *** ماذا صنعت وكنت ذا إمكاني نكتفي بهذا وإلهنا والله تعالى الله تعالى أعلم. شكراً شكراً شكراً شكراً