الدرس في كتاب المعاملات 29، ألقاها
المقطع الأول يتناول حقوق الجار وأحكام الجوار، حيث أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالجار وأكد على أهمية الإحسان إليه وعدم إيذائه. كما بين أن الجار له حق على جاره، ويجب أن يُحسن إليه ولا يُمنع من حاجاته الضرورية.
المقطع الثاني يحرم أذية الجار بأي شكل من الأشكال، مثل فتح نوافذ تطل على بيته أو إزعاجه بالأصوات العالية. كما يحرم مضايقة المسلمين في طرقاتهم بإشغالها أو تضييقها، مشدداً على ضرورة احترام حقوق الجار والمسلمين في الطرقات.
المقطع الثالث يتناول أحكام الطريق وضرورة المحافظة عليه من الأذى، ويشرح أن إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان. كما يتناول مسألة حق الشفعة للجار، ويوضح أن حق الشفعة يكون للجار إذا كانت بينه وبين جاره حدود مشتركة.
المقطع الرابع يركز على حق الجار في الشفعة إذا كان طريقهما واحداً، بينما يختلف العلماء حول حق الشفعة إذا لم يكن بينهما حدود مشتركة، مما يدل على أهمية فهم الشروط المحددة لحق الشفعة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف - قده الله -: المسألة الثالثة في أحكام الجوار. قال: الجار له حقٌ على جاره، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالجار حتى كاد أن يورِّثه، كما جاء عن عائشة بنت عمرو وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه، حتى ظننت أنه سيورِّثه»، يعني من كثرة ما يوصيه جبريل به بالجار، بالإحسان إليه وتفقد أحواله والنظر في أمره، حتى ظن أنه سيورِّثه، سيكون له نصيب من الإرث كالقريب من النسب. والجار يعني حدَّه، كما قال أهل العلم: منهم من قال: من كان بينك وبينه أربعون بيتاً يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً. ومنهم من قال: يعني أن الجار ما تعارف عليه في العرف أن هذا البيت وما حوله يعتبر من الجيران. فهذا هو الجار الذي ينبغي أن يُحسن إليه، وأن تنطبق عليه ما جاءت فيه الأحاديث من الأمر بحسن الجوار. وهذا أقرب؛ لأن الشرع أمر بإحسان الجوار ولم يُحد حداً للجوار، لم يجعل حداً للجوار، فلهذا يُرجع فيه إلى العرف، فما تعارف عليه الناس أن هؤلاء هذا البيت وما حوله من البيوت يُعتبرون من الجيران، فهذا الذي يكون له حق الجوار. وهنا يُراد في هذا الباب معنى ماذا؟ أخص وأضيق، وهو: من بينه وبين جاره اشتراك، أو حدود مشتركة، كبيتين مثلاً بجانب بعض، هذا الذي يتعلق به الحكم. قال: فمن احتاج إلى جاره، كأن يحتاج إلى إجراء الماء في أرضه أو ممر في ملكه أو نحو ذلك، فعلى جاره أن يُحقِّق له حاجته، سواء كانت بعوض أو بغير عوض. يقول: إذا احتاج الجار أن يُمر الماء في أرض جاره أو في ملكه أو نحو ذلك، فلا يمنعه؛ لأن هذا من حسن الجوار، ما دام أن جارك يحتاج إلى ذلك، فلا تمنعه من هذه الحاجة، وليس عليك في ذلك مضرَّة، وأنت وإياه يعني تسكنان في مكان قريب، بل متجاوران، فينبغي أن تُحسن إلى جارك في هذا الأمر، فلا تمنعه أن يُمر الماء في أرضك أو عند بيتك أو في ملكك مثلاً، سواء كان ذلك بعوض - يعني بمقابل مال - أو كان بغير عوض، من باب الإحسان، فإنك لا تمنعه، وهذا من تمام الإحسان إلى الجار. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُحسن إلى جاره». وقال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره»، هذا من كمال الإيمان، إحسان الجوار من كمال الإيمان. وقال عليه الصلاة والسلام: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه»، الذي لا يبعد أذيته عن جاره، هذا ليس بمؤمن. وهل معنى أنه كافر؟ لا، المعنى أنه ناقص الإيمان، أن إيمانه ناقص، وإلا لو كان إيمانه كاملاً لما آذى جاره، سواء كان باللسان أو كان باليد أو بغير ذلك من أنواع الأذية. قال: «ولا يجوز للإنسان أن يُحدث في ملكه ما يضر بجاره»، أن يحدث في ملكه - يعني ملكه نفسه - في ملكه نفسه يفعل شيء، وهذا الذي يفعله يضر بجاره، ما يقول: والله أنا حر، هذا أرضي وهذا بيتي، أنا أفعل ما شئت، لا؛ أنت عندك جوار، لابد أن تحسن إليهم، ولا تؤذيهم، وأن تدفع شرك عنهم. مثل أن تفتح نافذة تطل على بيته، نافذة يعني أن تفتحها، وهذه النافذة تكشف على جارك، خاصة إذا كان بيت صاحب النافذة مرتفع والجار منخفض، فهنا سيتكشف على جاره، فمثل هذا لا يجوز له، فالواجب عليه أن يسد هذه النافذة أو يرفع الجدار أو يفتحها في موضع آخر حتى لا يؤذي جاره. قال: أو مصنع يُقلِق جاره بأصواته، يعني مصنع يفتحه عند جاره، وهذا المصنع فيه أصوات وإزعاج، يريد الجار أن ينام، أن يرتاح ما يستطيع من كثرة الصياح، وكذلك رفع الأصوات، فيتأذى هذا، فيها أذية. إذا كان يحتاج أن يفتح مصنعاً، وهذا المصنع فيه يعني أصوات مرتفعة وإزعاج، يبعده عن مساكن الناس حتى لا يتأذون، وهذا من حسن الجوار. قال: ونحو ذلك، يعني مما فيه أذية للجار، مما فيه أذية للجار. بعض الجيران ربما يفتح أغاني وموسيقى ويرفع الصوت، ما اكتفى أن يسمع نفسه حتى يسمع الجيران، فيتأذى الجار الذي بجانبه من أصوات الغناء والموسيقى والطرب، هذا أيضاً من أذية الجار، لا يجوز. أو رفع الصوت خاصة إذا كانت البيوت متقاربة أو بينه وبين جاره جدار، يرفع صوته بالسب والشتم واللعن، هذه من الأذية. قس على ذلك كل ما فيه أذية للجار، فهذا لا يجوز. قال: وإذا كان بينهما جدار مشترك، لا يتصرف فيه ويضع عليه الخشب إلا عند الضرورة، كأن يحتاج إليه عند التسقيف، فلا يمنع من ذلك، بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره». والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره»، يعني يحتاج إلى ذلك، وخاصة إذا كانت البيوت كما قلنا مترابطة، وهذا كان في القديم، كانت البيوت بعضها ملتصقة ببعض، حتى إلى زمن قريب، كانت هذه البيوت موجودة، بين الجيران تجد جدار بين هذا البيت وهذا البيت. بخلاف الآن، أكثر البيوت اليوم الآن مستقلة، مستقلة بحدودها وطرقها، لكن كان في السابق البيوت متلاصقة، فقد يحتاج الجار أن يضع عند السقف يضع العواد على هذا الجدار الذي بينه وبين جاره، فلا يحق لجاره أن يمنعه. يقول: لا، أنا ما أسمح لك أن تضع عيدانك فوق الجدار، هذا لا يجوز له، نعم إذا كان عليه ضرر له حق في ذلك، أما إذا لم يكن هناك ضرر، فلا يجوز له أن يمنعه، لا يجوز له أن يمنعه. ولهذا كان أبو هريرة يقول: «ما لأراكم عنها معرضين، والله لأضربن بها بين أكتافكم»، يقول: ما لكم ما تستجيبون لذلك، ولا تفعلون ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من عدم منع الجار لجاره أن ينتفع من جداره أو يضع خشبة على جداره، فيقول: والله لأضربن بها بين أكتافكم، يعني مبالغة في إباحة ذلك وعدم المنع. قال: المسألة الرابعة في الطرقات. أولاً: لا يجوز مضايقة المسلمين في طرقاتهم، لا يجوز مضايقة المسلمين في طرقاتهم، يعني الشوارع التي جعلت وحددت أنها طرق للناس يمشون منها بسياراتهم ومراكبهم، ما يجوز للمسلم أن يأتي ويضيق على الناس، مثلاً يكون بيته قريب من الشارع، فيذهب ويبني حوش ويأخذ من الشارع، هذا لا يجوز؛ لأن هذا فيه تضييق على الناس في طرقهم، مثلاً هذا لا يجوز. قال: ولا يجوز أن يحدث في ملكه ما يضايق الطريق، ولو كان هذا في ملكه، لو قال: أنا سأزيد في ملكي متر أو مترين ويأخذ من طريق الناس، هذا لا يجوز، مثلاً يبني درج ويطيل هذا الدرج حتى يأخذ في الشارع، ما يقول: الله هذا ملكي، أنا أبني في ملكي وفي بيتي، يقول: ولو كان في بيتك، لكن لا تضر بطريق الناس، هذا لا يجوز أن تمد هذا البناء أو تطيله حتى يصل إلى طريق الناس، هذا فيه أذية لهم، تضييق لشوارعهم، مثلاً هذا لا يجوز. قال: لا يجوز أن يتخذ موقفاً لدابته أو سيارته بطريق المارة، يعني مثلاً يأتي يبني يفعل له مظلة بين بيته وبين الطريق، يأخذ جزء من الطريق ويفعل له مظلة حتى يضع فيها السيارة، هذا لا يجوز؛ لأنه فيه تضييق على الناس، يجعل له مظلة في مكان آخر ليس في طريق الناس. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار»، لا ضرر ولا ضرار، فلا يضر بنفسه ولا يضر بغيره. قال رابعاً: الطريق حق للجميع، فتجب المحافظة عليه من جميع ما يضر المار عليه، كوضع المخلفات والقمائم فيه ونحو ذلك؛ لأن إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان. والطريق هذا مصلح للجميع، جميع الناس الذين يسكنون في هذا المكان هم ينتفعون بهذه الطريق، فينبغي على الجميع العناية به، فلا يجعل موضعاً للقمائم والمخلفات، يأتي يرمي قمامته في وسط الطريق، هذا لا يجوز، هذا يعني ما فيه إفساد للطريق، أيضاً أذية على المارة بهذا الطريق من الناس، فمثل هذا لا يجوز. وهكذا إذا كان شيء مما هو أضر كالشوك ونحو ذلك مما يتضرر به من يمر، هذا أيضاً لا يجوز. ولهذا كان إماطة الأذى من الطريق من شعب الإيمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، أدنى شعب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان، يعني إبعاد الأذى مما يتأذى منه الناس بطريقهم: شوك، حصى، مخلفات، وقمائم، وغير ذلك، أي شيء يتأذى منه الناس، فإماطته وإبعاده من الإيمان. معنى هذا أن إبعاد الضرر والأذية عن الناس في طرقاتهم هذا أمر مطلوب، يجب على الجميع المحافظة عليه. طيب بالنسبة للجار، هل تثبت له حق الشفعة؟ هل تثبت حق الشفعة للجار أم لا؟ وهل هذا الحق يعني مطلق أو مقيد؟ يعني مثلاً في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الجار أحق بصقبه»، يعني بجواره. وقال كذلك: «جار الدار أحق بالدار»، جار الدار أحق بالدار، هل يستفاد من هذا أو يفهم منه أن الجار له حق الشفعة مطلقاً، ولو كان لكل واحد منهما حدوده المستقلة؟ أو أنه له حق الشفعة إذا كانت بينه وبين جاره حدود مشتركة؟ الصحيح: أن للجار حق الشفعة إذا كان بينه وبين جاره حدود مشتركة، إذا كان بينه وبين جاره حدود مشتركة، فله حق الشفعة، وهو أولى من غيره. وهذه الأحاديث تحمل على أنها إذا كان بينه وبين جاره حدود مشتركة. أما إذا كان كل واحد مستقل بحدوده وطرقه، وليس بينهم حدود مشتركة، فليس هو بأحق، ليس له حق الشفعة، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة»، وهذا يشمل الجار ويشمل غير الجار، هذا هو القول الصحيح، وهو ما رجحه الإمام ابن القيم رحمه الله، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد. ويُدل عليه أيضاً حديث جابر، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظره بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً»، الجار أحق بشفعة جاره، ينتظره بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً. مفهوم المخالفة: إن لم يكن طريقهما واحداً، فليس هو بحق، ليس له حق الشفعة، هذا هو الصحيح. بعض العلماء يقول: له حق الشفعة مطلقاً، سواء كان بينهما حدود مشتركة أو ليس بينهما حدود، لكن الصحيح: هذا التفصيل، إن كان بينهما حدود مشتركة، فله حق الشفعة، وإن لم يكن بينهما حدود مشتركة، فليس له حق الشفعة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.