كتاب المعاملات 30

الدرس في كتاب المعاملات 30، ألقاها

تعريف الوديعة ومشروعيتها وأحكام قبولها

الوديعة عين توضع عند من يحفظها بلا عوض، ومشروعيتها ثابتة بالأدلة الشرعية. يُستحب قبولها لمن يستطيع حفظها ويحرم على من لا يستطيع.

أحكام الوديعة وضمانها وتفصيل حالات التعدي والتفريط

الوديعة أمانة ولا ضمان على المستودع إلا في حالة التعدي أو التفريط. يُضَمَّن إذا استعملها بغير إذن أو وضعها عند غير أهل الحفظ.

تفاصيل حفظ الوديعة وتفويض حفظها ومسؤولية الحافظ

يجب حفظ الوديعة في حرز مثلها ويجوز تفويض حفظها لمن يحفظ ماله. لا ضمان على الحافظ الأمين إذا تلف المال بدون تعد أو تفريط.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف: قال الله تعالى: الباب الرابع عشر: الوديعة والإتلافات، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريفها وأدلة مشروعيتها. أولًا: تعريفها: الوديعة هي عين يضعها مالكها أو نائبه عند من يحفظها بلا عوض. الوديعة عين يضعها مالكها -يعني صاحب هذه العين- أو نائبه -أي من يقوم مقامه- عند من يحفظها بلا عوض، يعني بلا مقابل. هذه تسمى وديعة. والذي يدفع المال هو صاحب الوديعة، يقال له: مودع. والمؤتمن الذي توضع عنده الوديعة يقال له: مودع عنده. وهذا المال أو العين التي يراد إيداعها يقال لها: مودع. إذن عندنا ثلاثة ألفاظ: مودع وهو صاحب المال، والوديعة، ومودع عنده وهو المؤتمن، ومودع وهو المال الذي يراد حفظه. قال: أدلة مشروعيتها: الأصل فيها قوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «أَدِّي الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ». والحديث رواه داود والترمذي، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. قال: ولأن الضرورة والحاجة داعية للإيداع. فقول الله جل وعلا: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ يعني فليدفعها إلى صاحبها الذي ائتمنه عليها، فهي دالة على مشروعية الوديعة؛ لأن قوله: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ هذه الأمانة هي الوديعة، وأمر الله جل وعلا بردها إلى صاحبها فيه دلالة على إباحة الوديعة ومشروعيتها. وهكذا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ هذا أيضًا فيه دلالة على مشروعية الوديعة. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَدِّي الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ» يعني ردها لصاحبها الذي ائتمنك ووضعها عندك، «وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» يعني إذا خانك شخص في مال أو في حق من الحقوق فلا تعامله بالخيانة إذا قدرت على الوقوف على شيء من ماله فلا تخونه فيه وتعامله بنفس هذه المعاملة السيئة. ثم إن الضرورة داعية إلى الإيداع؛ يعني قد يحتاج الإنسان إلى من يحفظ ماله فيحتاج لأن يضعه عند غيره فيحفظه له. قال: فمن وجد في نفسه القدرة على حفظ الأمانة فإنه يستحب له أن يقبل الوديعة لقوله صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». وهذا حديث أبي هريرة، رواه الإمام البخاري. «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». وحفظك لمال أخيك وقبول الوديعة من هذا؛ من التعاون معه والإحسان إليه. فإذا كان الإنسان يعلم من نفسه أنه عنده قدرة على حفظ هذه الأمانة استحب له قبولها. ولا يجب؛ يعني لو قال: لا أقبلها، ما عليه شيء. لكن يستحب له ما دام عنده استطاعة وعنده قدرة على حفظها فيستحب له ذلك. قال: وأما بالنسبة للمودع فإن إيداعه لهذه الأمانة عند من يحفظها هذا مباح بالنسبة له؛ يكون مباحًا. قال: أما إذا علم من نفسه عدم القدرة على حفظ الوديعة فإنه لا يجوز له قبولها؛ إذا علم من نفسه عدم القدرة على حفظ الوديعة فإنه لا يجوز له قبولها؛ لماذا؟ حتى لا يضيعها على صاحبها. قال: المسألة الثانية: شرط صحتها. قال: أن تكون من جائز التصرف. من هو جائز التصرف؟ من هو؟ يعني إيش وصفه؟ نعم: العاقل البالغ الرشيد. فإذا كان كذلك جاز له أن يضع الوديعة لمن كان مثله؛ أي عاقلًا بالغًا رشيدًا. قال: فلو أودع إنسان جائز التصرف ماله عند صغير أو مجنون أو سفيه فأتلفه فلا ضمان؛ لتفريطه. وإن أودع الصغير ونحوه ماله عند آخر صار الوديع ضامنًا لتعديه بأخذه. يقول: لو أودع إنسان جائز التصرف -يعني إنسان بالغ عاقل رشيد- أودع ماله عند صغير أعطى إنسان عمره عشر سنوات، قال: هذه مئة ألف احفظها عندك. الولد أخذ المئة ألف، وما شاء الله صرفها في الدكان، يعزم أصحابه على حساب الرجال، وخلص المئة ألف. طيب هل له أن يضمنه؟ قال: فأتلفه فلا ضمان؛ ما عليه ضمان. لماذا؟ لأنه فرط؛ هذا من التفريط؛ وضعها عند من ليس أهلًا لحفظها، فهو فرط في ذلك. فحينئذ لا يضمن هذا المال. أو كذلك مجنون وضعها عند مجنون فأتلفها فلا ضمان. أو وضعها عند سفيه؛ إنسان بالغ عاقل لكنه ليس برشيد، عنده سفه وخفة، ما عنده ضبط لتصرف في المال، فلعب بهذا المال وأتلفه فلا ضمان؛ لماذا؟ لأنه فرط في وضع هذا المال عند أمثال هؤلاء. قال: وإن أودع الصغير ونحوه ماله عند آخر ممن هو جائز التصرف؛ صغير وضع ماله عند عاقل، عند رجل بالغ عاقل رشيد. قال: صار الوديع ضامنًا لتعديه بأخذه؛ يعني ليس له أن يأخذه منه وهو غير جائز التصرف. فإذا أخذه فهو ضامن؛ سواء تلف بتعدي أو تفريط أو لم يتلف بتعدي أو تفريط. فما دام أخذه منه وهو ليس أهلًا لأن يأخذ منه المال فهو ضامن له مطلقًا. هذا معنى قوله: صار الوديع ضامنًا؛ يعني مطلقًا لتعديه بأخذه. قال: المسألة الثالثة: في الأحكام المتعلقة بالوديعة. قال: أولًا: الوديعة أمانة في يد المستودع، فلا ضمان عليه إن لم يفرط؛ لأنها أمانة كسائر الأمانات، والأمين لا يضمن إن لم يتعد. لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ». والحديث رواه الدارقطني والبيهقي، وحسنه الألباني رحمه الله بمجموع طرقه. يقول: الوديعة أمانة في يد المستودع، فلا ضمان عليه إن لم يفرط. التفريط يكون في الحفظ؛ يكون في الحفظ بأنه لم يحفظها الحفظ الواجب. والتعدي يكون في الاستعمال؛ التعدي يكون في الاستعمال. فيقول: إذا لم يفرط فلا ضمان عليه؛ لأن تلفها في يده كتلفها في يد صاحبها لا فرق. هذا المؤتمن الأمين إذا تلفت هذه الأمانة في يده وهو لم يفرط في حفظها فتلفها في يده كتلفها في يد صاحبها لا فرق. هذا معنى كلامه. قال: لأنها أمانة كسائر الأمانات، والأمين لا يضمن؛ لأنه محسن، والله عز وجل يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. قال: لا يضمن إن لم يتعد لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ». هذا إذا لم يفرط أو يتعد. وليس على إطلاقه؛ فقوله عليه الصلاة والسلام: «لَا ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ» يعني إذا لم يفرط أو يتعد. قال: ثانيًا: إذا تعدى على الوديعة أو فرط في حفظها فإنه يضمنها إذا تلفت؛ لأنه متلف لمال غيره. التعدي كما قلنا في الاستعمال، والتفريط في الحفظ. إذا تعدى على الوديعة أو دفع عنده سيارة، قال: هذه وديعة عندك احفظها حتى آتي من السفر. الرجل أخذ السيارة يتمشى فيها يمين وشمال ومن هنا وهناك، فتلفت هذه السيارة -مثلا صدم بها- فإنه يضمن هذه السيارة وما حصل لها من تلف؛ لماذا؟ لأنه تعدى؛ استعملها من غير إذن، استعملها من غير إذن. أو أذن له لكنه استعملها فيما لا تستعمل فيه؛ كأن يحمل السيارة شيء فوق طاقتها فتلفت، أو يدخل في أماكن وعرة حتى تعطلت، فإنه يضمنها؛ لأنه تعدى في استعمالها. وهكذا أيضًا إذا فرط في حفظها. قال: أو فرط في حفظها؛ فرط في حفظ هذه الأمانة. أعطاه ذهبًا فوضع الذهب في الصالة -المحل الذي يلعب فيه الأولاد- فسرق؛ فإنه يضمن؛ لأنه فرط في حفظه، ولم يضعه في المكان الذي يحفظ فيه. فيضمن تلف وسرقة هذا الذهب. وقس على ذلك. قال: فإنه يضمنها إذا تلفت؛ لأنه متلف لمال غيره. وهنا أصبح منه شيء من التفريط؛ فلذلك يكون ضامنًا. بخلاف لو لم يتعد أو يفرط كما مر؛ فليس عليه ضمان. قال: ثالثًا: يجب على المستودع حفظ الوديعة في حرز مثلها عرفًا؛ لأن الله عز وجل أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، ولا يمكن ذلك إلا بحفظها. ولأن المقصود من الإيداع الحفظ، والوديع ملتزم بذلك. فإن لم يحفظها لم يفعل ما التزم به. يقول: يجب على المستودع حفظ الوديعة في حرز مثلها. الحرز هو ما يصون الشيء ويحميه. ما يصون الشيء ويحميه. وحرز كل شيء على حسبه. والمرجع في ذلك إلى العرف؛ المرجع في ذلك إلى العرف. قد يختلف الحرز باختلاف الأعراف. مثلا في المدن: حرز الأغنام في الزريبة؛ أن توضع بداخل الزريبة. لكن حرزها في البدو: بين الخيمة وحولها تكون في حرزها. وهكذا أيضًا مثلا حرز الذهب يكون في الصندوق؛ صندوق محكم ومغلق. وهكذا حرز المال كذلك يوضع في الصندوق ويحكم إغلاقه، أو في المكان المعد لحفظ المال. حرز السيارة مثلا: في أن تكون عند البيت أو داخل المكان المعد لحفظها فيه. وقس على ذلك؛ يعني كل مال أو شيء ثمين يكون حرزه على حسب العرف. فيقول: يجب على المستودع حفظ الوديعة في حرز مثلها؛ يعني وعطاه غنمًا أمانة ما يبيتها خارج البيت. صاحب المدينة إذا بيتها خارج البيت وجاء السبع وأكلها يعتبر بهذا مفرط؛ فرط بحفظها؛ لأن حرزها أن توضع في داخل الزريبة. وهكذا مثلا وعطاه سيارة أن يحفظها فجعلها في مكان بعيد من البيت فسرقت أو كسرت أو حصل لها شيء من التلف؛ فإنه يعتبر بذلك مفرطًا؛ لأنه لم يضعها في حرزها. وهكذا إذا أعطاه الذهب فوضع في وسط البيت فسرق؛ يعتبر بهذا مفرطًا ويضمن هذا الذهب الذي سرق. وهكذا كل شيء كما سمعنا على حسب حرزه. قال: لأن الله أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وهذا لا يمكن إلا بحفظها ووضعها في المكان المناسب التي تحفظ فيه. لو أعطاه كتابًا، قال: هذه أمانة؛ هذا الكتاب أمانة عندك حتى أرجع من السفر أو حتى يعني تقرأ فيه ثم ترجعه إليه. طيب عرفًا الكتاب يحفظ في المكتبة؛ يحفظ في المكتبة -المكان المعد لحفظ الكتب- وضع هذا الكتاب عند الأولاد فمزقه؛ هل يضمن؟ الجواب: نعم؛ لأنه فرط؛ فرط في حفظه. لكن لو وضعه في المكان المعد لحفظ الكتب فحصل له شيء -مثلا احترقت المكتبة، وقع عليها شيء من الماء أو نحو ذلك فتلف هذا الكتاب- فحينئذ لا يضمن؛ لأنه غير متعد ولا مفرط. وهكذا لو سرق الذهب من داخل الصندوق؛ وضعه في الصندوق محكم فسرق؛ هل يضمن؟ الجواب: لا؛ لماذا؟ لأنه غير مفرط. طيب لو تعدى في استعمال الذهب؛ أعطاه رجل ذهبًا أمانة يحفظه عنده، فأعطاه زوجته تلبس الذهب وتتجمل فيه عند النساء فسرق -مثلا- أو انكسر أو حصل له شيء من التلف؛ فهو ضامن؛ لأنه تعدى في استعماله. قال: رابعًا: يجوز للمستودع أن يدفع الوديعة إلى من يحفظ ماله عادة؛ كزوجته وعبده وخازنه وخادمه. وإن تلفت عندهم من غير تعد ولا تفريط فلا ضمان عليهم. يقول: يجوز للمستودع أن يدفع الوديعة إلى من يحفظ ماله عادة؛ كزوجته؛ يعني مثلا الآن الرجل إذا عنده مال أو عنده شيء في العادة أنه يعطيه زوجته فتحفظه له. أعطاه الرجل أمانة مال -مثلا- فأعطاه زوجته، قال: احفظ هذا المال عندك؛ كالمعتاد كما يحفظ ماله عندها. أو مثلا عند عبده؛ إذا كان عنده عبد مملوك ويحفظ المال عنده فأعطاه هذه الأمانة. أو خادم الذي يعمل عنده فأعطاه إياه. طيب إذا تلفت عندهم؛ تلفت هذه الأمانة في يد هؤلاء الذين يضع المال عندهم؛ هل يضمن؟ يقول: إذا لم يتعد أو يفرط فليس عليه ضمان؛ إذا لم يحصل منه تعد ولا تفريط من هؤلاء الذين يحفظون له ماله فلا يضمن؛ لماذا؟ لأن هذا مأذون له فيه؛ هذا مأذون له فيه. وما ترتب على المأذون فغير مضمون. ولأنه لم يحصل منه تعد أو تفريط؛ فعلى هذا فلا ضمان عليه؛ كما أنه ربما قد يتلف ماله في أيديهم؛ فكذلك لا فرق بين تلف ماله وتلف مال غيره؛ ما دام أنه أمين. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على