الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 5، ألقاها
يعرف أهل السنة والجماعة توحيد الله بأنه اعتقاد أن الله وحده لا شريك له في عبادته وأسمائه وصفاته وأفعاله. هذا المفهوم يميزهم عن فرق أخرى مثل الجهمية والمعتزلة والأشاعرة.
يختلف تعريف الأشاعرة للتوحيد عن مذهب أهل السنة، حيث يركز الأشاعرة على وحدانية الله في ذاته وصفاته وأفعاله، بينما يشمل توحيد أهل السنة توحيد العبادة وأسماء الله وصفاته. هذا الاختلاف يؤثر على مفاهيم مثل الإرادة والقدرة.
أهل السنة قسموا التوحيد إلى أقسام مختلفة تشمل توحيد الربوبية والألوهية وأسماء الله وصفاته. هذا التقسيم يبرز أهمية توحيد العبادة الذي أهمله الأشاعرة.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى في عقيدة الطحاوي، رحمه الله تعالى، ما ذكره في مقدمته أو تمهيده لهذه العقيدة، وأن هذه العقيدة كتبها على مذهب فقهاء الملة، أبي حنيفة النعمان بن ثابت، وبي يوسف محمد بن الحسن، وما يعتقدون من أصول الدين، وما يدينون به رب العالمين. ثم قال رحمه الله تعالى: نقول في توحيد الله، معتقدين بتوفيق الله، نقول في توحيد الله، معتقدين بتوفيق الله. فقوله: "نقول في توحيد الله"، وهنا بدأ في الكلام على توحيد الله جل وعلا. وتوحيد الله سبحانه وتعالى، أو التوحيد، هو مصدر من وحد يوحد توحيدا، مصدر من وحد يوحد توحيدا، أي جعله واحدا. فتوحيد الله جل وعلا، أي أن يعتقد الإنسان أن الله عز وجل وحده لا شريك له في عبادته، وفي أسمائه وصفاته، وفي أفعاله سبحانه وتعالى. فكل ذلك هو واحد جل وعلا فيه. فلهذا كان توحيد أهل السنة هو الذي أراده الله عز وجل، والذي دلت عليه آيات القرآن، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أن يوحد الله عز وجل في ذاته، وفي صفاته، وفي أسمائه، وفي أفعاله، وكذلك في عبادته. كذلك في عبادته، فهو واحد في صفاته وأسمائه، وكذلك في أفعاله، وكذلك أيضا في عبادته، سبحانه وحده لا شريك له. فتفرد بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات، فهذا هو التوحيد الصحيح عند أهل السنة، خلافا لأهل البدع. فإن عندهم توحيدا، لكن التوحيد الذي عند أهل البدع توحيد مختلف. وكذلك أيضا عند بعض الملحدين من أرباب بعض الأمم أو بعض الملل، وكذلك بعض المنتسبين إلى الإسلام، فتجد أن تعريفهم للتوحيد أو اعتقادهم للتوحيد خطأ. فذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في آخر كتابه "مدارج السالكين" تعريفا لتوحيد عند بعض الفرق، وكيف يعتقدون بهذا التوحيد. فذكر أولا توحيد أرسطو وأتباعه ممن تبعه، كابن سينا والطوسي وغيرهم من الملاحدة. فالتوحيد عندهم أن يجردون الله عز وجل من الماهية والصفات، فيقولون: التوحيد هو تجريد الله عز وجل من الماهية والصفات، أو تجريد وجوده من الماهية والصفات. معنى أنهم يؤمنون بأن الله موجود، لكن ليس له أسماء، وليس له صفات، وليس له ماهية أصلا. وهذا الإلحاد بعينه. فذكر الإمام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله أيضا توحيد الجهمية، وقال: هو نفي الأسماء والصفات. عندهم التوحيد هو نفي الأسماء والصفات. وعند القدرية المعتزلة هو نفي القدر. وكذلك عند غيرهم من أهل الباطل، فكل أهل الباطل سموا باطلهم توحيدا. وأيضا مما ينبه عليه، وهو لا بد من التنبيه عنه، توحيد الأشاعرة. وهذا اختلط كلامهم عند بعض من ظن فيهم أنهم من أهل السنة، أو بعض من اشتهر بالعلم، كالغزالي، وكذلك الجويني وغيرهم. فهم يأتون بمثل هذا التعريف، فيظن الظان أن هذا تعريفا صحيحا. فقد رأيت بعض الكتب المعاصرة، بعض من لا خبرة له بعقيدة أهل السنة، يذكر مثل هذا التعريف. فتجد في بعض كتب الأشاعرة، خاصة في كتب الرازي، وكذلك عند الجويني، يقولون: أن توحيد الله عز وجل هو أن يعتقد وحدته في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله. على الإنسان لما يسمع مثل هذا الكلام، يقول: هذا كلام صحيح. وهذا هو التوحيد. لهذا بعضهم لم يعرف ما القوم أرادوا، فظن أن هذا مذهب أهل السنة في توحيد الله جل وعلا. وهذا ليس بمذهب أهل السنة أبدا. فهذا يخالف مذهب أهل السنة. فقالوا: أن اعتقاد أن الله عز وجل واحد في ذاته، يريدون أن الله عز وجل واحد في ذاته، أي أنه لا يقبل التجزئة، أي هو واحد لا يتجزأ. هكذا يقولون. وأيضا يقولون: في ذاته وفي صفاته، يريدون واحد في صفاته، أي الصفات الواجبة كما يقولون. والصفات التي ثبتت بالعقل، فهذه لا يشارك الله عز وجل فيها أحد، مثل الصفات السبع. كذلك الصفات الواجبة، كقيامه تعالى بنفسه، ومخالفته للحوادث، ووحدانيته، وغيرها من هذه الصفات التي يذكرونها، وهي سبع صفات. ويذكرون أيضا سبع أحوال، أو سبع صفات وسبع أحوال، وسبع صفات أيضا: العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. فهذه سبع صفات يثبتونها، ويثبتون كذلك أحوالها، أي أنه ذو علم، وذو حياة، وذو إرادة، وذو قدرة، وذو سمع، وذو كلام، وذو بصر. ومن ثم أيضا يثبتون الصفات التي يسمونها واجبة الوجود. فهذه عشرون صفة يثبتونها، ويقولون: أن الله عز وجل يوحد فيها. فلهذا تجد عند مثلا الأشاعرة، الإرادة مثلا، إذا أثبتها لشيء، فعندهم يقول: أنت مشرك. أن الإنسان إذا أثبت إرادة لشيء، فيقولون: هذا مشرك. ولهذا صاروا جبرية في القدر. فمثلا لو قال إنسان: كسر الحجر الزجاج، يقولون: هذا شرك. وإنما يقولون: إن كسر الزجاج بسبب الحجر، ليس الحجر كسر الزجاج. فقالوا: إذا قلت: كسر الحجر الزجاج، فإنك جعلت للحجر إرادة، فعلت للحجر إرادة. وهذا قالوا شرك. وهذا يعتبر باطل. فالله عز وجل جعل حتى للجمادات جعل لها إرادة، كما قال في الجدار في قصة موسى مع الخضر: "جدارا يريد أن ينقض فأقامه". يريد أن ينقض، فالله عز وجل أثبت للجدار إرادة. وقد أيضا تعارف الناس أن قول الإنسان مثلا: احترق البيت بالنار، ليس أن النار هي التي أحرقت البيت، وإنما بسبب النار. وهذا من لغة العرب. لكن هؤلاء لأن دخل فيهم الدخيل، ليسوا من العرب، وكذلك أخذوا بعض علوم اليونانيين وغيرهم، فخلطوا في مثل هذه الأمور. فقالوا في توحيد الله عز وجل: أننا نعتقد أن الله عز وجل واحد في ذاته، وواحد في صفاته، فأثبتوا هذه العشرين صفة، وأن الله عز وجل واحد فيها. وكذلك أيضا واحد في أفعاله، وأفعال الله عز وجل، أي ربوبيته. وأما عبادته، معنى أنه واحد في عبادته، فلا يذكرونه. ولهذا من فتش في كتب الأشاعرة، سواء كان في العقيدة أو في غيرها، ما يجد فيها توحيد العبادة أبدا. مع أن صراع الرسل بينهم وبين أقوامهم هو في توحيد العبادة، ليس في توحيد الربوبية. وتجد أن هؤلاء ما يكتبون هذا التوحيد في كتبهم، ولا يذكرونه. بل في تعريفهم هذا للتوحيد، ما يذكرون توحيد العبادة. وانظر إلى كتاب الغزالي "إحياء علوم الدين"، أنه سماه "إحياء علوم الدين"، وأصل الدعوة وأصل الدين ليس موجودا فيه، وهو توحيد الله عز وجل بالطاعة والعبادة، ليس موجودا فيه أبدا. وكأنه ليس من الدين توحيد الله عز وجل بالطاعة والعبادة، وهو أصل التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأنزل الله عز وجل من أجله الكتب. فلهذا وهذا بسبب جهلهم وإغواء الشيطان لهم، فذكروا مثل هذا التوحيد، فتوحيد الأشاعرة باطل. ولهذا أهل السنة رحمهم الله قالوا: أن توحيد الله جل وعلا، أن يوحد الله في ربوبيته، وفي أسمائه وصفاته، وكذلك في عبادته وحده لا شريك له. أن يكون الله عز وجل هو الذي تصرف له العبادة، ويعتقد في صفاته وأفعاله وأسمائه سبحانه وتعالى، وأنه لا شريك له في ذلك. فلهذا كما قلنا هذا هو الذي كان بين الرسل وأقوامهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. فتكون العبادة لله، فكيف يكون توحيد بدون عبادة لله؟ ويجوز أن الإنسان يعبد غير الله جل وعلا، أو يصرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. ولهذا وقع كثير من هؤلاء في الشرك بالله، وقع كثير من الأشاعرة في الشرك بالله والعياذ بالله. وقد قسم أهل السنة توحيد الله جل وعلا إلى أقسام، فمنهم من قسمه إلى ثلاثة أقسام، وهو تقسيم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات. ويشبهه أيضا أي تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، يشبهه ما ذكره الإمام ابن منده في كتاب "الإيمان"، وكذلك الإمام ابن خزيمة في كتاب "التوحيد"، قسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام، وإن كانت مسمياتهم أخرى. وأيضا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أنه أيضا ينقسم إلى قسمين: توحيد القصد والمعرفة، وتوحيد الطلب والإرادة، وهو توحيد الألوهية. والأول توحيد الربوبية والأسماء والصفات. وغيرها من هذه التقاسيم التي كلها تدل على معنى واحد، وهو أن التوحيد لأن الله عز وجل يوحد في ربوبيته، وفي ألوهيته، وفي أسمائه وصفاته. فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.