الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 22، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أدلة اسمي الله "الكبير" و"العظيم" من القرآن الكريم، موضحاً أنهما يدلان على ثبوت كمال العظمة في صفات الله الذاتية. كما يبيّن أن هذين الاسمين يقتضيان وجوب تعظيم الله وحده بالعبادة والطاعة وتعظيم ما عظّمه من أزمنة وأماكن وأشخاص وأعمال.
يوضح المقطع أن تعظيم الله يتجلى في تعظيم ما عظّمه من الأوقات كرمضان والعشر من ذي الحجة، والأماكن كالكعبة والمساجد، والأشخاص كالأنبياء والوالدين والعلماء، والأعمال كالصلاة. ويشير إلى أن التأمل في خلق السماوات والأرض والتكبير في العبادات يعبّران عن هذا التعظيم.
يشرح المقطع معنى "الله أكبر" بأن الله أعظم من كل مخلوق، فينصرف العابد عنه إلى الله وحده، مستدلاً بأسماء الله "الكبير" و"العظيم" والحديث القدسي الذي يثبت أن الكبرياء والعظمة لله وحده. ويبين أن المتكبرين يحشرون أذلاء، وأن المشركين لم يقدروا الله حق قدره حين صرفوا الخضوع للمخلوقات الضعيفة تاركين خالق السماوات والأرض.
يستنكر المتحدث تعظيم الناس لقبور أو أشخاص لا يستطيعون جلب نفع أو دفع ضر عن أنفسهم، معتبراً ذلك ضلالاً واضحاً. ويختم بالتأكيد على أن لا حول ولا قوة إلا بالله.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": اسم الله الكبير والعظيم. وكما تقدم أن الأسماء توقيفية، لا بد من ورود أدلتها في الكتاب والسنة في أحدهما. ودليل اسم الله الكبير: قول الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. وهكذا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾. وهكذا في أدلة اسم الله العظيم: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. والأدلة على هذين الاسمين كثيرة. وأما معنى هذين الاسمين، فيشتمل هذان الاسمان على نوعين من المعاني: المعنى الأول: يرجع هذان الاسمان إلى صفاته سبحانه، وأن له جميع معاني العظمة والإجلال. جميع معاني العظمة والإجلال ترجع إلى هذين الاسمين، كالقوة لا تكون إلا من كبير وعظيم، والعزة لا تكون إلا من كبير وعظيم. وهكذا كمال القدرة وسعة العلم ونحو ذلك، فكل هذا يرجع إلى صفات الله سبحانه وتعالى. ومن ذلك أيضًا ومن عظمته في هذا المعنى: أن السماوات السبع والأرضين السبع في يد الله عز وجل كخردلة في يد أحدنا. وهذا جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فهذا يدل على عظمة الله سبحانه وتعالى في صفاته، وأنه عظيم سبحانه وتعالى في جميع صفاته سبحانه وتعالى. هذا معنى. والمعنى الآخر من معاني هذين الاسمين: أنه لا يستحق أحد التعظيم والتكبير والإجلال والتمجيد غيره، فلا يستحق العبادة إلا هو سبحانه وتعالى لأنه الكبير. فيجب على عباده أن يعظموه حق تعظيمه، أن يعظموه حق تعظيمه بقلوبهم وألسنتهم وأعمالهم ونحو ذلك. ولذلك فإن من تعظيم الله عز وجل أن يعبد فلا يُعصى. كلما ابتعد المسلم عن المعصية كان ذلك دليلًا على تعظيمه لله سبحانه وتعالى. فمن معاني العظمة في هذا النوع: أن يطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر. كل هذا من معاني عظمته سبحانه وتعالى. وهكذا من معاني العظمة في هذا النوع: أن لا يستحق أحد التعظيم، أن يُخضع لأمره وشرعه، أن يُخضع لأمره وشرعه وحكمه، فلا يعترض أحد على أحكام الله لا الشرعية ولا القدرية. هذا من تعظيم الله سبحانه وتعالى، من تعظيم الله عز وجل. وهكذا من تعظيمه سبحانه وتعالى: تعظيم ما عظمه عز وجل من زمان ومكان وأشخاص وأعمال. قولنا من زمان: أي تعظيم الأزمنة الفاضلة. عظم الله واختار الله أيامًا وليالي فضلها على غيرها، مثل الليالي الأخيرة من رمضان فهي ليالي معظمة لأن فيها ليلة عظيمة وهي ليلة القدر، وقد عظمها الله. فمن تعظيم الله تعظيم هذه الليالي. وهكذا شهر رمضان عظمه ربنا عز وجل وفضله على غيره من أشهر السنة، فمن تعظيم الله تعظيم هذا الشهر لصيامه وقيامه والكف عن الكلام البذيء والأفعال السيئة لشرف الزمان. وهكذا عظم الله عز وجل الأشهر الحرم، فقال: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. فمن تعظيم الله عز وجل تعظيم هذه الأشهر. وهكذا فضل الله عز وجل العشر الأولى من ذي الحجة، وأن العمل الصالح فيها أحب إلى الله من غيرها حتى من الجهاد في سبيل الله كما جاء في حديث ابن عباس. فمن تعظيم الله عز وجل تعظيم هذه الأيام. هذا مما يدل عليه هذا الاسم. وهكذا تعظيم ما عظمه الله عز وجل من الأمكنة، كتعظيم بيت الله الحرام، وكتعظيم الكعبة، وكتعظيم كذلك المساجد. فقال عز وجل: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. دليل على تقوى ذلك المعظم. وهكذا الأشخاص: من تعظيم الله تعظيم الأشخاص الذين أمرنا بتعظيمهم التعظيم الشرعي، كتعظيم الأنبياء والمرسلين وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكتعظيم وإجلال الآباء والأمهات، وكذلك تعظيم وإجلال العلماء وكبار السن. فإنه جاء في الحديث: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط». وكل ذلك يدخل في تعظيم الله سبحانه وتعالى. وهكذا تعظيم بعض الأعمال، كتعظيم مثلا أمر الصلاة. فمن عظم شأن الصلاة هذا دليل على تعظيمه لله عز وجل، وغيرها من الأعمال. وكل هذا من معاني هذه الأسماء. وأما المعنى الأول وما يرجع إلى صفاته، فهذا أيضًا فيه معانٍ كثيرة. منها: النظر إلى خلق الله، فهذا الخلق العظيم يدل على عظمة خالقه. فانظر إلى هذه السماوات السبع وما فيهن من النجوم السيارة، ومن كذلك الخلق المحكم الذي ليس فيه ثقب ولا خلل ولا نقص. وهكذا انظر إلى هذه الأرض وما فيها من البحار والأنهار والجبال والوديان، خلق محكم. وانظر إلى اختلاف الليل والنهار ولا يسبق أحدهم الآخر. وانظر إلى عظمة ما خلق على وجه هذه الأرض، فلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت. فهذا الخلق العظيم يدل على عظمة الخالق، يدل على عظمة الخالق. ولهذا شرعت التكبيرات في عبادات كثيرة، لماذا؟ لأنها تدل على عظمة وكبرياء من تصرف له العبادة. عندما تدخل إلى الصلاة ماذا تقول؟ الله أكبر. هل تدري ما معنى الله أكبر؟ يعني الله أكبر من كل شيء، بمعنى أنك أقبلت على الله في هذه العبادة وتركت كل مخلوق، فلا يشغلك عن هذه الصلاة دنيا ثانية فهي أحقر، وهي كذلك لا تساوي عند الله جناح بعوضة. وهكذا تركت الأموال والزوجات والأعمال وأقبلت على الله، فالله أكبر من كل شيء. وهكذا شرع الله عز وجل التكبير بعد اختتام عبادة الصيام، قال الله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. وهكذا عند ذبح الهدي، ماذا قال؟ ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. لتكبر الله على ما هداكم. فالله عز وجل أكبر من كل شيء سبحانه وتعالى. قال الشيخ: الكبير العظيم، أي الذي له الكبرياء نعتًا والعظمة وصفًا. يعني بالمعنى الأول أن معنى هذين الاسمين يرجعان إلى صفاته سبحانه وتعالى. قال تعالى في الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار». رواه أحمد وأبو داود. فالذي يعبد غير الله فقد جعل هذا المعبود عظيمًا كبيرًا، وقد نازع الله عز وجل في هذا الحق، ألا وهو إخلاص العبادة لله عز وجل وحده. ولذلك المتكبرون يحشرون يوم القيامة مثل الذر حقراء أذلاء، والجزاء من جنس العمل. لما طلبوا الكبرياء والعلو في الأرض جزاهم الله عز وجل بالذل والمهانة والضعة يوم القيامة. قال: فله سبحانه وتعالى الكبرياء والعظمة، الوصفان اللذان لا يقدر قدرهما ولا يبلغ العباد كنههما، يعني حقيقتهما. قال: والمسلم إذا اعتقد وآمن بأن الله سبحانه وتعالى أكبر من كل شيء، وأن كل شيء مهما كبر يصغر عند كبرياء الله، الدنيا مهما كبرت في أعين بعض الناس فهي حقيرة، فهي ذليلة عند كبرياء الله عز وجل وعظمته. وهكذا كل شيء مهما كبر في أعين بعض الناس فهو عند الله صغير. قال: وأن كل شيء مهما كبر يصغر عند كبرياء الله وعظمته، ذل لربه وانكسر بين يديه، وصرف له أنواع العبادة، واعتقد أنه المستحق لا دون سواه، وعرف أن كل مشرك لم يقدر ربه العظيم حق قدره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. سبحانه: يعني أنزه الله العلي العظيم عما يفعله المشركون، عما يفعله المشركون. قال: وسبحان الله، أين ذهبت عقول المشركين حين صرفوا ذلهم وخضوعهم إلى مخلوقات ضئيلة وكائنات ذليلة لا تملك لنفسها شيئًا من النفع والضر، فضلًا عن أن تملكه لغيرها، وتركوا الخضوع والذل للرب العظيم والكبير المتعال والخالق الجليل الذي عنت له الوجوه وخشعت له الأصوات ووجلت القلوب من خشيته وذلت له الرقاب. تبارك الله رب العالمين. وهذا واقع في عباد القبور، كيف تجدهم معظِّمين لهذه القبور، فهم أمامها أذلاء، وكذلك خاضعون لهذه القبور. فأين ذهبت عقولهم؟ أين ذهبت عقولهم إذ يعظمون شخصًا أو قبرًا لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا أن يملك ذلك لهم؟ ولكنه الضلال، ولا حول ولا قوة إلا بالله. نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى أعلم.