الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 25، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُذكر اسم الله "الواسع" في عدة آيات قرآنية، ويدل على سعة صفات الله ونعوته وأفعاله التي لا تُحصى. فهو واسع العظمة والسلطان والملك، وواسع الفضل والإحسان، وعلمه ورحمته وسعتا كل شيء.
علم الله وسع كل شيء، ورزقه يغني الفقراء عند الزواج، ومغفرته تتسع لكل الذنوب، وثوابه يضاعف العمل القليل إلى أجر عظيم. هذه الدلالات تظهر سعة الاسم في جوانب الحياة المختلفة.
الإيمان باسم الله الواسع يملأ قلب المؤمن بمراقبة الله، وطلب رحمته ورزقه بالأسباب الشرعية مع التوكل عليه، وعدم القنوط من مغفرته الواسعة. ومن شواهده أن الشريعة جاءت مبنية على اليسر والسعة والرحمة، فلم يكلف الله العباد إلا ما يطيقون.
الصلاة والصيام والحج بُنيت على التيسير والرحمة والسعة من الله، مما يعكس رحمته الواسعة بخلقه. لذا يُحمد الله كثيرًا على ما منّ ويسّر، سائلين القبول والرضا.
الحمد لله محمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله تعالى في كتاب مختصر فقه الأسماء الحسنى للشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله: اسم الله الواسع. تكرر في عدة مواضع من القرآن، وما هي هذه المواضع؟ قوله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ وكان الله واسعًا عليمًا ﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا والله واسع عليم ﴾. سيأتي معنا أيضًا ذكر هذا الاسم في مواضع أخرى، وهو ثابت في عدة مواضع من القرآن. وما معناه؟ قال: ومعناه الواسع في الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه: واسع العظمة. وهذا ورد في حديث قول النبي عليه الصلاة والسلام: « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ». فصفاته واسعة، ونعوته واسعة، وأفعاله سبحانه وتعالى واسعة، لا يحصي أحد ثناء عليه. فمهما وصفه الواصفون وأثنى عليه المثنون، لا يحصون ثناء عليه سبحانه وتعالى؛ لأنه الواسع سبحانه وتعالى. فهو واسع العظمة والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم. كل هذا من متعلقات هذا الاسم. فهو واسع العظمة، فهو العظيم سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته ونعوته وأعماله، وكذلك في سلطانه، فهو سبحانه وتعالى بيده كل تلك المخلوقات، يدبرها ويحكم فيها بحكمه وأمره سبحانه وتعالى. وهكذا واسع في ملكه، فلا يعلم ملك الله إلا هو، وما يعلم جنود ربك إلا هو. انظر إلى سعة هذا الكون بما فيه من سماوات وأرض، ومن جبال وأنهار وأشجار وأودية وصحارٍ، فأرض الله واسعة، وخلق الله واسع، وملك الله واسع، وكل ذلك يشمله معنى هذا الاسم. وهكذا واسع الفضل والإحسان، فهو الجواد الكريم سبحانه وتعالى الذي يرزق جميع خلقه بواسع فضله سبحانه وتعالى، وهذا أيضًا من معاني هذا الاسم. قال: وقال تعالى في بيان سعة علمه ورحمته: واسع العلم والرحمة. فعلمه قد أحاط بكل شيء، فما من شيء في هذا الكون إلا وهو يعلمه سبحانه وتعالى. وهكذا رحمته وسعت كل شيء، حتى الحيوانات رحمها الله عز وجل، بل حتى الكفار والعصاة، فالله يرحمهم بما يعطيهم من رزقه، ومن الصحة، ومن الهواء، ومن متاع هذه الدنيا، فرحمته وسعت كل شيء. قال عز وجل في بيان سعة علمه ورحمته: ﴿ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا ﴾، ﴿ وسع ربي كل شيء علمًا ﴾، ﴿ أفلا تتذكرون ﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿ إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علمًا ﴾. وقال تعالى في بيان سعة رزقه أيضًا: من معاني هذا الاسم سعة رزق الله عز وجل، كم يرزق ربنا عز وجل من خلقه، لا يعلمهم إلا هو سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم ﴾. هذه الآية فيمن خاف الفقر إذا تزوج الفقراء، قل: هذا فقير، كيف يزوجه؟ كيف ينفق على زوجته؟ فبيّن الله عز وجل أن رزقه واسع، وكما رزق هذا الفقير سيرزق من يأتي به هذا الفقير من زوجه. قال الله عز وجل: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ﴾. ولذلك قال بعض السلف: اطلب الغنى في الزواج، إذا تريد الغنى فمن أسباب الغنى أن تتزوج؛ لأن الله عز وجل ماذا قال في هذه الآية؟ ﴿ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ﴾. لا تقل: أنا ما عندي، كيف أتزوج؟ وكيف أنفق؟ أو كيف هذا فقير كيف أزوجه وما عنده شيء؟ يا أخي، رزق الله واسع. ولذلك ذكر هذا الاسم بعد ما حث على تزويج الفقراء: ﴿ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم ﴾، ﴿ والله واسع عليم ﴾. وهكذا قال تعالى في بيان سعة مغفرته: الله عز وجل واسع المغفرة، مهما أذنب العبد ومهما أسرف على نفسه، فالله عز وجل واسع المغفرة، يغفر الذنوب جميعًا، كما قال الله عز وجل: ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إن الله يغفر الذنوب جميعًا ﴾. فمغفرة الله عز وجل واسعة. وهكذا قال سبحانه وتعالى في بيان سعة ثوابه: أن الله عز وجل يثيب العبد بالعمل القليل الأجر العظيم، وهذا من سعة ثواب الله عز وجل. يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ﴾. والله واسع يعطي الثواب العظيم للعمل القليل، فيضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم. وهذه المعاني لا شك أنها تؤثر على قلب المؤمن، إذا آمن العبد بأن الله واسع في علمه ورحمته فهو يراقب الله، وهو كذلك يطلب رحمة الله ولا يقنط. لا تنفجر هذه، اطفوها، ما تنفجر، أيش مسبب ضعف الكهرباء، وماذا ها. فقلنا: العبد إذا آمن بهذا الاسم لا شك أنه يؤثر على قلبه، فإذا آمن أن الله عز وجل واسع العلم والرحمة راقب الله وطلب رحمة الله وتعرض لها، فعرض لرحمة الله سبحانه وتعالى. وهكذا إذا علم أن الله عز وجل واسع الرزق فإنه يتسبب لجلب هذا الرزق بالأسباب الشرعية، ويكون قلبه مطمئنًا هادئًا بأن الله عز وجل سيرزقه. الله عز وجل إذا أعطى عبدًا من عباده رزقًا لا يأخذه من مخلوق آخر، وإنما يعطيه الله عز وجل هذا الرزق فضلًا ومنة وسعة منه سبحانه وتعالى، فهو الرزاق ذو القوة المتين، وهو واسع الرزق سبحانه وتعالى. فاطلب ذلك من الله ولا تيأس، ولا تقول: ما وجدت، ما كذلك وفقت، لا تقول ذلك. بعض الناس يريد الرزق يأتيه إلى بيته لا يتسبّب ولا يتخذ الأسباب الشرعية في طلب الرزق، هذا خطأ. علّق قلبك بالله واتخذ الأسباب الشرعية، والله عز وجل واسع الرزق يرزقك من حيث لا تحتسب. وهكذا يؤثر ذلك في قلبك بالرجوع إليه والإنابة، ولا تقنط من رحمة الله ومن مغفرته، فمهما أذنب وأسرفت على نفسك بالذنوب والمعاصي، فإنك تعلم أن لك ربًّا واسع المغفرة، وترجع إليه وتطلب غفران الذنوب وتكفير السيئات. وهكذا تعمل العمل وأنت ترجو أن يثيبك الله عز وجل عليه الثواب العظيم، وكل هذا من أثر هذا الاسم على قلب المؤمن. قال المؤلف: ومن شواهد اسمه الواسع أنه سبحانه وسع على عباده في دينهم، فلم يكلفهم، فلم يكلفهم ما ليس في وسعهم. وهذا أيضًا من شواهد هذا الاسم، أنه وسع على عباده في دينهم فلم يكلفهم ما لا يطيقون، شرع لهم من الشرائع ما تتلاءم مع طبيعة خلقتهم: ﴿ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ﴾، ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾، ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾. فالناظر في هذه الشريعة يراها أنها مبنية على الرحمة والسعة. بل وسع عليهم حتى في أرزاقهم وفي أجسادهم وما يتمتعون به، فأحل للرجل أن يتزوج بأربع نسوة تمتعًا بهذه الشهوة وهذه النعمة. وهكذا شرع لهم الأعياد يوسعون على أنفسهم وعلى أهاليهم من طيبات هذه الدنيا من المأكولات والمشروبات، وهذا من ديننا أن جعل لنا في ديننا فسحة. وهكذا في الصلاة والصيام والحج، فإن هذه العبادات مبناها على التيسير والرحمة، مبناها على التيسير والرحمة والسعة. فهذا من رحمة الله وسعته بخلقه. قال: فلله الحمد على ما منّ ويسر، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، اللهم آمين. نكتفي بهذا، وإلهنا، والحمد لله رب العالمين. شكرًا، شكرًا.