الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 24، ألقاها
يشرح المقطع حديث أسامة بن زيد حول صيام النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين سند الحديث ورواته، حيث يروي أن النبي كان يصوم يومي الاثنين والخميس لأن الأعمال تعرض فيهما على الله. الحديث حسن الإسناد ورجاله ثقات.
يتناول تحليل آراء العلماء حول تعيين الأيام للصيام، ويخلص إلى أن الجمهور يرى جواز تعيين أيام للصيام استنادًا إلى أحاديث متعددة، مثل صيام يومي الاثنين والخميس أو ثلاثة أيام من كل شهر.
أفضل صيام التطوع هو صيام يوم وإفطار يوم، ويمكن صيام يومي الاثنين والخميس أو ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل أن تكون أيامًا بيضًا. الطاعات تحتاج إلى تدريب وترويض للنفس، فيبدأ الإنسان بأهداف صغيرة ويزيدها تدريجيًا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي رحمه الله في مسند أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنه. قال النسائي رحمه الله: أخبرنا عمر بن علي، وعمر بن علي هو الفلاس الصيرفي، كان من حفاظ أصحاب يحيى بن سعيد القطان، وهو كثير الرواية عن يحيى بن سعيد رحمه الله، وأيضًا له كلام في الرجال، ونقل أيضًا عن يحيى بن سعيد كثيرًا من الكلام في الرجال والعلم والحديث، وهو من أكبر مشايخ النسائي. النسائي هو من أصغر أهل الكتب المصنفة من أئمة الستة، الإمام النسائي رحمه الله، أبو عبد الرحمن النسائي، أحمد بن شعيب، وهو من نسا، وهي منطقة من خراسان، وهو إمام من أئمة العلم. كان الإمام الدارقطني يفضله على مسلم، يقول: إن النسائي أعلى من مسلم. وكما قلنا هو آخر أهل السنن، الأصغرهم، فعمر بن علي يعتبر من أكبر مشايخه، وأعتبر من أكبر مشايخه، وهو أيضًا عمر بن علي يعتبر من مشايخ البخاري ومسلم. قال عبد الرحمن -وعبد الرحمن هو ابن مهدي، أبو سعيد البصري، الإمام الحافظ، كبير حفاظ البصرة- كان الإمام أحمد يعظمه ويجله، قال: كان من أئمة المسلمين والحفاظ، وهو ألصق بسفيان الثوري من يحيى بن سعيد، ويحيى بن سعيد ألصق بشعبة من سفيان. أقصد أن العلماء لما يقولون ألصق أي أنه ملازم، عبد الرحمن بن مهدي كان أكثر ملازمة لسفيان الثوري، وإن كان هو في الكوفة، ويحيى بن سعيد ألزم لشعبة. ولهذا من أوثق الناس في سفيان هو عبد الرحمن بن مهدي، بل بعضهم كالإمام أحمد وغيره يفضله على كل من روى عن سفيان، وبعضهم يجعله هو وكيع في منزلة واحدة. وكيع بن الجراح قال عن عبد الرحمن قال: حدثنا ثابت بن قيس، أبو الغصن، شيخ من أهل المدينة، وهو شيخ ثقة، ضعفه قال: لا بأس به، لا بأس به. ولهذا قال الشيخ هذا حديث حسن؛ لأن بعض العلماء لم يوثق ثابت بن قيس ذاك التوتين، فجعله حديث حسن، وإلا بقية الرواة هم من ممن أخرج لهم البخاري ومسلم. قال: حدثني أبو سعيد المقبري، وهو سعيد بن أبي سعيد، أو هو سعيد بن أبي سعيد المقبري، وهو من رواة أبي هريرة رضي الله عنه، وأيضًا يروي عن أسامة وعن غيره، كان من علماء أهل المدينة، وقيل له المقبري، قيل لأنه كان يسكن عند المقبرة، عند المقبرة، فقيل له مقبري، وليس أنه يحفر القبور ولا غير ذلك، وإنما لأنه كان يسكن قرب المقبرة، مقبرة البقيع. قال: حدثني أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول الله، إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم إلا يومين إن دخل في صيامك وإلا ضممتهما. قال: أي يومين؟ قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس. قال: «ذلك يومان تعرض فيهم الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». قال: وأخبرنا أحمد بن سليمان قال: حدثنا زيد بن الحباب، وزيد الأجل المصري، وهو ثقة، إلا أن له أوهام، ثقة لكنه له أوهام. قال: أخبرني ثابت بن قيس بن قيس الغفاري، وهو أبو الغصن هذا. قال: حدثني أبو سعيد المقبري قال: حدثني أبو هريرة عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسرد الصوم، فيقال: لا يفطر، ويفطر فيقال: لا يصوم. قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث حسن، وهو من المزيد في متصل الأسانيد؛ فأبو سعيد المقبري تارة يرويه عن أسامة بن زيد، وقد صرح بالتحديث منه، وتارة يرويه عن أبي هريرة عن أسامة بن زيد. هذا حكم الشيخ رحمه الله. وممكن أن يقال: إنه لعله وهم من زيد بن الحباب، قد يكون زيادة أبي هريرة هنا وهم من زيد بن الحباب؛ لأن زيدًا ليس مثل عبد الرحمن بن مهدي، فعبد الرحمن بن مهدي حافظ إمام، ويأتي بالحديث بألفاظه، حتى قال الإمام أحمد: ما رأيت أحدًا يأتي الحديث بألفاظه كعبد الرحمن، أنه يأتي به مثل ما سمعه، وهذا لشدة حفظه وقوة حفظه. فلهذا فهو لا يقارن بزيد بن الحباب، فممكن أن يكون زيد وهم في ذلك، فذكر أبا هريرة، فهو يعتبر من الشاذ، يعتبر من الشاذ. وإنما يقال: إنه يعتبر من المزيد في متصل الأسانيد إذا كان راويه ثقة، وهو أيضًا لم يكن عنده أوهام، أو أنه قد توبع في ذلك، فلهذا فهنا ممكن أن يكون ذكر أبي هريرة شاذًا، وإلا يكون كما قال الشيخ: هو من المزيد في متصل الأسانيد. وجعل الشيخنا الوهم من أبي سعيد المقبري، تارة يروي عن أسامة بن زيد، وتارة يروي عن أبي هريرة عن أسامة بن زيد. هذا الحديث بعض العلماء يضعف هذا الحديث، يقول: إن ثابت بن قيس مجهول، عند بعضهم يقول: مجهول، لكن وثقه ابن معين وغيره، وهذا يدل على توثيقه. لكن ذكر الإمام المعلمي أن ابن معين يمشي على قاعدة، وهي أنه إذا رأى حديث التابعي مستقيمًا يوثقه، وإن لم يعرف حديثه، وإن لم يعرف شيء عنه إلا هذا الحديث، ولو حديثًا واحدًا وثقه. فلهذا بعض العلماء أخذ بهذه القاعدة كالإمام النسائي رحمه الله، ومنهم من لم يأخذ بها كالإمام أحمد وغيره. فلهذا أخذ هنا الشيخ لعله قال: هذا حديث حسن بسبب هذا. هذا الحديث يخبر فيه أسامة بن زيد أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء منها أنه قال له: «إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر»، وهذا الحديث نفسه الذي فيه في صيام النبي صلى الله عليه وسلم شهر شعبان. فقال: «ذاك شهر يغفل عنه الناس»، لكن الشيخ حذف تلك العبارة، ولعله لا يراها صحيحة، والله أعلم. قال أسامة: قلت يا رسول الله، إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم إلا يومين إن دخل في صيامك وإلا ضممتهما. قال: أي يومين؟ قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «ذانك يومان تعرض فيهم الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». فهذا الحديث يخالف ما جاء عن عائشة رضي الله عنها، وقد باب عليه الإمام البخاري بابًا: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعين يومًا يصوم فيه»، لا يعين يومًا يصوم فيه. ثم ذكر حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصوم حتى يقال: إنه لا يفطر، ويفطر حتى يقال: إنه لا يصوم»، أنه يسرد الصوم أحيانًا، وأحيانًا يفطر بعض الأيام، ولا يصوم إلا بعد كم يوم. فاستدل بهذا الإمام البخاري على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعين أيامًا للصيام، لم يكن يعين أيامًا للصيام. وهذا قال به بعض التابعين كذلك. والظاهر أنه يرجع إلى ما قاله مالك رحمه الله، وجماهير العلماء على أنه يجوز تعيين بعض الأيام للصيام، وخاصة الاثنين والخميس، وكذلك الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر الهجري، وهي التي تسمى أيام البيض. وقد جاء وصح ذلك في حديث أبي ذر عند مسلم، وكذلك كما قلنا يوم الاثنين والخميس، وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتحرى صيام يوم الاثنين ويوم الخميس، وسئل عن ذلك، فقال: «يوم الاثنين يوم ولدت فيه»، وقال: «يوم الخميس يوم تعرض فيه الأعمال». فالظاهر أنه يصح لكثرة الأحاديث في هذا، أي أن الخميس هو اليوم الذي تعرض فيه أعمال الأسبوع، وأيام السنة تعرض على تصحيح حديث النصف من شهر شعبان، تعرض في النصف من شهر شعبان. فلهذا في الحديث تكاثرت بهذا المعنى، وهذا يدل على صحة هذا الأمر، وعلى أنه له شواهد. وأما من ضعف هذا الحديث فهو مخطئ؛ لأنها ليست حديثًا واحدًا، ولا اثنين، ولا ثلاثة، بل أحاديث كثيرة. فلهذا القول الصحيح هو قول جمهور العلماء: أنه يجوز تعيين يوم مثل ما جاء في السنة، مثل ما جاء في السنة. بل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء عنه من حديث أبي سلمة أنه كان يصوم من الشهر السبت والأحد، صوم من شهر السبت والأحد، فدل على أنه أيضًا يصوم هذه الأيام ويعينها، السبت والأحد، لكن أكثر التحري في الصيام كان يتحرى يوم الاثنين ويوم الخميس، يوم الاثنين ويوم الخميس، كان يتحرى حتى قال أسامة رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: «إلا يومين إن دخل في صيامك وإلا ضممتهما»، معنى ذلك أيضًا يصدق حديث أبي هريرة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم الاثنين ويوم الخميس». وأما قول ابن عباس كما جاء في الصحيحين في حديث سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس أنه قال: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحرى يومًا يصومه لأجل إلا يوم عاشوراء»، فهذا يحمل على علم ابن عباس، على علم ابن عباس، أي ما علمه ابن عباس رضي الله عنه، وعلم أبو هريرة وأسامة بن زيد أكثر، وأنه كان يتحرى أيضًا صيام يوم الاثنين وصيام يوم الخميس، وقال: «ذلك يومان تعرض فيهم الأعمال على رب العالمين». بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أسامة على ذلك لما قال له: «إلا يومين أدخل في صيامك وإلا ضممتهما معه»، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم أسامة على ذلك. وفي هذا الحديث فيه الحث على صيام الاثنين والخميس، وكذلك الإنسان أيضًا يجعل له أيامًا أخرى يصوم فيها وإن لم تكن معينة، وإن لم تكن معينة على يسّر الصوم. بعض الصحابة رضي الله عنهم كان يسر الصوم، لكن أفضل الصيام بدل الشر أفضل الصيام أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، وما جاء في الصحيحين في حديث عروة عن عبد الله بن عمرو، وجاء أيضًا من حديث غيره عن عبد الله بن عمرو: أنه قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صم يومًا وأفطر يومًا»، وذلك قال: إني أطيق أكثر من ذلك أو أفضل من ذلك. فقال: «لا أفضل من ذلك؛ فإنه صيام نبي الله داود». وجاء في لفظ أنه قال: «صم صيام داود؛ فإنه يصوم يومًا ويفطر يومًا». فأفضل الصيام هو صيام يوم وإفطار يوم. وأما ما جاء عن بعض السلف من الحث على صيام الدهر، وما جاء عن عبد الله بن عمرو قال لرجل: كيف تصوم؟ قال: أصوم يومًا وأفطر يومًا. قال: «قضاء عليك نصف الدهر»، قضاء عليك نصف الدهر. فهذا يحمل على أنهم رأوا أن كثرة الصوم أفضل، لكن الصحيح هو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن أفضل الصيام هو صيام يوم وإفطار يوم، صيام يوم وإفطار يوم. وقد جاء في الصحيح البخاري عن عمر رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام الدهر لا صام ولا أفطر»، من صام الدهر لا صام ولا أفطر، أنه لو أنه يفطر أفضل له. معنى ما عمل شيئًا الذي يصوم الدهر، بل إنه لو صام الأيام المحرمة كالأعياد وأيام التشريق فإنه يدخل في الحرام، وإن لم يصم إلا تلك الأيام فإنه شائز. وتجد بعض السلف يصومون الدهر، ليس لأجل أنهم يريدون أن يكون هذا أفضل لهم أو أفضل من صيام يوم بعد يوم لهم، لم يصرحوا بذلك، وإنما اعتادت أنفسهم على الصيام، اعتادت أنفسهم على الصيام، فعودوها على الصوم، وإن كان هذا ليس بصحيح. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أنكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على عبد الله بن عمرو لما فعل ذلك. فخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأما بعض السلف فكان يفعل بعض الأشياء ليس من باب مخالفة السنة، لا يحسب الإنسان أنهم يريدون مخالفة السنة، لكن اعتادت أنفسهم على هذا، فعودوا أنفسهم على الطاعة، فلانت أنفسهم للطاعة. فلهذا لا يكلف نفسه، يصوم يصوم بدون تكلفة، وإلا الأفضل أن الصيام يكون صيام يوم وإفطار يوم، هذا الذي صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أفضل الصيام. وإن عجز عن ذلك أو قلت همته، فيصوم يوم الاثنين والخميس، إن عجزت همته عن ذلك يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل أن تكون ثلاثة أيام بيض، وإلا جعلها مفرقة، صام يومًا في أول الشهر، ويصوم يومًا في وسطه، يصوم يومًا في آخره. أو يصوم هذه الأيام في الأيام الأولى، المهم أنه يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: يصوم ثلاثة أيام من كل شهر. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر»، وكذلك أيضًا قال: «تذهب وحر الصدر»، قال: «تذهب وحر الصدر وضيقة». فلهذا ينبغي أيضًا لطالب العلم أنه يستعين بنوافل الطاعات، هذه نوافل الطاعات، إعانة لطالب العلم على المواصلة؛ لأن نوافل الطاعات يحبها الله، ويحب من يفعلها، فلهذا يعينه. فالطاعات يعين الله عز وجل الطائع، فإذا صام الإنسان وتعود الصوم، لكن لا يكلف نفسه، لا يقول مثلًا الإنسان: ما يصوم أبدًا، يقول: أنا سأصوم يومًا بعد يوم، لا، هذا خطأ، النفس تحتاج إلى تدريب، تحتاج إلى ترويض. فلهذا إذا أراد أن يصوم يصوم أولًا مثلًا ثلاثة أيام في كل شهر، فإن استطاع أن يجتاز هذه المرحلة يصوم مثلًا الاثنين والخميس. إن استطاع أن يجتاز هذه المرحلة، كيف يجتاز؟ أن يستمر فيها، يستمر فيها. فبعد ذلك أيضًا يزيد، لو صام يومين أو صام كذا، ثم إذا رأى أنه قد مر على هذه الأمور، بعد ذلك له أن يصوم يومًا بعد يوم، فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا الحديث. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.