الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  8

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 8

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 8، ألقاها

مقدمة في شرح حديث النهي عن سب الريح

يبدأ الشرح بتوضيح الحديث النبوي الذي ينهى عن سب الريح، حيث رواه أبو بن كعب وشرحه شيخنا مقبل بن هادي الوادعي مستندا إلى رواية الإمام الترمذي. الحديث يشير إلى أهمية التأدب في التعامل مع خلق الله.

تحليل روايات حديث النهي عن سب الريح

يتم تحليل الروايات المختلفة حول حديث النهي عن سب الريح، ويبين أن الحديث صحيح ورجاله ثقات. كما يشرح معنى الريح والفرق بينها وبين الرياح في القرآن، موضحا أن النبي كان ينصر بالصبا ويهلك الأعداء بالدبور.

فضل الريح وآداب التعامل معها

يشرح كيفية التعامل مع الريح عند رؤيتها بما يكره الإنسان، حيث يستحب للمؤمن أن يسأل الله خيرها ويستعيذ من شرها. هذا الفعل يعتبر من آداب التعامل مع ظواهر الطبيعة، ويبين أن الريح من روح الله ورحمته.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، وهو كما ذكر الشيخ أنه ثقة، وهو كوفي، قال: أخبرنا محمد بن فضيل، وهو محمد بن فضيل بن غزوان، وهو أيضا كوفي، وفيه شيء من التشيع إلا أنه ثقة، ولم يذكر بأنه داع في التشيع، قال: حدثنا الأعمش، وهو سليمان بن مهران الأعمش رحمه الله، أبو محمد، إمام حافظ، من حفاظ الكوفة، قال: عن حبيب بن أبي ثابت، وحبيب أيضا من ثقات الكوفة وعلمائهم وعبادهم، قال: عن ذر، وذر هو ابن عبد الله المرهبي الكوفي، وذر رحمه الله ثقة أيضا كذلك، وفي رواية أبي عوانة عن الأعمش لم يذكر ذرا، كأنه مر عليه؛ لأن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من سعيد بن عبد الرحمن، وكأن أبا عوانة أخطأ في روايته، فلم يذكره، قال: عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، وهو أيضا ثقة، وأبوه كذلك، عن أبيه، وهو عبد الرحمن بن أبزى، وأبي بن كعب زوج أمه، قال: عن أبي بن كعب رضي الله عنه، وهو سيد القراء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به». قال الشيخ رحمه الله: هذا حديث حسن، أو قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. قال أبو عبد الرحمن: هو حديث صحيح، ورجاله رجال الصحيح، إلا إسحاق بن إبراهيم بن الشهيد، أي: ليس ممن أخرج له البخاري ومسلم، قال: وقد وثقه النسائي والدارقطني، أي: وثق إسحاق بن إبراهيم بن الشهيد. ورواه أيضا الإمام أحمد، روى هذا الحديث من طريق محمد بن يزيد، ومحمد بن يزيد فيه ضعف، لكنه متابع بإسحاق وغيره كذلك. وقد رواه النسائي عن عدة ممن رواه عن محمد بن فضيل بن غزوان، قال: والحديث قد روي عن الأعمش موقوفا ومرفوعا، فيحمل على الوجهين؛ لأنه اختلف فيه، اختلف فيه أصحاب الأعمش، فمحمد بن فضيل وأبو عوانة رفعا هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضا أسباط بن محمد القرشي رفع هذا الحديث عن الأعمش، وأما جرير بن عبد الحميد فقد أوقفه، أي: جعله من كلام أبي بن كعب رضي الله عنه. وكذلك اختلف فيه على شعبة، فأكثر أصحاب شعبة عن الأعمش قالوا: برفعه، وابن أبي عدي أوقفه. وذكر الإمام الطحاوي أن النسائي رجح الوقف، والظاهر كما رجح هنا الشيخ أنه يصح موقوفا ومرفوعا؛ لأن أكثر الرواة قد رفعوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء أيضا كذلك هذا الحديث في الصحيحين عن عدة من الصحابة، فدل على ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الريح»، فيه النهي عن سب الريح مهما كانت هذه الريح، سواء كانت شديدة جدا أو أقل من ذلك. وغالبا إذا أطلقت الريح فالمراد بها الهواء الذي يأتي بشدة، وأما الهواء الذي يكون فيه قليل من الرياح فهذا غالبا يسمى رياحا، خاصة التي تسوق السحاب بالأمطار، فهذه غالبا ربنا سبحانه وتعالى يسميها رياحا في القرآن. وأما الريح فغالبا تأتي بالعذاب، لكن ربنا سبحانه وتعالى يفرج بها عن أناس من أهل الإيمان، وكذلك يكبت بها ويعذب بها أناسا من أهل الكفر. ولهذا جاء في رواية أبي عوانة، وكذلك في رواية جرير بن عبد الحميد رحمهم الله عن الأعمش بلفظ: «لا تسبوا الريح؛ فإنها من روح الله» -بفتح الراء- من روح الله، أي: من فرج الله، ومن أيضا مما يفرج الله عز وجل به على عباده. من روح الله، أي: من الراحة التي يجعلها الله عز وجل على عباده، ويفرج بها عنهم الكربات. فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الريح؛ فإنها من روح الله». وروح -كما قلنا- المراد بها الفرج؛ لأن هذا اللفظ هو مصدر راحة، مصدره راحة، فليس المراد به -بضم الراء- وهو الروح، فلا تقرأ «من رُوح الله»، فمن قرأها كذلك فهي خطأ، وإنما بفتح الراء «من رِوح الله»، أي: من فرجه سبحانه وتعالى. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين-: «نصرت بالصبا، وأهلكت عادا بالدبور». نصرت بالصبا، وأهلكت عادا بالدبور، والصبا هي الريح التي تأتي من المشرق، فتأتي ريح غالبا تأتي بالخير، وتأتي أيضا كذلك باردة. والدبور: الريح التي تأتي من المغرب، تكون شديدة غالبا، فدمر الله عز وجل وخرب بيوت أهل عاد، وعذبهم بتلك الريح «أهلكت عادا بالدبور». وقال: «نصرت بالصبا»، والمراد نصرت بالصبا، أي: بالريح التي أرسلها الله عز وجل على الأحزاب حتى قوضت لهم ما كانوا قد نصبوه، وخرجوا مهزومين مدبرين، فنصر الله عز وجل أهل الإسلام بتلك الريح. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾، فهذه الريح هي من روح الله جل وعلا، يفرج الله عز وجل بها عن عباده، وكذلك يكبت بها بعض الكفار، ويعذب بها بعض الكفار. فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون -أي: من هذه الريح- فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به». ولأن من سب الريح فإنه كأنه يسب الله عز وجل؛ لأن هذه الريح من الله سبحانه وتعالى، ولهذا لا ينبغي للمؤمن أن يسب الريح، وأيضا كذلك يذمها، وإنما يسأل الله عز وجل خيرها، ويستعيذ من شرها. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.

شاركنا على