مختصر فقه الأسماء الحسنى  35

مختصر فقه الأسماء الحسنى 35

الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 35، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى اسم الله الحميد ودلالته القرآنية

يتناول هذا المحور اسم الله "الحميد" الوارد في القرآن 17 مرة مقترناً بالغني، مبيناً أنه المحمود في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. ويشير إلى أن أعظم نعمة تستوجب الحمد هي الهداية إلى الصراط المستقيم.

تقسيم الحمد إلى حمد الكمال وحمد الإحسان

يشرح المحور نوعي الحمد لله: حمد على كمال الذات والأسماء والصفات المختص بالله، وحمد على الإحسان والنعم الواصلة للعباد. ويؤكد أن أعظم الحمد هو الثناء على الله لذاته وكماله لا لأجل النعم فقط.

افتتاح القرآن والسور بالحمد وأسبابه

يستعرض المحور افتتاح الله لكتابه ولعدة سور بالحمد، وكذلك افتتاح الخلق وختامه بالحمد. ويقسم أسباب الحمد في القرآن إلى إجمالية كربوبيته وملكه، وتفصيلية كهداية المؤمنين وإجابة دعائهم.

الحمد سبب لنيل رضا الرب تعالى

يبين المحور أن الحمد سبب لرضا الله عن العبد، مستدلاً بالحديث الذي يثبت رضا الله عمن يحمده عند الأكل والشرب. ويختتم المتحدث البيان بالتأكيد على كون الله هو الحميد المستحق للحمد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً ومباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق عبد المحسن العباد حفظه الله في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى"، اسم الله الحميد: قال: وقد تكرر ورود هذا الاسم في القرآن الكريم سبع عشرة مرة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. فقرن هنا باسمه الغني، فأفاد قوة معنى فحمد الله عز وجل، وكذلك أثنى عليه لكمال غناه. فالغني هو الذي يعطي عطاءً كثيراً متواصلاً لا انقطاع فيه، فهو الذي يستحق الحمد، فهو حميد لعظم غناه سبحانه وتعالى. وهكذا إذا رأيت اسمين ذكراً وجمعاً فتمعن فيهما، ترى فيهما معنى أكثر من معنى كل اسم على مفرده. وهذه قاعدة ذكرها العلماء في قواعد الأسماء، كما ذكر ذلك الشيخ ابن عثيمين في "القواعد المثلى". قال: وقال تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: 24]. هنا الحميد ذكر مفرداً، ومناسب ذكره عند ذكر الهداية إلى الطيب من القول وإلى الصراط المستقيم؛ لأن أعظم ما ينبغي أن يحمد العبد عليه ربه أن هداه إلى الصراط المستقيم، كما قال الله عز وجل حاكياً عن أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: 43]، يعني إلى الجنة، وما هداهم إليها إلا لأنهم هدوا في هذه الدنيا إلى الصراط المستقيم، فقالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. فأعظم نعمة تحتاج إلى شكر وحمد لله عز وجل نعمة الهداية إلى الصراط المستقيم، إلى التوحيد والسنة. قال: ومعنى الحميد، ما معنى اسم الله الحميد؟ قال: أي الذي له الحمد كله، المحمود في ذاته وأسمائه وصفاته، فله من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أكملها. فالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح وأعظم الثناء؛ لأن جميع أسماء الله تبارك وتعالى حمد، وصفاته حمد، وأفعاله حمد، وأحكامه حمد، وعدله حمد، وانتقامه من أعدائه حمد، وفضله وإحسانه إلى أوليائه حمد. والخلق والأمر إنما قام بحمده، ووجد بحمده، وظهر بحمده، وكانت الغاية منه هي حمده. فحمده سبحانه سبب ذلك وغايته ومظهره. فحمده روح كل شيء، وقيام كل شيء بحمده، وسريان حمده في الموجودات، وظهور آثاره أمر مشهود بالبصائر والأبصار. وكما سيأتي من كلام شيخ الإسلام أن حمد الله عز وجل يشمل أمرين اثنين: حمد الله عز وجل أولاً على كماله، كما ذكر هنا عن المؤلف: أي الذي له الحمد كله، المحمود في ذاته وأسمائه وصفاته. فهو كامل في ذاته وأسمائه وصفاته، فيستحق الحمد لكماله سبحانه وتعالى؛ لأن له من الأسماء أحسنها، فهو يستحق الحمد، ومن الصفات أكملها، فهو يستحق الحمد. فلذلك أعظم ما يمدح به الرب سبحانه وتعالى حمده. وفي الفاتحة أول آية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، فبدأ بالحمد في أول سورة من كتابه. وهكذا جميع أسماء الله تبارك وتعالى حمد: فهو العظيم فيستحق لعظمته الحمد، وهو العليم فيستحق لكمال علمه الحمد، وهكذا كل هذه المعاني ينبغي أن يستشعرها من يحمد الله. أنت الآن تقول: الحمد لله، ما معنى الحمد لله؟ أي أثني على الله عز وجل لكمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولإحسانه وكرمه وعطائه سبحانه وتعالى. بعض الناس يظن أن الحمد إنما هو لما يُسدى إليه من نعم، هذا شيء من الحمد، لكن أعظم من ذلك أن تحمد الله عز وجل لكماله ولعظمته. فلذلك هذا الاسم شمل جميع الأسماء لأنها غاية في الحسن، فيستحق بها الرب سبحانه وتعالى الحمد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قال: والحمد نوعان: حمد على إحسانه إلى عباده، وهو من الشكر. كلما تجددت لك نعمة حمدت الله، بل وما أنت فيه من النعم يحتاج منك إلى حمد لله سبحانه وتعالى. هذا نوع. قال: وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كمال 那些 يعني صفات كماله، فهذا أيضاً يستحق بها الحمد سبحانه وتعالى. قال: وهذا الحمد لا يكون إلا لمن هو متصف بصفات الكمال، فلذلك لا يقال: أحمد فلان، هذا من الخطأ. الحمد يكون لله عز وجل، لكن الشكر يكون لله ولغير الله، لمن أسدى إليك معروفاً. بل قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله». لكن الحمد إنما يكون لله سبحانه وتعالى؛ لأنه هو المتصف بصفات الكمال. فهو من الشكر... فهو من الشكر. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها». تحمد الله لأنه هيأ لك هذه الأكلة والشربة، وتحمد الله لأنه هو الذي أكرمك بهذا، فهو الكريم، وهو اللطيف، وهو كذلك الغني، أغناك الله عز وجل بهذا، فتحمد الله لكمال صفاته، وكذلك إحسانه إليك بهذه النعمة. قال: الله قد افتتح كتابه بالحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وافتتح بعض سور القرآن بالحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: 1]، سورة فاطر. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: 1]، وهكذا سورة الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: 1]. وهكذا عدة سور افتتحت بالحمد. قال: وافتتح خلقه بالحمد، واختتمه بالحمد. من يستحضر آية: افتتح خلقه بالحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، هذا افتتح خلقه بالحمد. واختتم كذلك خلقه بالحمد. من يستحضر آية... من يستحضر آية: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ [القصص: 70]. ها؟ كيف؟ هذا معك آية أخرى... نعم، لا، اختتم خلقه بالحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، واختتم خلقه بالحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾. طيب. قال: فله الحمد أولاً وآخرة، وله الشكر ظاهراً وباطناً، وهو الحميد المجيد. وقد ورد أيضاً الحمد في القرآن في أكثر من أربعين موضعاً، جمع في هذه المواضع بعض أسباب الحمد، سواء كان على وجه الإجمال أو على وجه التفصيل. فبعض الآيات التي على وجه الإجمال: قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فهو يحمد لأنه رب العالمين، هذا من ذكر السبب المفصل لحمد الله عز وجل. وهكذا قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: 1]، يعني يحمد لأن له ما في السماوات وما في الأرض، فهو يستحق للحمد سبحانه وتعالى. وآيات كثيرة في هذا المعنى. وهكذا جاءت آيات أخرى فيها التفصيل، تفصيل أسباب الحمد، منها قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: 43]، هدانا لهذا النعيم في الجنة، هذا خاص: حمدناه لأنه وفقنا وهدانا لهذا النعيم المقيم. وهكذا قوله تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: 28]، فحمدوا الله لأنه نجاهم من القوم الظالمين، فهو يستحق الحمد. وهكذا قوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: 65]، فلأنهم استجاب لهم وحقق دعاءهم، حمدوا الله سبحانه وتعالى. والحمد فيه الفضل العظيم، كما جاء في حديث أبي هريرة: «كلمتان خفيفتان على اللسان، تقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». فهنا ذكر الحمد. وهكذا سبب الحمد سبب لرضى الرب سبحانه وتعالى، كما سمعت في قوله: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها»، وذلك لأنه هو الحميد سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.