الدرس في شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش ترتيب الفضل في العبادات وما يترتب عليه من أحكام، ويبين دلالة ترتيب الفضل على الوجوب أو الاستحباب. كما يتناول أقسام أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية.
يفصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التي لم تكن على وجه القربة والطاعة، ويوضح أنها قد تكون جبلية أو عادية ولا يتعلق بها أمر أو نهي. يقدم أمثلة على ذلك مثل الأكل والشرب ولبس العمامة.
يتحدث عن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم المترددة بين العادة والسنة، ويشرح كيف يميز العلماء بينهما بناءً على السياق والمقاصد. يضرب أمثلة على ذلك مثل تربية الشعر وتسريحه.
يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم خلف مقام إبراهيم ركعتين، ويبين أن اتخاذ مقام إبراهيم مصلى ليس بواجب بل هو مستحب.
بسم الله الرحمن الرحيم حب الله الرحمن الرحيم صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، قال العلامة المتأخر رحمه الله في منظومته: «وكل ما رتب فيه الحظل من غير أمر فهو ندم يجد»، وكل ما رتب فيه فضل يعني فيه فضل، يعني جاء أمر لكن فيه فضل، فقال: «وكل ما رتب فيه فضل وكل ما رتب فيه فضل من غير أمر فهو ندم يجد يجد»، معنا يتبين ويضبط. فالأشياء التي يكون فيها فضل وليس فيها أمر حتم تقتضي الاستحباب، فمعنى كلامه أن ما رتب عليه فضل لا يخلو من أمرين: إما أن يرد فيه الأمر، فهذا حكمه ما سبق، أي بالأمر، وهذا مختلف فيه بين العلماء، هل ترتيب الفضل يدل على عدم الوجوب أو لا؟ صحيح أنه إذا جاء الأمر، ترتيب الفضل لا يدل على عدم الوجوب، ويستشهد كثير من هذا العلم بقول الله عز وجل: ﴿ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم﴾، جاءت هذه الآية على طريق التفصيل، وهل الإيمان ليس بواجب؟ الإيمان واجب لا شك في ذلك. ومما اختلف فيه العلماء ما جاء في صلاة الجماعة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، في حديث عبد الله بن عمر، وفي حديث ابن عباس: «صلاة الرجل في مسجده تفضل على صلاة في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة»، فهذا الحديث رتب على صلاة الجماعة فضل، فلهذا استدل بعض العلماء كالشافعي وغيره على أن هذا يدل على استحباب صلاة الجماعة لأنها رتب لها فضل. لكن الصحيح أن ترتيب الفضل لا يدل على الوجوب ولا على الاستحباب، لا يدل على أنه ليس بواجب، فإن كان قد جاء الأمر، فهذا من باب الأجر فقط، يخبر عن أجر فقط، فلهذا صلاة الجماعة واجبة للحديث الأخرى، منها قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا سمعتم النداء فأجيبوا»، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أخالف إلى بيوت قوم لم يحضروا ولم يشهدوا الصلاة أن أحرق عليهم بيوتهم»، كيف سيأتي تحريق في أمر مستحب؟ فلهذا، فإذا جاء أمر وجاء فضل، لا يدل على أن الفضل يصرف الأمر، بل الأمر يبقى على حاله. والحالة الثانية أن لا يرد في هذا الشيء أمر، لكن يرد فيه فضلا، وهنا لا يقتضي الوجوب وإنما يقتضي الاستحباب، وهذا كثيرة في الأحاديث، حتى يقول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم كهاتين»، كفالة الأيتام ليست بواجبة إنما فيها فضل عظيم، فلهذا فهي مما يستحب، ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، هذا يدل على الاستحباب، فإذا لم يأت وجوب، لم يأت أمر، فجاء فضل، هذا الفضل يدل على الاستحباب، وهذا معنى كلام المؤلف: «وكل ما رتب فيه الفضل من غير أمر فهو ندب يجب»، أما إذا كان بأمر فهو واجب، ندب معنى مستحب. قال: «وكل فعل للنبي جرد عن أمره فغير واجب»، بدأ، فعل النبي جرد أي من غير أمر، وكل فعل للنبي عليه الصلاة والسلام إذا جاء فعله مجردا من غير أمر، جرد عن أمره، أي ليس فيه أمر، فهذا يدل على الاستحباب، فأفعال النبي عليه الصلاة والسلام المجردة لا تدل على الوجوب وإنما تدل على الاستحباب. وهنا مسائل في هذه القاعدة، أولا أن أفعال النبي عليه الصلاة والسلام قسمها العلماء إلى عدة مسائل، الصحيح أنها تقسم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول: ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام على وجه القربة والطاعة، فهذا لا يخلو من أمرين: إما أن يدل دليل على اختصاصه بالنبي عليه الصلاة والسلام، مثل مثلا الوصال، واصل النبي عليه الصلاة والسلام في صومه، لكن لما واصل الصحابة نهاهم عن ذلك، وقال: «إني لست كهيئتكم»، فتدل على أن الوصال خاص به عليه الصلاة والسلام، فإذا تبين الاختصاص بدليل، قيل بالخصوصية، وإلا فالأصل هو الاقتداء. والحالة الثانية أن لا يدل دليل على اختصاص النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الفعل، فإن الأصل به الاقتداء والتأس بقول الله عز وجل: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾، وقال ربنا جل وعلا: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾، وقال جل وعلا: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، فالأشياء التي لم يقم عليها تخصيص، فإنها تكون مما يستحب الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، فكل فعل من أفعال القربة والطاعة يقتدى فيه بالنبي صلى الله عليه وسلم. والقسم الثاني: ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام لا على وجه القربة والطاعة، وهذا قد يكون فيه حالات، الحالة الأولى مثلا يفعله جبلة وطبيعة، فهذا يقول العلماء الذي يفعل جبلة في حد ذاته لا يتعلق به أمر ولا نهي، ما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم جبلة، مثل النوم، الأكل، الشرب، يعني أصل الأكل والشرب الإنسان مجبول على الأكل والشرب. فهذه الأمور لا يتعلق بها أمر ولا نهي، لكن هناك هيئات مثلا لهذه الأشياء، مثل الأكل باليمين، هذه هيئات جاء فيها العمل، التسمية قبل الأكل وغيرها هيئات، لكن الأصل للأكل هو من أمر الجبلية. أيضا النوم مثلا، النوم على الطهارة قبل أن ينام، يأتي بالأذكار، يرقد على شقه الأيمن، هذه هيئات، لكن النوم أصل شيء جبلة. فهذه الأشياء تفعل جبلة، كله أيضا من هذا القسم ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم عادة على وجه العادة، مثل بعض الأكل، ما نرى أن أكل بعض الحيوانات تراه بعض الحيوانات، مثل ما جاء في الضفدع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنه لا يؤكل في أرض قوم»، فعافه النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا فعله على وجه العادة، فهذه الأشياء لا يتعلق بها أمر ولا نهي. ويذكر أيضا العلماء ما يفعل على العادة مثل لبس العمامة، العرب عندهم العمامة شيء لازم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس العمامة، لكن قد تكون مثلا في هيئتها في لبسها، وكذلك كانت عمامة النبي صلى الله عليه وسلم لها ذؤابة، فيجعل مثلا ذؤابة مثل عمامة النبي صلى الله عليه وسلم، أحيانا بعض اللباس مثلا الذي يلبس مثلا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ما يستطيع الإنسان يلبس فيه في مثلا هذا الوقت سيكون لباس شهرة، مثلا لو إن الإنسان الآن جاء يقول أنه سيلبس مثل ما كان يلبس الصحابة رداء وإزارا، هذا سيثير الشهرة، سيعرف هذا الرجل أنه يلبس هذا اللباس، الناس الآن اعتادوا ما يلبسون الرداء والإزار إلا بالحج والعمرة، سيأتي هذا يلبسه ويخرج به في الشوارع، فهذا سيستنكر استنكره الناس، فلهذا فلباس الإزار والرداء الذي كان عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر عادة، كانوا يلبسونه، فإذا لم يكن عادة في الناس، فلا ينبغي للإنسان أن يلبسه لأنه من الشهرة التي قد يأثم فيها الإنسان أحيانا. أما ما كان مثلا سنة مثل لبس القميص، كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، لبس القميص، فهذا سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ليس فقط عادة وإنما كان سنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبه، أما لبس الإزار والرداء هذا اللبس العادي للناس، عادة الناس يلبسون في ذلك الزمان إزارا ورداء، أيضا من الأمور التي تفعل على وجه العادة ركوب الخيل، ركوب الحمار، وغيرها من هذه، مثلا إذا كان الناس هنا مثلا في البلاد التي يعيش فيها مثلا الشخص لا يركبون الحمار، لا يأتي ويركب حمارا لأنه سيستنكر، أو خيل مثلا، لو قال مثلا إنسان: أنا سأفعل مثل ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، كان يركب الخيل، ما يركب السيارات، قال هذا، فعله غير صحيح، لأن لم تكن هناك سيارات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يركبون الخيل، يركبون الإبل، يركبون الحمار، لكن الآن وجدت سيارات، فلا بأس أن الإنسان يركبها. القسم الثالث: يتردد بين العادة وبين ما يفعل قربة وطاعة، يعني قد توجد مثلا أفعال لأن النبي صلى الله عليه وسلم يتردد أمرها، هل هي من العادة أو هي من المشروع؟ وهذا مختلف فيه بين العلماء، فبعضهم يقول: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم فعله موافقة لزمان ومكانه، فليس من قبيل السنة، وإنما هو من قبيل العادة، وإن خالف النبي صلى الله عليه وسلم زمانه ومكانه، فهذا يدل على أنه من السنة. على سبيل المثال اتخاذ الشعر الكثير، من عادات العرب أنه يتمردون شعورا كبيرة، كان النبي صلى الله عليه وسلم له جمة، الجمة التي تضرب المنكبين، يسمونها جمة، يعني الشعر الذي يضرب المنكبين يسمى جمة، كان النبي صلى الله عليه وسلم له جمة. لكن هل فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا على سبيل السنة أم على سبيل العادة؟ النبي صلى الله عليه وسلم كان في مكة يسدل شعره، يسدل ويرجعه إلى خلفه، جعله مسؤولا، لكن لما جاء إلى المدينة وجد اليهود يسدلون شعورهم، كان في مكة يسدل شعره، لكن لما جاء إلى المدينة ووجد اليهود يسدلون، ففعل مثل عادة مكة، فرغب في المدينة عن مكة، فهذا لو فعله الإنسان على طريق السنة، يعتبر سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم خالف فيها المشركين أولا، خالفهم في مكة، لما جاء إلى المدينة خالف اليهود ورجع إلى طريقة مكة، فهو لم يفعل واحدة الآن، إنما فعله على سبيل المخالفة. ففرق مثلا الآن بين من يربي شعره، نقول له: أن هذا ليس بسنة، بل النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلا كان شعره كثيرا، فجاء الدباب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هذا الدباب؟»، وظن هذا الرجل أنه يعني فقصه، وقص هذه الجمة كلها، خرجت، فجاء اليوم الثاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال جمتك؟»، ليش هذا الشعر أخرجت؟ قال: رأيتك يا رسول الله، قلت بال، فقال: «ما كنت أعني، لكن هذا أحسن»، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: قال كنت أعني، لكن هذا أحسن، فالنبي صلى الله عليه وسلم حسن فعله بتربية مثل هذا الشعر، فلهذا فهي عادة من عادات العرب، لكن كما قلنا مثلا التسريح، فعله أن يصافح، فهذا تكثير الشعر، أكثر العلم على أنه من العادات، فلهذا لو حلق الإنسان شعره، ما في شيء، لو جعله مثلا أصلع في أغلب أحيانا أيضا ليس فيه شيء، ولا يقول مثلا أن هذا سمة الخوارج، شيء وجد فيه، ليس أنها كسمة قبيحة. قسم القسم الأول في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على وجه القربة والطاعة، وهذا على قسمين، أو على أمرين، الأول أن يكون يأتي دليل أنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، والأمر الثاني أنه لم يأت دليل على خصوصيته، فيكون الاقتداء به. القسم الثاني: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على وجه العادة، القسم الثالث: ما كان بيانا لأمر ما، فعله النبي صلى الله عليه وسلم بيانا لأمر أتقوم به ذلك الأمر، وهذا الذي سيأتي في الذي بعده. وما قال رحمه الله: «وإن يكن مبينا لأمر فالحكم فيه حكم ذاك الأمر»، هذا القسم الثالث أن يأتي أن تعل مبينا لأمر، مبينا لأمر، مثل آية الوضوء، مثل مسح الرأس، جاء مقتضى عن النبي صلى الله عليه وسلم بيان هذا الفعل، بيان المسح، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم جميع رأسه، فهذا يعتبر بيان لأمر الله عز وجل قال: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، فالنبي صلى الله عليه وسلم مسح جميع رأسه، فنلحق على أن هذا بيان لهذا الأمر، فهذا يقتضي الوجوب، هذا إذا كان الأمر يقتضي الوجوب، أما إذا كان الأمر للاستحباب والندب، فأيضا يتبع أصلا، فهذا البيان يعتبر بيان لأمر، بيان الزكاة مثل المنذرة، كما قلنا هذا الواجب قد يكون مستحب، مثل قول الله عز وجل: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف المقام ركعتين، لأن كثير من هذا العلم يقول أن اتخاذ مقام إبراهيم مصلى ليس بواجب، أن تقوم به، استحبه صلى الله عليه وسلم باستحباب.