الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 134، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع إشكال الجمع بين آية قرآنية وأحاديث نبوية في خلق الشر، ويبين كيفية التعامل مع الشبهات والتناقض الظاهري بين النصوص. يشير إلى أهمية الرجوع إلى المحكم من الآيات والأحاديث لفهم صحيح الدين.
القدر له جهتان: جهة متعلقة بالله تعالى حيث يكون خيراً محضاً، وجهة متعلقة بالعبد حيث يمكن أن يكون خيراً أو شراً بالنسبة له. يجب فهم أن ما يأتي من الله خير، حتى المصائب والابتلاءات تكون خيراً من جهة الله.
العبد إذا علم أن ما قدر عليه من حكمة الله يهون عليه البلاء والمصائب، لكن كثير من الناس لا ينظرون إلى حكمة الله وراء ما يصيبهم بل ينظرون إلى تأثير ذلك على حياتهم، فيحتاجون إلى الصبر والتوفيق من الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، يقول الحافظ الحكمي رحمه الله تعالى، كما في رسالته «أعلام السنة المنشورة»، قال: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «والخير كله في يديك، والشر ليس إليك» مع أن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء؟ هذا من المؤلف رحمه الله تعالى إشكال، وما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى إلا لأنه وارد الاعتبار. فأثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب، ما كان من دعاء الليل الذي كان يستفتح فيه نبينا صلى الله عليه وسلم صلاته، أن يقول فيه «والخير كله في يديك، والشر ليس إليك»، والشر ليس إليك بمعنى الشر ليس منك. قل: كيف الجمع بين هذا الحديث وبين ما جاء في قوله سبحانه وتعالى ﴿قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق﴾، أي ما خلقه الله؟ فربنا هو الذي خلق الشر، فالأمر في حقيقة الحال عبارة عن إشكال يقع في النفوس. آية فيها الإخبار على أن الشر ليس من عند الله، والآية فيها إخبار أن الشر من عند الله، من شر ما خلق، والحديث فيه بيان على أن الشر ليس من عند الله، والشر ليس إليك، فكيف الجمع؟ وهنا مسألة، إخواني في الله، وهي ما يتعلق ببعض الشبه التي لربما يمر عليها المسلم، وكم هي الشبه التي نسمعها في هذه الأيام عبر المرئيات وعبر المسموعات وعبر وسائل الإعلام، وخاصة مع انفتاح هذه القنوات وانفتاح الناس على العالم الخارجي، تجد الشبه كثرت وطمت وعمت، وأخذ الكل يطعن في دين الإسلام، إما من الفرق الإلحادية أو من اليهود والنصارى من أهل الكتاب، أو من الفرق الضالة. فأصبح لها قنوات وأصبح لها إعلام، فلا زالت الشبه تدلى بين الفينة والأخرى، أحيانا المسلم، إخواني في الله، تنقضي بعض الشبه في قلبه، فمن طرأت في قلبه شبه، إخواني في الله، يحاول أن يزيحها، لا يجعلها في صدره تتلجلج، لأن لو تركتها في صدرك يا عبد الله فإنها تكبر، فالشبه والبدع من خصائصهما أنها تكبران، لا تستقر على الوضع الحالي. انتبه لهذا، بدعة فإنها ستزيد وتنمو، شبه فإنها ستكبر لو تركتها ستكبر، ولهذا لا خير في الشبه ولا خير في البدع، فينبغي أن تنفك عنهما. وكلامنا وحديثنا، إخواني في الله، عن الشبه. كم سمعنا في هذه الأيام عن أنه نازل تشيعوا، بلغنا هذا عن بعض الوناس، حتى في بلاد أو ممن دخلته لوثة التشيع، بماذا؟ بهذا الشبه، تلقفها جالت في صدره ثم استقرت، فما استطاع أن يخرج منها. فالمسلم، إخواني في الله، إذا طرأت عليه شبه يحاول جاهدا أنه لا ينصت إليها ولا يستمع إليها ولا يقرب منها، يجعل بينه وبينها خنادق، أنت على ثبات، أنت على دينك، على كتاب الله وعلى سنة رسولك، ففيهم الغنية والكفاية، من الذي يلجئك إلى أن تستمع للمخالفين من أعداء الدين؟ لكن لو وصلك شيء وأنت لست مريدا له، وإنما هجم عليك هجوم وما استطعت أن تدحره، فحينئذ إلجأ إلى إزالته بالنظر في الكتب، بالنظر إلى كتب التفاسير. إذا كان عندك قوة اجتهادية في نفسك، وإلا فاسأل غيرك، سأل أهل العلم ممن عنده علم من طلابه ومن حماته ومن دعاته ومن أهله وشانه، اسأل العلماء حتى يزيح ما في قلبك من هذه الشبه. والمؤلف رحمه الله تعالى سار على هذا، ذكر شبه، نعم، وهذه شبه موجودة، وكان أهل البدع يصطادون بالماء العكر من خلال التناقض الموجود بين الآية والحديث. كيف أهل السنة؟ كيف تجمع بين هذا؟ ها هو الشر يخبر على أن الشر من عند الله، من شر ما خلق، فالله الذي خلق الشر هو الذي أوجده، فالشر من الله، والنبي يقول «والشر ليس إليه»، إذن النبي ينفي ينفي عن ربه الشر، وأن الشر ليس من عند الله، إذن أفتونا: هل الشر من عند الله أم الشر ليس من عند الله؟ هذا إشكال. نعم، وكما قلنا، فمن كان عنده إلمام يرد، وهناك وسيلة، إخواني في الله، واجعلها قاعدة: إذا أشكل عليك أمر من الأمور، من المشتبهات أو من الشبهات، ارجعه للمحكم، ارجعه للمحكم، كن على يقين أن شرع الله ليس فيه تناقض، وإن حصل تناقض فإنما يكون من قصورنا في أنظارنا، في قلة باعنا، قصر علمنا، هنا يقع التناقض، أما شرع الله ليس فيه تناقض، لا من بين آياته، وليس بين أحاديثه، وليس بين آياته وأحاديثه، الدين كامل مكمل من عند الله جل وعلا، ما فيه تناقض البتة. إن كان من تناقض إنما يكون على قصورنا لعدم خلفية الأمر عندك، يقع التناقض بين ناظريك، أما في شرع الله ما فيه تناقض. ومما يزيح هذا التناقض، يا عبد الله، أنك ارجع إلى المحكم، اعلم أن الله جل وعلا هو الرب المهيمن سبحانه وتعالى، وأن الله يفعل ما يشاء، يقضي الله ما يشاء، الكون كونه والخلق عبيده، يفعل ما يشاء، يوجد الشر، يفن الشر، يعدم الشر، الأمر بيده. ولا تتجاسر على أنك ترمي دين الله بالتناقض، المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذا الإشكال وذكر الجواب عليه، قال: معنى ذلك أن أفعال الله عز وجل كلها خير محض من حيث اتصافه بها وصدوره عنه، ليس فيها شر بوجه، فإنه تعالى حكم عدل، وجميع أفعال حكمة وعدل، يضع الأشياء مواضعها اللائقة بها، كما هي معلومة عنده سبحانه وتعالى. وما كان في نفس المقدور من شر، فمن جهة إضافته إلى العبد، لما يلحقه من المهالك. خلاصة الموضوع، لقد تم ذكره في دروس الماضية، لكن نعيده بصيغة أخرى، وحصر موضوع القدر، طبعا هذه المواضيع المتصلة بالقضاء والقدر، موضوع القدر، القدر ينبغي أن نفهم هذا، جمع يتعلق بجهتين اثنتين: القدر متعلق بجهته بالله جل في علاه، وقدر متعلق بالعبد. القدر المتعلق بجهة الله، من أن الله سبحانه وتعالى هو الذي قدر الأشياء، وتقدير الله جل في علاه يتعلق بصفات كثيرة، متعلق بخلقه ومشيئته وعلمه وكتابته وعدله وحكمته، كل ذلك يتم بتقدير الله، فما من شيء قدر يقدره ربنا عز وجل إلا منبثق عن علم، منبثق عن مشيئة، منبثق عن كتاب وخلق، منبثق عن حكمة، منبثق عن علم، هذا قدر الله الذي يقدر. فما كان من قدر الله فكله خير، لأن الله طيب، لأن الله جميل، لأن الله هو الكمال سبحانه وتعالى، فما يأتي من ربنا إلا الخير، ما يأتي من ربنا إلا ففي كل أفعاله وفي كل صفاته كلها خير، كلها خير، ما يأتي من ربنا إلا خير محض، ينبغي أن نفهم هذا، هذا ما يتعلق بالقدر المتعلق بجهة الله. أما القدر المتعلق بجهة العبد، وهو ما يسمى بالمقدور أو المقدر عليه، وهو المسمى أيضا بالقضاء، بالقضاء، لأن من تفاريق العلماء بين القضاء والقدر، من قال: القدر ما كان من عند الله، والقضاء هو الذي يكون في العبد، قد ربنا شيئا، فإذا وقع قل: هذا قضاء الله، هذا قضاء الله، ربنا قدر في الأزل، فإن وقع قل: هذا قضاء، القضاء أو المقدر، وهما يكون عليه العبد، هذا نعم، ينقسم إلى خير وشر بالنسبة للعبد، بالنسبة للعبد المقدر عليه، يقسمه العبد هذا المقدر عليه إما يكون خيرا لي وإما يكون شرا لي، هذا لي أنا. أما بالنسبة لنزول من عند الله، فما نزل من عند الله إلا الخير المحض، مثاله: مرة معنا في درس الظهر ما يتعلق بالأمراض، المرض من نظر في الأجور الذي ذكرناه في درس الظهر، كفارة الذنوب، ترفع الخطايا، ترفع الدرجات، أن الله جل وعلا يجيز العبد بالأجر الكثير، دخول الجنة، المرض إذا نزل من الله سبحانه وتعالى هذا المرض هو خير محض، لأن الله سينزل لخير، كما قلنا: كفارة، رافع للدرجات. هذا المرض سينزل على العبد سينزل خير، لكن لو نزل، إذا نزل على العبد، فإن العبد يراه شرا عليه، شر عليه، عطله من عمله، أصابه بالسخونة، أتاه بالأمراض، لربما ذهب منه عضو، لربما ارتمى في الفراش، لربما انقطع عن عمله، فأصبح عاليا على غيره، لربما أصبح المرض بالنسبة لأي شر، لكن لما نزل من عند الله إنما نزل لخير، أراد ربنا بعبدي خيرا فأنزل عليه مرضا رفع لدراجاته، تكفير لذنوبه، فهو خير. هذا المرض الذي قدره ربنا هو خير، لكن لما نزل عليه كان لي شرا، كان لي شرا، فالقدر، إخواني في الله، له جهتان: جهة متعلقة بالله، وما عند الله كله خير، حتى المصائب، حتى الابتلاءات، حتى ما تصاب به يا عبد الله من فقد قريب، من فقد حبيب، من ذهاب أموال، من ذهاب عضو من أعضائك، من ذهاب زوجة، من الفقر المتقع، من حروب، من قتال، ما تجده يا عبد الله، نزول من عند الله إنما أراد الله خيرا أنزل هذا الشيء. ومن يعلم هذا الذي يعلمه هو الذي فهم مقام الرب سبحانه وتعالى، والأسف، إخواني في الله، الناس وغالب الناس في باب القدر إذا هاتين الجهتين ما ينظرون إلى إلا الجهة الثانية، ما أحد ينظر في الجهة الأولى إلا القلة من عباد الله، إلا القلة، فإذا أصيب أحد ببلاء ومصيبة، سرعان ما تدمر، سرعان ما تضايق، سرعان ما أساء الظن بالله: ليش أنا؟ وكيف أنا؟ وليش؟ وما ينظر إلى الجهة الذي نزل من عند الله، ما علم وما اعتقد بأن الله إنما الذي يأتي منه خير. مرض عبد الله، انظر لجهة من عند الله، تعلم أن المرض جاء من عند الله، وما أراد الله بهذا المرض إلا خيرا، تنظر إلى جهة القدر من جهة الله عز وجل، أراد بها تكفير، أراد بها أن تنزجر، أراد بها التطهير، أراد أن تصل إليه وأن تخال من الذنوب، وهكذا الفقر، ابتل الله عز وجل عبده من عباده بالفقر، فقر نزل من عند الله، أراد الله به خيرا، نزل عليك، كان هذا شرا عليك، نعم، شر عليك، لأنك ما أنت عنك بالدنيا، وصبت بالهموم بالغموم بالديون بفقر بقلة ذات اليد، شر بالنسبة ليك. والشر تعريفه هو ما لا يلائم طبيعة الإنسان، نفهم هذا، الشر ما لا يلائم طبيعة الإنسان، فإذا كان العبد إذا أراد أن ينظر القدر من جهته، سيبقى دائما متصبرا متذمرا متضايقا، لربما أساء الظن بربه سبحانه وتعالى، لكن إذا نظر ما عند الله، ويعلم أن هذا الفقر إنما هو الذي ابتلاني الله به ربي، وما أراد ربي به إلا خيرا، بدليل أنبياء الله كثر كانوا على فقر، فقر وعلى ضيق، هل أراد ربنا بهم شرا؟ حاشا، بل أراد ربنا بهم خير سبحانه وتعالى. فافهم هذا يا عبد الله، ويزيح هذا الإشكال من قلبك، أن القدر متعلق بجهتين: بجهتي ربنا عز وجل الذي قدر، وما قدر ربنا على العباد إلا الخير المحض، وهذا الذي ي نعنيه في دعاء نبينا «والشر ليس إليك»، ما يأتي من ربنا شر، حاشا، ما يأتي من ربنا شر، حاشا سبحانه وتعالى، هذا الذي عناه نبينا بقوله «والشر ليس إليك»، فربنا لا يوصف بالشر، لا يوصف، ولا ينسب، ولا تذكر أفعال بالشر. طب: ما معنى قوله سبحانه وتعالى ﴿من شر ما خلق﴾؟ نعم، الشر إنما يذكر إلى الله جل وعلا خلقا، ربنا هو الذي خلق الشر، خلق الشر، لكن لا يوصف به سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: معنى ذلك أن أفعال الله عز وجل كلها خير محض من حيث اتصافه بها وصدوره عنها، ليس فيها شر بوجه، فإنه تعالى حكم عدل، وجميع أفعال حكمة وعدل، يضع الأشياء مواضعها اللائقة بها، ربنا يضع كل شيء. قال سبحانه ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾، بعض الناس يتذمر من الموت، إذا مات عليه قريب أو كان هو على وشك المنية، أصيب بمرض، وما لك إلا أيام أو فترة قصيرة ستموت، لو ربما تباكى وتندم، لو ربما تصبر، ما خلق ربنا الموت إلا لحكمة: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾. قال سبحانه ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض﴾، فسر الفساد عند كثير من المفسرين، وهو إقلال المادي، إذهاب النعم، والإقلال المادي، ظهر الفساد، إقلال المادي في البر والبحر، كم هو الحاصل؟ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ليذيقهم بعض، هذه حكمة، هذه حكمة من الله جل، وإن كانوا شرا لعندما نرى إلى خيرات البحار قلت، ونرى إلى خيرات الأراضي والأسجار والنباتات، ومحلت هذا شر بالنسبة إلينا، لكن هل أراد يا ربنا بنا شرا؟ لا، وإنما ليذيقكم بعض، الذي حملوا عقوبة من الله لنزجر، فنصحح المسار، أو يكفر عن ذنوبنا، وبشر الصابرين، نبشر بهذا، وترفع بدرجاتنا. فالذي يأتي من عند الله خير، فلا يكون في حكم الله ولا في فعله شر، وليصف الله بالشر، وإن عم أوجد الشر وخلق الشر لحكمة سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وما كان في نفس المقدور، وهو ما يسمى المقدر عليه أو ما يسمى بالقضاء، وهو الذي يجده العبد، قال: وما كان في نفس المقدور من شر، فمن جهة إضافته إلى العبد، قال: لما يلحقه من المهالك. وهذا هو الشر، سمي هذا القضاء الله شرا بالنسبة للعبد، لأن فيه مهلكة، المرض فيه هلاكه، الفقر فيه هلاكه، الحروب فيه هلاكه، ارتفاع المعيشة فيه هلاكه، لما يرى أن هذه الأشياء ما تلائم طبيعته، كانت شرا بالنسبة إليه. فعندما نسمع الإيمان بالقضاء خيره وشره، فالمقصود بالقدر هنا خيره وشره بالنسبة ما كان عند العبد، وأما ما عند الله سبحانه وتعالى فلا يقدر ربنا إلا الخير. قال المؤلف: قال: ما يلحق من المهالك، وذلك بما كسبت يداه، جزاء أو وفاقا، كما قال تعالى ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾، وقال تعالى ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾، وقال تعالى ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾، فليس في شرع الله، وليس في حكم الله ظلم، فأردنا ليس بظلام للعبيد، فربنا عدل حكم سبحانه وتعالى: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون﴾. وبهذا، إخواننا في الله، نفهم أنه لا تعارض بين الآية والحديث، فقول سبحانه وتعالى ﴿من شر ما خلق﴾، أي أن الله هو الذي خلق الشر، فما من شيء إلا ربنا هو خلقه، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم «والشر ليس إليك»، بأن الله لا يوصف بالشر، بأن الله لا يوصف بالشر، والأمر الآخر أن نعلم أن باب القدر عبارة عن جهتين: جهتان منفكتان، جهة متعلقة بالله، من حيث أن الله هو الذي قدر الأشياء، وهو الذي شاءها، وهو الذي أرادها، وهو الذي أوجدها. وجهة متعلقة بالعبد، وهو الذي سيبتل بهذا الذي قدر عليه، فما كان من عند الله هو الخير المحض، ينزل عليك خير، لكن هذا الخير لربما يكون عندك على صورة مصيبة، على صورة معضلة، ومع ذلك وخير من عند الله، وخير لك إن احتسبت يا عبد الله، فإن الله يرفع من قدرك. وبهذا، إخواننا في الله، المسلم كما قلنا ينبغي في باب الابتلاء أن يمعن النظر في الجهة الأولى، وكما قلنا وقل من عباد الله من يوفق لذلك، قل من عباد الله من يوطن نفسه أن هذا الابتلاء إنما ربي أراد بي خير. قليل لو أن العبد علم بهذا أن ما قدر عليه إنما هو من علم الله، وأنه من حكمة الله، وأنه الذي شاءه الله، لو علم العبد هذا لهانت عليه المشاق ولهانت عليه المصائب، لكن العبد ما ينظر إلى جهتي ما عند الله، ولكن ينظر إلى ما كان من جهته: أنا فيه هلاكه، وفيه قلة يده، وفيه مرضه، فيتصبر، فيتصبر، ولا يوفق إلا الموفق. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.