شرح أعلام السنة المنشورة  150

شرح أعلام السنة المنشورة 150

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 150، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعريف الظلم وبيان مراتبه

يبدأ المقطع بتعريف الظلم عند أهل السنة وتقسيمه إلى نوعين: ظلم أكبر وهو الكفر والشرك، وظلم أصغر لا يخرج من الملة، ثم ينتقل إلى شرح مراتب الظلم المختلفة استنادًا إلى الأحاديث النبوية والآيات القرآنية.

تحريم إخراج المطلقة الرجعية من بيت زوجها واعتباره ظلمًا

يناقش المقطع تحريم إخراج المطلقة الرجعية من بيت زوجها لتحقيق المصالحة ومراجعة الزوج لزوجته، ويعتبر مخالفة هذا الحكم ظلمًا كما جاء في القرآن.

خاتمة الدرس والدعاء والصلاة على النبي

يختتم المقطع بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على قدرة الله تعالى وولايته على كل شيء.

  • 15 جمادى الآخرة 1440هـ - 20/02/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: إلى كم قسم ينقسم كل من الظلم والفسوق والنفاق في هذه المسألة؟ وهو الشروع في معرفة هذه الألفاظ وما يتعلق بأقسامها، إلى كم ينقسم كل من الظلم والفسوق والنفاق؟ فقال رحمه الله: ينقسم كل منهما إلى قسمين: أكبر هو الكفر، وأصغر دون ذلك. وهذا هو الرد الإجمالي لهذه المسألة. الكفر ينقسم إلى قسمين، منهما هو الظلم الأكبر المختص بالدين والملة، وظلم أصغر. وهكذا الفسوق ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر. وهكذا النفاق ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر. قال رحمه الله تعالى: ما مثال كل من الظلم الأكبر والأصغر؟ قال رحمه الله تعالى: مثال الظلم الأكبر ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين﴾. والظلم الأكبر -إخواني في الله- هو الكفر، سمى ربنا جل وعلا الكفر بالظلم، وسمى ربنا جل وعلا الشرك بالكفر، واعتبر تسمية الشرك والكفر بالظلم؛ لأن ما هو الظلم؟ حقيقته: الظلم تعريفه عند أهل السنة هو وضع الشيء في غير موضعه، وضع الأشياء في غير موضعها هذا هو الظلم الذي سار عليه أهل السنة، بخلاف غيرهم عرفوا الظلم بعدة تعاريف لأغراض وأهواء خاصة، ليس هذا محل ذكرها. الذي يهمنا أن نفهم أن في لغة العرب، والذي سار عليه أهل السنة، معنى الظلم هو وضع الشيء في غير محله. وأي ظلم أعظم من الشرك؟ الله جل في علاه هو الذي خلق، هو الذي برأ، هو الذي رزق، هو الذي أعطى، هو الذي بذل، جل في علاه خلق السماوات والأرض، وبعد هذا كله يأتي من يأتي من خلق الله ويصرف العبادة لغير الله، فيضع العبادة ويعطيها لغير مستحقيها، يعطيها لغير ربها سبحانه وتعالى، هذا هو وضع الشيء في غير موضعه، فهذا هو الظلم، وهو الظلم الأكبر، وهو الظلم الأعظم، وهذا هو الظلم الذي يخرج من الدين والملة، لا يقبل الله جل وعلا من صاحبه صرفًا ولا عدلًا. فهذا هو الظلم الذي يكون بمعنى الكفر، وسيذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى بعض الآيات التي فيها التعبير بالشرك والكفر بأنه ظلم، كهذه الآية، قال سبحانه: ﴿فإن فعلت فإنك إذًا من الظالمين﴾ أي: بمعنى من الكافرين، وهذا في حق من صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. قال: وقوله تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾، الشرك وصفه ربنا سبحانه وتعالى بأنه ظلم، وهو أعظم الظلم، أن تجعل لله ندًا، أو تعطي العبادة لفلان وفلان من الناس من أي وجه، هذا ظلم، فكل من اتخذ لله ومع الله شريكًا، سواء كان ملكًا، سواء كان نبيًا، سواء كان وليًا، سواء كان صالحًا، سواء كان قبرًا أو ميتًا، فهؤلاء قد وقعوا في الظلم، وهو ظلم العبد لربه، بأن يجعل الله جل وعلا شريكًا في طاعة وعبادته. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾، هم الظالمون، أعظم الظلم هو الظلم بعينه، أن تجعل الله جل وعلا ندًا وشريكًا. قال: وقوله تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾، وقد جاء في الصحيح: عندما قرأ الصحابة قول الله جل وعلا: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾، ظن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن الآية المقصود بها: أن من شرط المؤمن أن لا يقع منه ظلم، من شرط المؤمن أن لا يقع منه ظلم، فشق هذا عليهم، وما من أحد إلا ويقع منه ظلم، إما ظلم لنفسه، وإما ظلم مع عباد الله أو مع خلق الله، صغيرًا كان أو كبيرًا، قريبًا أو بعيدًا، زوجة أو ولدًا، يقع، وخاصة مع العشرة والمعاملة. فلما تفطن الصحابة إلى أن معنى الآية: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾، شق هذا عليهم، فقالوا: يا رسول الله، وأينا لم يظلم؟ فقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إنه الشرك»، أي: ليس هذا الظلم الذي أنتم تظنونه، لا، وإنما المقصود بالظلم هنا الشرك. وبهذا استفاد العلماء -كما ذكر ذلك الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى-، وفي هذه الآية، وعلى هذا الحديث، فيه بيان على أن الظلم مراتب، هناك الظلم الأكبر وهو الشرك الذي لا يغفره الله، وهناك ظلم دون هذا، وهو تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى. قال: وقوله تعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾، هؤلاء في حق الكفرة، سماهم ربنا ظالمًا وظلمة، وهم ظالمون، وظلمهم -كما قلنا- أنهم وضعوا الشيء في غير موضعه، وضعوا العبادة في غير محلها، فكانوا ظلمة. ولهذا -إخواني في الله- ينبغي أن نفقه أن الظلم يطلق أحيانًا على الكفر وعلى الشرك، ويكون حكمه ظلمًا أكبر، فمن أشرك فهو في الظلم، من كفر فهو في الظلم، وهو أعظم الظلم، والكافرون هم الظالمون. قال رحمه الله تعالى: ومثال الظلم الذي دون ذلك، وهناك ظلم دون هذا الظلم، كما قلنا: الظلم على نوعين: ظلم أكبر بمعنى الكفر والشرك، وهناك ظلم دون وهو ما يسميه العلماء بالظلم الأصغر، أو ما يسمى بالظلم دون ظلم، وهذا يختلف عن الأول، الأول يخرج صاحبه من الدين والملة، وأما الثاني فلا، فإن صاحبه لا يزال من عداد المسلمين، ولا ينافي أصل الإيمان. وقد استدل العلماء ممن استدل به على أن الظلم مراتب بعض الأحاديث، ومنها ما جاء عند البزار بإسناد حسن، حسنه جماعة من أهل العلم، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله»، الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله. ثم أبان نبينا صلى الله عليه وسلم وبين وشرح وفصل في هذه الأنواع الثلاثة، فقال عليه الصلاة والسلام: «فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك»، الشرك، وهذا كما يسمى بالظلم الأكبر، وقد وصف -كما مر معنا- وصف ربنا الشرك والكفر بأنه ظلم، فهذا ظلم لا يغفره الله سبحانه وتعالى، قال: «قال الله: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾»، هكذا قرأ نبينا من باب ذكر إيضاح المسألة. قال: «الظلم الذي لا يغفره الله الشرك»، ثم قرأ قول الله جل وعلا: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾، قالوا: أما الظلم الذي يغفره الله، قال: «فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم»، هذا ظلم، وهو ظلم العبد لنفسه بفعل المحرمات، ما بينك وبين الله، بينك وبين الله جل وعلا هذه الشريعة، فعل الأوامر وترك النواهي، فعندما لا تعطي الأشياء ولا تضع الأشياء في موضعها وقعت في الظلم؛ لأن هذا هو الظلم، سياسة الظلم تدور على هذا المعنى: عدم وضع الأشياء في مواضعها. بينك وبين الله هذه الشريعة ملزوم بها بأن تؤدي الأوامر طاعات واجبات فرائض، وتقبل على النوافل والمستحبات، هذه شرع الله أوامر، ومن شرع الله نواهي من محرمات من كبائر من جرائم من موبقات، هذه واجب أن تتركها، فإن عكست، فإن جئت إلى الأوامر فتركتها، أو جئت عند المعاصي ففعلت، إذن وضعت الأشياء في غير موضعها، فأنت ظالم، فأنت ظالم. لكن هذا الظلم الذي بين العبد وبين ربه يسمى بالظلم الأصغر، وهو لهذا قال نبيه: «وظلم يغفره الله»، وخلاص إذا حصل من العبد توبة وإنابة ومحو، وكما يقول العلماء: وهذا نوع من أنواع الظلم من أخف أنواع الظلم؛ لكثرة ما يجعله ربنا لعباده من المكثرات، مكفرات كثيرة، فأعطاها لنا ربنا في شريعتنا تمحي هذا النوع من أنواع الظلم، من التقصير والتفريط في جنب الله، من أعمال المصائب التي تبتلى بها، تكفر عن ذنوبك، ما كان من فعل الخير، الصدقات والإحسان وبر الوالدين، ذكر الله يكفر عن ما كان من هذا الظلم، فهذا ظلم يغفره الله. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ظلم لا يتركه الله»، فظلم العباد بعضهم بعضًا، هذا نوع من أنواع الظلم لا يتركه الله، لماذا لا يتركه الله؟ لأن الحقوق مرهونة معلقة، فلا تستبرأ من هذا الظلم إلا بأداء الحقوق، وهو ظلم العباد بعضهم لبعض، الاعتداء على الأموال، الاعتداء على الأعراض، الاعتداء على الأنفس، ما يكون فيها عفو إلا بعد أن تستحل من أهلها وترد الأمانات إلى أصحابها، فهذا لا يحترمه الله، سيبقى لك، إما أنك تؤدي الأمانة لأصحابها في الدنيا، أو يأتيك يوم القيامة. أتدرون من المفلس؟ هذا هو الذي اعتدى ظالمًا، أخذ مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيأخذ من حسناته، لا بد أن تؤدى، فهذه الأنواع الثلاثة من أنواع الظلم. فالظلم الأكبر هو الظلم الأول، وأما الظلم الأصغر ففي النوعين الثانيين، فظلم العبد لنفسه، وظلم العباد بعضهم لبعض، هذا من الظلم الأصغر، أن يكون صاحبه لا زال من أهل الإسلام، لكن يحاسب ويعاقب، وأمره عند ربه، إن شاء غفر له، وإن شاء تجاوز عنه سبحانه وتعالى. ولهذا أكثر العلماء على هذه التفاصيل: أن الظلم ينقسم إلى ظلم أكبر، وظلم أصغر، ولا بد التفريق في هذا الباب، ومن الغلط والخلط والخبط والغباء -أقوله صراحة- والغباء: أن بعض الناس ما ينتبه لهذا، مثاله: يأتي بعض الناس ولما يقرأ: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾، يرى أن أي آية فيها الحكم بالظلم فمعناها كفر، معناها كفر، ولهذا يمر على آيات القرآن التي فيها ظلم: كفر، كفر، كفر، كفر، ظلمنا، كفرنا، من الظالمين، من الكافرين، كل آية. حتى قيل: وأخبرت بهذا، قرأت عن بعض المشايخ: أن من دعاة الخير جلس مع بعضهم، أولئك الأغبياء الذين معنى إلمامهم بكتاب الله، ولا فكر في الشريعة، فناقشهم، قالوا: نقول بهذا، أي آية فيها ظلم بمعنى الكفر، قالوا: طيب، ألم تقرأ قول الله جل وعلا في حق يونس عليه السلام: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾؟ قالوا: نعم، يونس كفر، يونس كفر، ثم تاب. طيب، آدم، ربنا: ﴿ظلمنا أنفسنا﴾، قالوا: آدم كفر، لكن تاب، أيش هذا؟ من يقول بهذا؟ من يقول بأن الأنبياء وقع منهم كفر؟ أصلا ما يصح هذا، لكن هذا الغباء بعينه. فلا تأتي -يا عبد الله- وتفهم هذا الفهم، أن كل ظلم كفر، لا، من الظلم يكون كفرًا مخرجًا من الدين والملة، وهو الظلم الذي يكون فيه إشراك بالله، وجعل العبادة في غير محله، ومن الظلم ما يكون معصية، وهو ظلمك لنفسك بفعل المعاصي، بترك الطاعات، والإتيان بالمحرمات، أو ظلمك لعباد الله، من الاعتداء والبغي على خلق الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: ولهذا سيتمثل مؤلفنا رحمه الله بآيات تدل على الظلم الأصغر، قال رحمه الله تعالى: ومثال الظلم الذي دون ذلك ما ذكره الله تعالى بقوله في الطلاق: ﴿واتقوا ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾، حكم ربنا، حكم ربنا على هذا الفاعل بأنه ظالم، من هذا الفاعل؟ هذه في مسألة في أبواب الطلاق. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾، هذه في مسألة المطلقة، المطلقة الطلاق الرجعي، امرأة طُلقت التطليقة الأولى أو الثانية، إن طُلقت المرأة التطليقة الأولى والثانية فهي الرجعية، حكمها أن لا تخرج من البيت، وهذه مسألة -إخواني في الله- أصبحت من الغرائب، من الغرائب عند كثير من خلق الله، السنة والدين، بل الواجب: أن الزوج لو قدر الله خصام بين الزوجين، فقام الزوج وطلق زوجته: «أنت طالق»، مباشرة تأتي إلى الدولاب تفتح الدولاب وتأتي بالأغراض وتفتح الشنطة وتضع الثياب وتسافر وتتصل على أبيها وعلى أخيها: «خذوني من هذا الرجل السفاح المجرم طلقني»، وتنطلق، ورجل يذهب، ما يجوز، لا هذا ولا ذاك، لا يجوز. وسئل عن العبارة: لا يجوز، بل يحرم على الزوج أن يخرج زوجته إذا طلقها، ويحرم على الزوجة أن تخرج من بيت زوجها إن طلقها، خالد يقول: واش تفعلون؟ يبقى تبقى في بيتها في بيت زوجها تبقى، لا تخرجوهن من بيوتهن، ما يتخرج المرأة، تبقى. قد يقول: كيف هذا؟ هذا هو شرع الله، ولهذا إن قام الزوج وطرد زوجته بحجة أنها طالق: «يلا بيت أهلك، يلا طالق، يلا»، فهو آثم، وإن قامت المرأة هي بالخروج وأخذت لملمت أغراضها وخرجت، فهي عاصية؛ لأن الله سمى هذا ظلمًا، وهذا ظلم، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه. ما نقول: كافر -كما قلنا-؛ لأن الظلم يطلق على الكفر، ويطلق على المعاصي، وهنا معصية، لكنها معصية، ولهذا -إخواننا في الله- وإن كانت هذه مسألة فقهية نذكرها عرضًا، لكن يناسب ذكرها؛ فالزوجان إن قدر بينهما طلاقًا رجعيًا، فالمرأة تبقى، تبقى، والزوج يسكت، طلقها، حكم شرع الله أن تبقى عنده، قل: كيف؟ أن طلقها -يا عباد الله- ولو طلقها تبقى، إيش الفائدة؟ الفائدة قال ربنا: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾، وجود الزوجة في بيت زوجها بعد طلاقها صبرًا، ستأتيها صدمة، فما الذي ستفعل المرأة؟ ستبكي مثلًا، تبكي وتتذمر وتشتكي وتكفكف في الدموع وتأتي بأبنائها عندها، فالزوج كلما جاء وراح في هذا المنظر ينكسر قلبه ويتفطر فؤاده، ولهذا يراجعها. أو أن المرأة حصيفة تحسن من سلوكها، تعرف الخطأ الذي وقعت فيه، لعلها شرثارة، لعلها تشتكي دائمًا، لعلها، لعلها، فتحسن من وضعها فتغير من أمرها، فتتقرب إليه، تتجمل إليه، تتزين إليه، فلربما لما يراها زوجها أمامه بهذه الصورة والأخلاق الحسنة يراجعها، أقرب للرجعة. لكن انظر الذي يقع في بيوتنا: عندما تخرج المرأة إلى بيت أهلها وهو يبقى، ما الذي يظهر؟ تظهر قرون الشيطان، يظهر قرن الشيطان في الزوج، وقرن الشيطان في الزوجة، ولهذا يأتي المصلح، ويأتي عاقل الحارة، وتأتي المحاكم، لماذا؟ لأن الشيطان هدم بينهم، كله يتصلب على محله. والسنة: السنة أن تبقى المرأة، «أنت طالق»، تبقى، لا في شيء، طالق، خلص، أنا امتنع عنها حتى تمر العدة، مرت العدة تذهب، تنصرف بعد العدة، لكن بعد انقضاء العدة، قبل انقضاء العدة لا تخرج الزوجة، تبقى، وذلك كما قال: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾. ومن فعل هذه السنة الذي سنها ربنا لعباده ستجد أن الشمل غالبًا ما يجتمع، غالبًا ما يجتمع، إما أن الرجل يتكسر فؤاده لما يرى من فعله وحماقته واستعجاله -مثلًا- فيندوي وراجعها، أو أن المرأة تعترف بخطئها وما سيؤول إليه أمرها، فتعيد الكرة والحسابات، فتحسن من أمرها فترجع، فتتوب. أما إذا تفرقا، وانظر -إخواني- يا للمحاكم كيف أن الأمور تكون معضلة إذا تحاصم وتفرق، الحاصل -إخواني في الله- لا يجوز، قال ربنا جل وعلا: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾، لا تخرجها ولا هي تخرج، كل يبقى في محله، عدتك في بيتي، زوجك. ولهذا -يا إخواني- ولي الأمر من كان أبًا أو أخًا يفتضح لذلك، فإن جاءت أخته مثلًا ملكية: «أوه، زوجي طلقني»، وش عندك هنا؟ كيف طلقني؟ «ارجعي»، كيف؟ «زوجي طلقني»، «ارجعي»، هذا من الغرائب، كيف أرجع؟ «ارجعي»، هذه سنة الله في خلقه في مسألة الزواج، أن تبقى، فإن خرجت هي بمحض إرادتها فهي آثمة، فقل: «ظلمت نفسها»، وإن أخرجها فهو آثم، والأصل البقاء. قال سبحانه: ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾، قال: وقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾، هذه آية أخرى أراد المؤلف أن يمثل بها على أن من الظلم ما ليس بكفر، كهذه مسألة مسألة الإمساك وإضرار، هذا كان أمرًا يفعل في الجاهلية، يقوم الزوج ويطلق امرأته: «أنت طالق»، فتبقى في العدة، فإذا قاربت أن تنقضي العدة قال: «تعالي راجعتك»، فإذا دخلت طلق، يطلقها تذهب إلى أن تبقى في العدة فترة، وقاربت أن تنقضي العدة قال: «تعالي راجعتك»، ويجعلها ألعوبة، لماذا؟ يجعلها معلقة، لا هي مطلقة طلقة تتزوج من غيره فتنعم بحياتها وتشق طريقها، ولا أنه جعلها في عصمته يحسن إليها، لا هذا ولا ذاك، هذا فعله مضارة، حكمه عاصٍ، بدليل أن الله سمى ظلمًا، قال: ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾، فسمى ربنا هذا ظلمًا، ظلمًا للمرأة، ظلمًا لحقها، وهذا لا يجوز. فالأصل إما أنك تمسكها بمعروف، أو تطلقها بإحسان، يا هذا موضوع ذاك، وهذا موضوع ذاك، أما أنك لا تضع الأمور في مواضعها فقد وقعت في الظلم. الحاصل -إخواننا في الله- هذا المبحث أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين أن الظلم على قسمين: ظلم أكبر وهو الكفر والشرك، وظلم أصغر، وما يكون من ظلم العباد لأنفسهم بفعل المعاصي، أو بظلم بعضهم بعضًا، وذلك بالاعتداء والبغي، والفرق بينهما: أن الظلم الأكبر مخرج من الدين والملة، والظلم الأصغر -ظلم العبد لنفسه، وظلم إخوانه- ليس مخرجًا من الدين والملة، لكن يحاسب ويعاقب ويعاتب عليه العبد. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.