الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 51، ألقاها
يشرح المقطع حديثًا نبويًا يرويه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم وسند الحديث وشرحًا لرجاله وتوثيقهم. يُبين المقطع أهمية الحديث في فهم فضل سورة الفاتحة.
يتناول المقطع فضل سورة الفاتحة وتسمياتها مثل أم الكتاب والسبع المثاني، ويشرح سبب اعتبارها أعظم سورة في القرآن. يشمل الشرح توحيد الله وتوحيد المتابعة وطريق أهل الاتباع والضلالة.
يبحث المقطع في حكم البسملة في سورة الفاتحة، ويعرض اختلاف القراءات وآراء الفقهاء مثل الإمام الشافعي. يستنتج أن البسملة ليست من الفاتحة استنادًا إلى بعض القراءات والآراء الفقهية.
يختتم الشارح الشرح ببعض النقاط الهامة المتعلقة بالحديث النبوي، ويشير إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء، مؤكدًا على أهمية التوكل عليه.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقل بن مهاجر، رحمه الله تعالى: قال الإمام النسائي، رحمه الله: قال رحمه الله: أخبرنا عبيد الله بن عبد الكريم، وعبيد الله بن عبد الكريم هو الإمام أبو زرعة الرازي، رحمه الله، إمام محدث كبير من علماء المسلمين، كان من أعرف الناس بعلم الحديث وبرجاله وبعلله، رحمه الله. قال: حدثنا علي بن عبد الحميد، وهو المعني. وقال: وثقه أبو زرعة وأبو حاتم، كما ذكر الشيخ رحمه الله. قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، وهو بصري من أثبت الناس في ثابت، يعد بعد حماد بن سلمة في ثابت، أو بعد حماد، أو بعد الحمادين: حماد بن سلمة وحماد بن زيد. سليمان بن المغيرة من أوثق من روى عن ثابت البناني، رحمه الله. قال: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت -ثابت هو ابن أسلم البناني، إمام أهل البصرة، حتى أن الإمام أحمد كان يقول: الضعفاء من أهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس. الضعفاء من أهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس، والضعفاء من أهل المدينة يقولون: محمد بن منكدر عن جابر- أي: الضعفاء إذا أوهموا حديثًا، إذا وهموا في حديث قالوا: ثابت عن أنس، أي: من أهل البصرة؛ لكثرة رواية ثابت عن أنس. وأهل المدينة أيضًا إذا شكوا في حديث قالوا: محمد بن منكدر عن جابر. ولهذا من نظر في ضعفاء البصرة، غالب روايتهم عن ثابت عن أنس. وأيضًا ضعفاء المدينة عن محمد بن منكدر عن جابر. قال: قال أبو حمزة عن أنس بن مالك: قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في مسير له، فنزل ونزل رجل إلى جانبه. كان النبي صلى الله عليه وسلم في مسير له، وعنى في سفر، كان يمشي في ذلك السفر، فنزل ونزل رجل إلى جانبه -أي: نزل هذا منزلًا من المنازل، منازل المسافر الذي ينزل فيها- أنا نزل هذا لأجل أن يرقد في القيلولة، أو لأجل أن يصلي، مما ينزل في ذلك المنازل. وإذا نزل في الليل يسمونه تعريسًا، عرسًا ليلًا، أي: نزل في الليل في مكان لأجل أن ينام. قال: ونزل رجل إلى جانبه، إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسم هذا الرجل. قال: فالتفت إليه، فقال: لا أخبرك في أفضل القرآن؟ قال: فتلا عليه ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، أي: الفاتحة. قال: وهذا حديث صحيح. فعبيد الله بن عبد الكريم هو الحافظ الكبير أبو زرعة الرازي. وعلي بن عبد الحميد هو المعني، وقد أثنى عليه أبو حاتم وأبو زرعة كما في تهذيب التهذيب. وقد أخرجه الحاكم، فقال: أخبرنا حسين بن الحسن بن أيوب، قال: حدثنا أبو حاتم الرازي، قال: حدثنا علي بن عبد الحميد المعني بهذا الإسناد الذي تقدم. قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. قال: كذا قال. وعلي بن عبد الحميد ليس من رجال مسلم. أنا أخطأ الإمام الحاكم، لكن الحاكم أحيانًا يقول هذا ويريد أن رجاله مثل رجال مسلم، مثل رجال البخاري، لكن هذا ليس الصحيح. والذي مشى عليه العلماء أنه إذا خرج حديثًا من نفس الرجال الذين خرج لهم مسلم. قال: وهذا الحديث فيه فضيلة الفاتحة، وأم الكتاب، وأم القرآن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاءت الأحاديث في الصحيحين في حديث أبي سعيد بن المعلّى. لما دخل لأجل أن يصلي، فناداه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أصلي. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لما لم تأت إذ ناديتك؟ قال: يا رسول الله، إني كنت أصلي. قال: ألم تسمع قول الله جل وعلا: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾؟ قال: بلى. قال: لا أخرج من المسجد حتى أعلمك سورة هي أفضل سورة في القرآن، هي أفضل سورة في القرآن، أو قال: أعلمك سورة قبل أن أخرج. فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج، قال له -وهو أبو سعيد بن معلى- يا رسول الله، إنك قلت: أعلمك سورة قبل أن أخرج. قال: نعم، ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته. وجاء أيضًا هذا الحديث، حديث سعيد الخدري، أيضًا في الرقية بفاتحة الكتاب. وجاء أيضًا من أحاديث كثيرة في فضيلة هذه السورة العظيمة. فسماها النبي صلى الله عليه وسلم الشافية والكافية، وأم القرآن، والسبع المثاني، وفاتحة الكتاب، وغيرها من التسميات التي جاءت في هذه السورة العظيمة. فهي أعظم سورة في القرآن، يفتتح بها القرآن، ولهذا سميت الفاتحة؛ لأنها يفتتح بها كتاب الله جل وعلا. قال: وهذه السورة إنما كانت أعظم سورة لاجتماعها على توحيد الله جل وعلا، بل لاجتماعها على الدين كله. ففيها توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وكذلك توحيد المتابعة. وأيضًا كذلك فيها طريق أهل الاتباع، وطريق أهل الضلالة، وغير ذلك مما في هذه الفوائد العظيمة في هذه السورة العظيمة. فلهذا اهتم فيها العلماء، فألفت فيها المؤلفات، أي: في تفسيرها. وحافظ ابن جرير أكثر في تفسيرها، وكذلك الحافظ ابن كثير، وغيرهما من العلماء. قال: فتلا عليه ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وهذا دليل على أن البسملة ليست من الفاتحة، هذا دليل من الأدلة على أن البسملة ليست من الفاتحة. لكن قد يقال: كيف هي سبع المثاني لأن هذا كثير من الناس يستشكله؟ فإذا قلت له: مثلا البسملة ليست من الفاتحة، قال: كيف تكون سبع المثاني وهي ليست من الفاتحة؟ والبسملة من سابعهن أيضًا. عند الدارقطني أن البسملة إحدى آياتها، لكن الصحيح أنه موقوف. والجواب على هذا الإشكال أن الموجود الآن في المصحف، أو المصحف هذا المعمول هو على قراءة حفص بن عاصم، حفص بن سليمان الغاضري عن عاصم، وعاصم بن بهدلة الكوفي، وكلاهما من الكوفة. وقراءة أهل الكوفة ومذهبهم أنهم يجعلون البسملة من الفاتحة، معنى مذهب الكوفة وقراءاتهم يجعلون البسملة من الفاتحة، بخلاف أهل المدينة. ولهذا من قرأ مثلًا في قراءة ورش، أو قالون -وهو عيسى بن مينا- على قراءة نافع، لا يجد أن بسم الله آية، لا يجد أنها آية. لكن في قراءة حفص عن عاصم، على مذهب الكوفيين، جعلوا بسم الله آية. وإنما في مصحف أهل المدينة، وقراءة نافع بن عين، رحمه الله، فإنه جعل ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ آية، ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ آية، ثم ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ آية. وأما في مصحف حفص، جعل ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ كلها آية، حتى تكون البسملة آية من الفاتحة. فهذا الإشكال من هنا، معناه: هذا الإشكال مذهبي، وليس من النبي صلى الله عليه وسلم. وبعض الآيات التي في القرآن اجتهاد في تفصيلها، وإلا أكثر الآيات هي من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينص على وضعها. وإنما الخلاف: هل تنتهي الآية إلى هنا، إلى هذا المكان، أو أن ما بعدها هو منها؟ أحيانًا نختلف في هذا القراء. وهذا ليس معنا فيه شيء يؤثر على المعنى، وإنما فقط في الترتيب. فلهذا تدل على أن البسملة ليست من الفاتحة. ولهذا قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾. وهذا أيضًا جواب الإمام الشافعي، رحمه الله، على حديث أنس الذي في الصحيحين، عندما قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بكر وعمر وعثمان كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين». كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين. فقال الإمام الشافعي: ليس المراد أنهم يستفتحون يقولون: الحمد لله رب العالمين، وإنما كانوا يسمون الفاتحة: الحمد لله رب العالمين. فنستدل بها على مسألة أن الفاتحة أن البسملة يجهر بها. ورد على الذين يقولون بأنه يجهر بها على هذا الحديث، على أنها تسميتها: الحمد لله رب العالمين. لكن هذا أيضًا جاء في رواية أخرى: «كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم». وإن كان لا شك أن رواية: «كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين» أثبت؛ لأنها رواها أكثر الذين رووا عن قتادة، وكذلك عن ثابت، رواها بهذا المعنى: الحمد لله رب العالمين. ورواها بعضهم عن قتادة من أصحاب شعبة: «كانوا لا يجهرون بسم الله الرحمن الرحيم». أنا رواه عن شعبة عن قتادة. فالمهم أن هذه ثابتة، وهذا ثابت أيضًا. قولوا: «كانوا لا يجهرون». أما رواية: «كانوا لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم»، فالظاهر أنها رواية شاذة، «كانوا لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم»، رواية شاذة، أو قيل بالمعنى، أخذها بعض الرواة بالمعنى. فلهذا فقد يقال: كما قلنا: صح بالوجهين، هذا وهذا. وإذا كان صح بالوجهين، فالمراد به أنه كان يستفتح بالحمد لله رب العالمين، ما يستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم. فإذا كان مثلًا أقر بأن هذه الفاكهة تسمى الحمد، فإدراج البسملة فيها زيادة. وإذا كان هو أيضًا المذهب الشافعي، رحمه الله، أيضًا كذلك. إذا كانت هذه تسميتها، فالحمد لله رب العالمين هي أول آية فيها. فإذا أسر بها النبي صلى الله عليه وسلم -أي: بالبسملة- فهو أسر بشيء ليس من الفاتحة، مثل إسراره بالمعوذتين، أو بالتعويذ. فهذا شيء مما يذكر في هذا الحديث. سنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.