الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 90، ألقاها
المحور الأول يتناول شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول الاستعاذة من أمور غير نافعة، حيث ذكرت عدة روايات للحديث من مصادر مختلفة. تم استعراض الأحاديث النبوية التي تشير إلى أهمية الاستعاذة من أمور معينة.
هذا المحور يفسر الأمور الأربعة التي استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منها، وهي علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع. تم توضيح دلالات هذه الأمور ومدلولاتها الشرعية.
المحور الأخير يركز على التحذير من الخصال المذمومة مثل قسوة القلب وعدم استجابة الدعاء والطمع، وأيضاً أهمية تجنب الأعمال غير النافعة التي لا يرفعها الله. تم التأكيد على أهمية الأعمال الصالحة المقبولة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام النسائي رحمه الله تعالى: حدثنا قتيبة بن سعيد. قتيبة بن سعيد بن ظريف بن جميل الثقفي البغلاني، ويقال له: بغلاني؛ لأنه من بغلان، وهي منطقة في العراق، وهو ثقفي من قبيلة الحاكم الظالم الحجاج بن يوسف. قتيبة بن سعيد بن ظريف بن جميل، يقال: إنه اجتمع في أبائه ثلاثة آباء متواليين أسماؤهم تدل على الفرح، وكذلك الخير: قتيبة بن سعيد بن ظريف بن جميل. وقتيبة كان حافظا من حفاظ الإسلام، قد سمع منه أعيان الإسلام جميعا، إنه لمن كان في ذلك العصر كأحمد وعلي بن المديني ويحيى بن معين، وكذلك البخاري، كذلك أسحاق، وإبراهيم، ومسلم، والحجاج، وأهل السنن جميعا، إلا ابن ماجه؛ فيروي عنه بواسطة محمد بن يحيى الدهلي، وإلا أكثر أهل السنن يروون عنه مباشرة: البخاري، مسلم، أبو داود، النسائي، وكذلك الترمذي. الترمذي يروي عنه مباشرة، ويروي عنه بواسطة. وكان من حفاظ الإسلام، وأيضا كان من أهل الرأي، كما ذكر عن نفسه أنه قال: «كنت من أهل الرأي، وأدرس مسائل الرأي»، قال: «ثم رأيت رؤية أن مزادة خرجت من السماء -المزادة: وعاء يوضع فيه الماء- فهذه المزادة خرجت من السماء، والناس ينظرون إليها، قال: ولم يستطيعوا أن يتناولوها -معنى الناس يريدون أن يتناولوها ما استطاعوا- قال: فتناولتها، ثم نظرت إليها فرأيت فيها المشرق والمغرب»، قال: «فذهبت عند من يفسر هذه الرؤى، فقال لي: إنك تدرس الرأي، والرأي ليس إلا في المشرق»، يعني: هذه المسائل مسائل الرأي، مسائل أهل الكوفة، مسائل أبي حنيفة وأصحابه، هذه ما تجدها إلا في المشرق، لكن الحديث ستجده في المشرق والمغرب. فقال له: وهذا يدل على أنك تطلب الحديث. وأيضا قال: أيضا إن أباه رأى رؤية أيضا في كتاب في أسماء أهل الحديث، وكان مع الرجل، فقال له: ألا أنظر لي أو حتى أنظر في هذه الأسماء؛ لعل ابني منها، قال: فنظر، فإذا ابنه منها، فجعله بعد ذلك يدرس الحديث، فصار حافظا كبيرا من حفاظ الحديث. قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا خلف -خلف بن خليفة المجاشعي، ووثقه- ويقال: إنه رأى عبد الله بن حارث الزبيدي. قال: إنه رأى عبد الله بن حارث الزبيدي، وعبد الله بن حارث صحابي صغير، فإن كان خلف قد رأى؛ فهو من التابعين، من صغار التابعين؛ لأن بعضهم يشكك في هذه الرؤية؛ لأن سنه لا يرتقي لأن يرى أحدا من الصحابة. قال: عن حفص -وهو حفص بن عمر بن أخي أنس، أن عمر هو أخو أنس- والظاهر أنه عمر بن أبي طلحة، وهذا حفص ابنه، وهو حفص ابن أخي أنس، يعني: أخوه من أمه. قال حفص عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو بهذه الدعوات: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع»، ثم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من هؤلاء الأربع». قال حفص: هو ابن أخي أنس، وخلف هو ابن خليفة. قال: والحديث أخرجه أحمد، فقال: حدثنا عفان، قال: حدثنا خلف بن خليفة، قال: حدثنا حفص بن عمر عن أنس به. وقال الإمام محمد -يعني ابن حبان- رحمه الله: حدثنا بهز -وهو ابن أسد- وحدثنا أبو كامل -وهو فضيل بن حسين- قال: حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من قول لا يسمع، وعمل لا يرفع، وقلب لا يخشع، وعلم لا ينفع». وقال أحمد: حدثنا حسين بن موسى -وهو الأشيب- قال: حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة -ورواية حماد بن سلمة عن قتادة فيها شيء- قال: عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وعمل لا يرفع، وقلب لا يخشع، وقول لا يسمع». قال: وخرج أبو يعلى، فقال رحمه الله: حدثنا أبو نصر التمار، قال: حدثنا حماد به. ثم قال: حدثنا إبراهيم بن الحجاج، قال: حدثنا حماد به -طريق ثالث إلى أنس-. قال الإمام محمد بن حبان، أبو حاتم البستي: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن موسى بعسكر مكرم، قال: حدثنا هارون بن عبد الأعلى، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يقول: حدثنا أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم إني أعوذ بك من دعاء لا يسمع، وأعوذ بك من قلب لا يخشع». قال: هذا حديث صحيح. عبد الله بن محمد بن موسى هو الملقب عبدان الأهوازي، ترجمته في تاريخ بغداد. قال خطيب: كان أحد الحفاظ الأثبات. فهذا الحديث فيه تعوذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأربع، إلا أن هذه الأربع اختلفت في الأحاديث، بعض الأحاديث يزيد شيئا آخر، وبعضها يقص شيئا، مثل: الآن هذه الرواية الأولى فيها أربع: قلب، علم لا ينفع، قلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع. وهكذا جاء في حديث عبد الله بن عمر الذي أخرجه أحمد أيضا، جاء من حديث عبد الله بن عمر، وهو حسن، كذلك في هذه الأربع. وفي حديث قتادة عن أنس: «اللهم إني أعوذ بك من قول لا يسمع»، ويحمل على دعاء، يحمل على دعاء لا يسمع، «وعمل لا يرفع»، وهذا زيادة ليست موجودة في الذي قبله. وكذلك أيضا في حديث حماد -أو رواية حماد- عن قتادة، وقلب لا يخشع، بدل أو نفسه، معنى الحديث، لكن في رواية سليمان التيمي عن أنس ذكر اثنين فقط: ذكر الدعاء، وذكر القلب. وقد جاء هذا الحديث في صحيح مسلم من حديث زيد بن أرقم، جاء هذا الحديث في صحيح مسلم من حديث زيد بن أرقم أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء، وذكر دعاء قبل، ثم قال: كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعوة لا يستجاب لها»، «ودعوة لا يستجاب لها»، فهذه ثم قال: «وأعوذ بك من هؤلاء الأربع»، فهذه الأربع الأشياء، ويزاد فيها أيضا «وعمل لا يرفع»، تصير خمسة أشياء. فهذه تعوذ منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولأن لها أضداد، لها أضداد خير. فقوله: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع»، أي: لا ينتفع به هذا، يحمل على معنيين: إما لا ينفع؛ أي: لا ينتفع به الشخص، بل يكون وبالا عليه، وإما لا ينفع؛ أي: هو نفسه العلم، هو العلم نفسه بذاته لا ينفع، مثل: بعض العلوم التي بعضها قد يضر، كعلم السحر؛ أنه يضر الإنسان، وهو علم لا ينفع. وكذلك أيضا بعض العلوم الدنيوية، بعض العلوم الدنيوية أيضا لا تنفع، مثل: كذلك علم الفلسفة، وعلم المنطق، وغيرها؛ فهذه العلوم لا تنفع، بل تضر الإنسان، وغيرها من العلوم الدنيوية التي لا تنفع الإنسان. فهذا يتعود منه النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع»؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾، فهم يعلمون أمور الدنيا، عندهم علم بأمور الدنيا، وهي لا تنفعهم، لكن هم عن الآخرة هم غافلون. فلهذا يفسر هذا الحديث أو هذا الدعاء بالمعنيين: إما قوله: «علم لا ينفع»؛ أي: لا ينفع صاحبه، هذا العلم لا ينفع صاحبه، بل تجد أنه كلما تعلم كلما ازداد سوءا، وهذا يدل على أن علمه غير صحيح؛ يعني: إذا كان هذا العلم لا يقربك إلى الله، هذا علم غير صحيح؛ أي: ليس المراد العلم نفسه، أي: أخذك للعلم غير صحيح. ولهذا كانت كما أثر عن سفيان الثوري: أن أمه كانت تقول له: إذا تعلمت علما لم يزدد به قربة إلى الله؛ فلا تتعلمه. يعني: إذا كان هذا العلم لا يقربك إلى الله؛ فلا تتعلم هذا العلم، إذا لم يكن يقربك إلى الله سبحانه وتعالى. فلهذا قال: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع»؛ لا ينفع صاحبه، أو كما قلنا: المراد أنه هذا العلم لا ينفع، ليس فيه نفع، بل فيه مضرة. قال: «وقلب لا يخشع»، قلب لا يخشع، ليس فيه خشوع، بل قلب قاس. والله عز وجل يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، فالله عز وجل نزل هذا الكتاب، هذا الكتاب العظيم الذي هو كتاب الله جل وعلا، فيه مواعظ، فيه مواعظ تخشع القلوب، فمن لم يخشع بهذا الكتاب؛ فهو قلبه لا يخشع. وهذا الذي تعوذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكما قال الحسن البصري رحمه الله -كما عند ابن أبي الدنيا وغيره- أنه قال: «التمس قلبك عند ثلاثة: التمس قلبك عند ثلاثة: في الصلاة، وعند قراءة القرآن، وعند ذكر الله جل وعلا، فإن لم يخف قلبك بهذه الثلاثة؛ فابحث عن قلب لك غيره؛ إن هذا قلبك ضائع، فيه قسوة». فإذا لم يخشع عند هذه الأشياء الثلاثة: لا عند الصلاة، ولا عند قراءة القرآن، ولا عند الذكر؛ فهذا قلب قاس، والعياذ بالله. وهذا الذي استعاذ منه عليه الصلاة والسلام. قال: «ودعاء لا يسمع»، وجاء في حديث زيد بن أرقم: «ودعوة لا يستجاب لها»، «ودعوة لا يستجاب لها»؛ لأن الله عز وجل إذا سمع دعاء الداعي استجاب له، معنى ذلك: أنه استجاب له، والمراد استجاب له، ليس أنه ينفذ أو أنه يعطيه ما سأل، ممكن أنه يعوضه، أو يصرف عنه ما هو أعظم من ذلك، يصرف عنه ما هو أعظم من ذلك، أو يعطيه أكثر مما يكون فيه مصلحة له، أو يؤجره على هذه الدعوة يوم القيامة. أما دعوة لا يستجاب لها، ولا تسمع؛ فهذه دعوة شر، هذه دعوة شر. وهذا يدخل فيه ما يكون من الاعتداء في الدعاء، ما يكون من الاعتداء في الدعاء. فقد جاء في حديث عبد الله بن مغفل عند أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن أناسا من أمته -قال عليه الصلاة والسلام: «إن أناسا من أمتي يعتدون في الطهور والدعاء»- يعتدون في الطهور والدعاء. فقد يكون هناك أيضا اعتداء في الدعاء. قال بعض العلماء في شرح هذا الحديث: أن الاعتداء في الدعاء أن يطلب مثلا من الأشياء المستحيلة، شيء مستحيل يقع، أن يقول مثلا: «اللهم اجعلني ملكا من الملائكة»، هذا شيء مستحيل، كيف أنت بشر ويجعلك الله عز وجل ملكا من الملائكة؟ أو يعلم أن الأنبياء قد انقطعوا، قد جعل الله عز وجل خاتم النبيين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدعو فيقول: «اللهم اجعلني نبيا من أنبيائك»، هذا يعد اعتداء، وغيرها من هذه الأشياء التي ادعى بها، قد يأثم الشخص على هذه الدعوة، أو أنه يدعو بشيء لا ينفعه، يدعو بشيء قد يضره، مثلا من المعاصر، مثلا أن: «اللهم قرب لي كذا وكذا»، وهو معصية لله عز وجل، «اللهم يسر لي» مثلا شيء مما يذكر، شيء مما حرمه الله؛ فهذا شيء يضره. فلهذا فهذا الدعاء مما لا يسمع. قال: «ونفس لا تشبع»، وهذه النفس التي لا تشبع تضر صاحبها، دائما يأكل ويريد المزيد، سواء كان في الأكل أو في المال أو في غيره، المهم أنه يريد أن يعطى. وهذه النفس التي لا تشبع هي نفس الأنانية، هذه النفس التي لا تشبع هي نفس أنانية. ولهذا جاء في حديث الحكم بن حزام: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فيعطيه، ثم سأله فأعطاه، ثم قال له في الثالثة: «يا حكم، إن هذا المال حلو خضير، إن هذا المال حلو خضير، فمن أخذه بسخاوة نفس؛ بورك له فيه، ومن أخذه بغير حقه؛ كان كالذي يأكل ولا يشبع»، كان كالذي يأكل ولا يشبع. فأحيانا بالطمع والأنانية تكون من هذا الباب، من النفس التي لا تشبع. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، معنى: طمع النفس، معنى: شحها، من وقاها؛ فهو مفلح. ومن يوق شح نفسه؛ الشح هو الأنانية وطمع النفس. فقال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فقال عليه الصلاة والسلام: «ونفس لا تشبع»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من هؤلاء الأربع». فهذه أربع سوء، كذلك «عمل لا يرفع» أيضا هذه خامسة، عمل لا يرفع، لا يرفعه الله عز وجل؛ أي: أنه غير مقبول، غير مقبول، مثل أعمال المشركين، أعمال ممن لا يقبل الله عز وجل صلاتهم، كالذي يصلي بالناس وهم له كارهون، وغيره. فالعمل الذي لا يرفع؛ لا يرفع؛ فهذا عمل خاسر. فلهذا استعاذ منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فهذه الأشياء التي جاءت في هذا الحديث، إن شاء الله تعالى نكتفي بما ذكر، والحمد لله رب العالمين.