الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 83، ألقاها
كان مالك بن دينار زاهدا في الحياة الدنيا، يكتب المصاحف ويشتري بها طعامه البسيط. مارس الزهد ولم يأكل اللحم إلا في عيد الأضحى، معتبرا معرفة الله عز وجل نعيما حقيقيا.
النبي صلى الله عليه وسلم حذر من خطباء الفتنة الذين يقولون ما لا يفعلون، وأخبر عن منافقين في آخر الزمان يقولون ما لا يفعلون ويعملون ما لا يؤمرون. هذا التحذير يشهد على وعيد الله لمن يخالف قوله عمله.
يجب على طالب العلم والداعي إلى الله أن يعمل بعلمه ويتق الله قدر الاستطاعة، ويستغفر الله إذا وقع في الذنوب. عدم العمل بما يقوله الإنسان للناس يعتبر من الأمور المذمومة شرعا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: لما مضى أعلى أحمد بن علي بن موصلي، قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، وهو أثبت بصري، قال: حدثنا معتمر، وهو ابن سليمان، أيضا بصري، وهو أثبت، ويقال إنه أوثق من أبيه، وهو معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، قال: عن أبيه، وهو سليمان بن طرخان التيمي، قال: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ليلة أسري بي رأيت قوما تقرض ألسنتهم بمقارض من نار، أو قال: من حديد»، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: «خطباء أمتك». وقال أبو يعلى رحمه الله: حدثنا محمد بن منهال، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا هشام الدستوائي، هشام بن أبي عبد الله الدستوائي البصري، عن المغيرة، ختن مالك بن دينار -والمغيرة هو المغيرة بن حبيب، وهو أيضا ثقة، وتكلم فيه الأزدي، ورد قول الأزدي، قال: فيه الأزدي إنه منكر، والأزدي فيه تعنت في الرجال، وهو أيضا بعيف، قد ضعفه يحيى بن معين- عن المغيرة، ختن مالك بن دينار، وخطنه أي صهره، صهر مالك بن دينار، قال: عن مالك بن دينار. ومالك بن دينار أبو يحيى البصري الزاهد المعروف، اشتهر بزهده رحمه الله، وكان من خيار التابعين، وكان يقول رحمه الله: «خرج الناس من الدنيا ولم يتنعموا فيها»، فقالوا: وما هذا النعيم الذي لم يتنعموا به يا أبا يحيى؟ قال: «معرفة الله عز وجل». قال: معرفة الله عز وجل، وهذا أمر عظيم، وصدق رحمه الله؛ لأنه كما قال الشيخ السلام: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهي الأنس بالله جل وعلا، ومعرفة الله سبحانه وتعالى، وعبادته وطاعته جل وعلا؛ فإنها تجعل في القلب أنسا بالله، واطمئنانا في القلب، فيجد الإنسان راحة في قلبه، وطمأنينة في قلبه، مهما حصلت له من الأمور في الدنيا فإنه لا يبالي بها. هذا مالك رحمه الله كان من أكبر الناس، كان يعمل، يكتب القرآن، يكتب المصاحف، ويأخذ عليها أجرة، فيعطي صاحب الخباز المال، ويشتري منه ستين رغيفا في كل يوم رغيفين، ويبقى معه فلسان، فيشتري به ماء، ملحا، إنه يأكل خبزا أو ملحا طول حياته. وقال رحمه الله: «ما أكلت لحما إلا في عيد الأضحى». فهذا لأجل أن يريّض نفسه على الزهد، وأنه لم يبالِ بهذه الدنيا، لم يبالِ بما يكون فيها، وهذا أعظم الزهد، لكن لا ينبغي للإنسان أن يحرم على نفسه شيئا أحله الله عز وجل له، لكن إن كان تركه زهدا فلا شيء، أما أنه يحرم على نفسه فهذا خطأ. ولهذا لما جاء أسلم بن يسار إلى البصرة، قارعاه مالك بن دينار، وقد تزين بثيابه، فجلس ووعظ، وكان مالك ينظر إلى ثيابه، فقال له أسلم: ما لك يا مالك تنظر إلى ثيابي؟ قال: أراك قد تزينت. قال: وما كنت في نظرك؟ قال: وهذا لبس رفعني في نظرك أم وضعني؟ قال: بل وضعك. قال: وهذا الذي أريد. فبكى مالك بن دينار، وأراد رحمه الله أن يبين له أن لبس الخلق من الثياب -يعني الرديء من الثياب والوسخ- شهرة، هذه شهرة لا ينبغي للإنسان أن يفعلها، وهذا ليس أيضا زهدا في الدنيا؛ لأن مثل هذا يشار إلى الرجل بالبنان، وأنه ليس عنده شيء، أو أنه زاهد في الدنيا، أو كذا، وهذا ليس من سبيل المخلصين. فلهذا عرف مالك بن دينار مغزى أسلم أو يسار بن أسلم أو أسلم بن يسار الذي أراد أن يفهمه إياه. وكان مالك من تلاميذ الحسن البصري، وجلس عند أنس رضي الله عنه أيضا، وسمع منه حديثا، لكنه كان مقلا في الحديث، وإن كان ثقة، إلا أنه قليل الحديث، لكن كان له كلمات طيبة جدا، ولهذا نقل عنه جعفر بن سليمان، وأيضا المغيرة بن حبيب، وجماعة من تلامذته نقلوا عنه كلمات عظيمة. قال: عن مالك بن دينار، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أتيت على سماء الدنيا ليلة أسري بي، فرأيت رجالا تقطع ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار»، فقلت: يا جبريل، ما هؤلاء؟ قال: «هؤلاء خطباء من أمتك». قال: هذا حديث صحيح. ويجيد هو ابن جريج، لا قلت ابن هارون، خطأ، معنى ابن جريج: أبو معاوية البصري، ويجيد ابن هارون واسطي، قاله المغيرة بن حبيب، وهو أخو مالك بن دينار، وهو بصري كذلك. قالوا: في تفسير ابن كثير زيادة ثمامة بين مالك وأنس، وعزاه إلى ابن مردويه، وابن حبان، ورجح الإمام الدارقطني أن هذا الحديث بين مالك وأنس ثمامة، وبين علي بن زيد، وكذلك أنس ثمامة؛ لأنه قد رواه حماد بن سلمة، روى هذا الحديث عن علي بن زيد، عن أنس بن مالك، وبعضهم رواه عن علي، عن ثمامة -أي ثمامة بن أنس- عن أبيه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وهذا الحديث فيه وعيد شديد لمن يتكلم بما لا يعمل، ويقول ما لا يفعل، فهذا كما جاء في بعض الروايات: قال: «هؤلاء الخطباء من أمتك يقولون ما لا يفعلون». وهذا يشهد له ما جاء في الصحيحين، في حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى برجل يوم القيامة، فتندلق أقتاب بطنه -أي تخرج أقتاب بطنه- ومعه كتاب، فيدور حولها كما يدور الحمار حول رحاه، فيجتمع عليه الناس، فيقولون: يا فلان، ألم تكن تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ قال: بلى، كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه». إنه كان يخالف قوله عمله، والله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾. وهذا الظاهر أنه من كان دأبه ذلك -أي أنه ليس عنده إخلاص وتقوى من الله جل وعلا- لكن طالب العلم والداعي إلى الله جل وعلا يحث الناس على الخير، وأيضا يحاول أن يعمل بعلمه قدر الاستطاعة، يحاول أن يعمل بذلك العلم قدر الاستطاعة. فالإمام أحمد رحمه الله حدث بحديث، فأعطى الأجرة لما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الحجام أجرته، فأتى بحجام وأعطاه أجرته، عمل بالحديث، كان يقول: اعمل بالحديث ولو مرة واحدة تكون من أهله -أي تكون من العاملين به- فيجتهد المسلم والداعي إلى الله أن يعمل بما يقوله للناس. وأما الأشياء الصعبة والشاقة فقد تتحملها النفس، وقد لا تتحملها، والناس يختلفون في ذلك، وخاصة في الزهد في الدنيا، وكذلك تقوى الله عز وجل في أعلاها ومقامها، وخشية الله؛ فالناس يتفاوتون في هذا، فبحسب مرئ أن يفعل أن يتق الله عز وجل ما استطاع، والإنسان قد يقع في الذنوب، وقد يقع في الخطايا، لكن الشأن أنه إن كان قلبه حيا فلابد أن يستغفر الله ويتوب إلى الله جل وعلا. وربنا جل وعلا وصف الإيمان بذلك: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾. وفي الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب، فاستغفروني أغفر لكم». فلهذا ينبغي للمسلم والداعي خاصة، وطالب العلم أن يجتهد بمثل هذه الأمور، ولا ينبغي أن ينوي عدم العمل، وهذا غالبا يقع من عدم الإخلاص والصدق والمراقبة لله عز وجل. فتجد الإنسان يتكلم بكلام، ويعلم أنه لا يعمل بهذا الكلام، وهو أيضا في نية أنه لا يعمل بهذا الكلام، وكذلك أيضا ينهى الناس عن المنكر، وهو يأتيه، وهو يعلم ذلك، وهو أيضا ليس في نية أنه سيترك، أحيانا الإنسان ينهى الناس عن المنكر، وهو قد يقع فيه، لكن يستعين بذلك على تركه، يستعين بوعظ الناس، أو بكلامه للناس على ترك هذا المنكر، فهذه نية طيبة وعمل صالح. وإنسان يقع في هذا المنكر، وهو ينهى الناس عنه، وهو ليس هناك له نية على ترك هذا المنكر، فهذا أمر عظيم، وهو داخل في هذه الأحاديث. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت ليلة أسري بي رجالا تقطع ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار؛ لأنهم تكلموا بشيء لم يعملوا به»، فقلت: يا جبريل، ما هؤلاء؟ قال: «هؤلاء خطباء من أمتك». وجاء في اللفظ الأول: «خطباء أمتك». وليس المراد أن كل من يخطب، وإنما المراد من لم يعمل بما يتكلم به. وكما قلنا هو داخل في قول الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾. وكبر مقتا: أي غضبا عظيما يغضب الله عز وجل عليكم غضبا عظيما إن لم تفعلوا ما تقولون. ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أناس في آخر الزمان، كما جاء في حديث مسعود: «يقولون ما لا يفعلون، ويعملون ما لا يؤمرون»، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك عقة خردل من إيمان. فهذا شيء مما يذكر في هذا الباب، ونكتفي به، والله تعالى أعلم.