التعليق على العقيدة الطحاوية 35

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 35، ألقاها

الإسراء والمعراج وتأكيد نبوة النبي

يشرح المقطع الأول عقيدة أهل السنة في الإسراء والمعراج، مؤكدًا أنهما حدثا في اليقظة وليس في المنام. النبي صلى الله عليه وسلم أُسري به بجسده وروحه إلى بيت المقدس ثم عُرج به إلى السماوات العلى.

دلالات ومعاني حادثة الإسراء والمعراج

يتناول المقطع الثاني دلالات الحادثة، مشيرًا إلى فضيلة الصلاة وعلو الله عز وجل على عرشه. كما يستدل بمسألة الدعاء واستقبال القبلة، ويشير إلى حياة الأنبياء في قبورهم.

تفاصيل حادثة الإسراء وفرضية الصلاة

يتحدث المقطع الثالث عن تفاصيل الحادثة وفرضية الصلاة، حيث فرض الله الصلاة مباشرة على النبي دون وسيط، ونقص عدد الصلوات من خمسين إلى خمس. كما يبرز نصح الأنبياء لبعضهم.

ختام الحديث والاعتراف بعلم الله

يختتم الحديث بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء، ويعبر عن الامتنان لله رب العالمين. يشير إلى انتهاء الحديث حول الإسراء والمعراج.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: والمعراج حق، وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلى، وأكرمه الله بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى، فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى. فهذا المقطع قد أخذنا ما تيسر من مسائله في مسألة المعراج، وأنه حق، وأنه أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعرج به أو بشخصه، أي روح وجسد، بروحه وجسده، وليس كما يقول بعضهم من البدع: أنه بروحه فقط، بل بعضهم يقول: إنه أسري به بجسده، لأن هذا يقولون: معقول، والآن بعضهم يقول: قد وصل الناس إلى مثل هذا التطور، لكن العروج صعب، فلهذا ما دخل عقولهم، فنفوه، فقالوا: إنما هو منامًا، وهذا افتراء وكذب، بل هو يقظة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فرج عن سقف بيتي وأنا في مكة، فجاءني ملكان، فأخذ بضبعي، وجاء جبريل، وجاء بالبراق، وصعد النبي صلى الله عليه وسلم على البراق، ثم انطلق به البراق». وقد هيأ الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم ذلك، لأن الله عز وجل سبحانه وتعالى غالبًا يجعل الأشياء بأسبابها، فخلق البشر لا يستطيع أن يمشي في الهواء إلا بشيء، إما بأكسجين أو غيره، فلهذا قال بعض العلماء: إن حادثة شق الصدر وغسل قلب النبي صلى الله عليه وسلم بماء زمزم، كل ذلك تهيئة لهذه المسألة، وهي قضية الإسراء، وكذلك العروج، وهي أعظم. فهيئ الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، فأسري به عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس، والتقى بالأنبياء، وصلى بهم، ثم أعرج به عليه الصلاة والسلام إلى ربه جل وعلا، وكان جبريل معه يستفتح له السماوات السبع، حتى بلغ إلى سدرة المنتهى، قال نبيه صلى الله عليه وسلم: «ثم صعد بي»، أو «ثم صعدت»، قال: «حتى سمعت صرير الأقلام». وقيل له: «هل رأيت ربك؟» قال: «نورًا أنى أراه». وجاء في بعض الروايات: «رأيت نورًا». فلهذا قال هنا المؤلف: «ثم إلى حيث شاء الله من العلا»، وليس إلى السماء فقط، بل إلى ما فوق السماوات السبع، عليه الصلاة والسلام. قال: «وأوحى إليه ما أوحى». وهذه حادثة الإسراء تدل على فضيلة الصلاة، وقد ذكرنا المسائل التي في هذا، وهناك مسائل أخرى دلت عليها حادثة الإسراء، منها: أن الله عز وجل مستوٍ على عرشه، عالٍ فوق خلقه، سبحانه وتعالى. ولهذا أصعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى فوق سبع سماوات، فهذا دليل واضح، وهو أصرح دليل، خاصة للعوام ولأهل الفطرة، لأن الله عز وجل مستوٍ على عرشه فوق سماوات. يدل على ذلك أيضًا مسألة الدعاء، كما قال الهمداني: لما كان يحضر عند أبي محمد الجويني، وكان يتكلم في العقل، فقال: «يا أبا محمد، دعنا من هذا، وانظر إلى هذه الفطرة التي يجدها العبد، ما من أحد رفع يديه إلى السماء إلا ويجد فطرة في قلبه أنه يتجه إلى السماء، فما هذه الفطرة؟» فقال الجويني: «حيرني الهمداني، حيرني الهمداني»، وخرج ما استطاع أن يجيب على هذا. فهذه فطرة جعلها الله عز وجل في قلوب عباده. وأراد بعض الأشاعرة أن يردوا على هذا الأمر، فقالوا: «السماء قبلة الدعاء»، فلهذا قال بعض العلماء، وهو الإمام المعلم رحمه الله: «هذا أوحى لهم الشيطان بهذا، أن جبريل جاء من ربه جل وعلا بأن القبلة هي الكعبة، فمن أين جاءوا بأن قبلة الدعاء السماء؟ من الذي أوحى إليهم بهذا؟ ما فيه إلا الشيطان هو الذي أوحى إليهم بهذا، فليس قبلة الدعاء إلا القبلة نفسها، قبلة الدعاء والصلاة واحدة». ولهذا قال العلماء جميعًا: يستحب للداعي أن يستقبل القبلة في دعائه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، لما كان في بدر قبل الحرب، قبل أن تبدأ المعركة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله عز وجل، مستقبلًا القبلة، ورفع يديه، ودعا الله سبحانه وتعالى. فهي فطرة جعلها الله عز وجل في هذه المسألة. وأيضًا من هذه المسائل التي تدل عليها حادثة الإسراء والمعراج: حياة الأنبياء، وأنهم أحياء، وأنهم أحياء في قبورهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن العرض لا تأكل أجساد الأنبياء». وأيضًا في هذا الحديث: أن الملائكة رضي الله عليهم السلام لا يعلمون الغيب، لكن يعلمون بعض الأشياء التي يسمعونها، والتي تلقى عليهم من الغيب، وليس كل الغيب يعلمون. ولهذا لما استفتح جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فيقولون: «من هذا؟» فيقول: «جبريل». فيقولون: «من معك؟» فيقول لهم: «محمد». فيقال لهم: «أبعث؟» فيقال لهم: «نعم». فيقول لهم: «نعم، أنا الآن أكثر العلم». وهل السيرة على أن حادثة المعراج حصلت في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقصت في آخر جلوسه في مكة، أم بعدها بثلاث سنوات أو أقل أو أكثر قليلًا خرج من مكة إلى المدينة؟ ومنهم من يقول: إنها بخمس سنوات من البعثة، فحصلت هذه الحادثة، ولم يعلم بها هؤلاء البعيدون. وهكذا غيرها من المسائل العظيمة التي في هذا الباب، أو في هذا الإسراء والمعراج، ومن أعظمها أيضًا: فرضية الصلاة، وهميتها، أن الله عز وجل لم يفرض الصلاة إلا في ذلك المكان العظيم، ولم يكتف بإرسال جبريل لأجل أن يفرض عليه، وأن يوحي إليه بالصلاة، بل تعالى يأتي إليه، وأوحى وكلمه سبحانه وتعالى جل وعلا كفاحًا بدون رسول، سواء كان ملكيًا أو غيره، بل كلم الله عز وجل نبيه مباشرة، أوحى، وأيضًا فرض عليه هذه الصلوات، ففرض عليه خمسين صلاة، ثم نقصت إلى خمس. وهذا يدل على رحمة الله جل وعلا العظيمة، وأنه يسر على عباده، وكذلك فيه نصح الأنبياء، حتى وهم في تلك الحياة الآخرة، وهم نصح، فهذا موسى عليه الصلاة والسلام نصح نبينا صلى الله عليه وسلم أن يسأل الله عز وجل أن يقلل من الصلوات، فكلما جاء أرجعه، وهذا يدل على نصحه العظيم، وإلا لما ولَّى النبي صلى الله عليه وسلم لما مر على موسى، بكى موسى عليه الصلاة والسلام، فقيل له: «ما يبكيك؟» قال: «هذا فتى أرسل بعدي، وأمته أكثر من أمتي يدخلون الجنة». فمع هذا إلا أنه ما آل بالنصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل نصحه، وشدد عليه في النصف، كلما جاء قال له: «ارجع إلى ربك وسله التخفيف، فإن أمتك لا يستطيعون ذلك»، حتى صارت خمس، فقال له: «كذلك». فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إني استحييت من ربي»، فنادى منادي: «أن فرضت على عبادي خمسًا، وخففت عليهم، فهي في الفعل خمس، وفي الأجر خمسون». فهذه بعض المسائل التي تذكر في هذا الباب، وهو المعراج أو الإسراء والمعراج، وما ذكره العلماء في هذا. ولأن المسألة مسألة عقائد، وهذا الكتاب كتاب عقائد، فلهذا تكلمنا أكثر عن المسائل العقدية التي يذكرها العلماء في الإسراء والمعراج، ولم نعرج كثيرًا على المسائل الأخرى، لأجل أنه ليس هذا بابها. الله تعالى أعلم، ونكتفي بذلك. الحمد لله رب العالمين.

شاركنا على