الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 23، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح الشيخ موقف الطائفة الرابعة التي تنفي عن الله الوجود والعدم والحياة والموت زاعمة أن الإثبات تشبيه والنفي تعطيل. ويرد بأن تسمية الله بما سمى به نفسه ليست تشبيهاً لأن الاشتراك في الاسم لا يستلزم تماثل المسميات، وهذه شبهة باطلة وسنة جاهلية قديمة.
يبيّن المقطع كيف يخلط المخالفون بين إثبات الصفات على الوجه اللائق وبين التمثيل بالمخلوق فيرمون أهل السنة بالتجسيم والحشوية لينفروا الناس عن الحق. ويوضح أن هذه الطريقة قديمة سلكها أهل البدع والمشركون وتستمر اليوم بألقاب مثل الوهابية والإرهاب لصد الناس عن قبول الحق.
يستعرض المقطع البرهان العقلي على أن كل محدث لا بد له من محدث مستدلاً بالآية الكريمة وقصة إسلام جبير بن مطعم ومثال أبي حنيفة للسفينة بلا قائد. مبيناً أن الموجودات الممكنة لا توجد بنفسها ولا من غير موجد بل لا بد لها من خالق واجب الوجود هو الله تعالى.
يوضح المقطع استحالة أن يحدث الشيء نفسه لكونه ممكن الوجود منتقلاً من العدم إلى الوجود، مؤكداً وجوب وجود موجد ومدبر للكون. ويشير إلى استمرار الحديث في هذا البرهان في الدرس القادم.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمة الله تعالى عليه في كتابه "تقريب التدمرية": قال: فصل: الطائفة الثالثة: غلاة الجهمية والقرامطة والباطنية ومن تبعهم، وطريقتهم أنهم ينكرون الأسماء والصفات، ولا يصفون الله تعالى إلا بالنفي المجرد عن الإثبات. طيب. لعننا ذكرنا هذا. فصل: الطائفة الرابعة: غلاة الغلاة من الفلاسفة والجهمية والقرامطة والباطنية وغيرهم، وطريقتهم أنهم ينكرون... وطريقتهم أنهم أنكروا في حق الله تعالى الإثبات والنفي، فنفوا عنه الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، ونحوه، وقالوا: إنه لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ونحو ذلك. وشبهتهم أنهم اعتقدوا أنهم إن وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإن وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات. والرد عليهم من وجوه. ثم ذكر رحمه الله الوجوه التي رد بها عليهم. هؤلاء الذين ذكرهم المؤلف رحمه الله تعالى هذه الطوائف هم غلات الغلاة من الفلاسفة والجهمية والقرامطة والباطنية، أنكروا في حق الله جل وعلا الإثبات والنفي، فلم يثبتوا لله جل وعلا وصفاً، ولم ينفوا عنه جل وعلا وصفاً، فلا أثبتوا ولا نفوا. فلا أثبتوا لله جل وعلا صفة الوجود، ولا نفوا تلك الصفة عنه، فقالوا: لا موجود ولا معدوم، لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل. ومعنى كلامهم: ولا سميع ولا أصم، ولا بصير ولا أعمى. فلم يثبتوا ولم ينفوا، لم يثبتوا لله جل وعلا صفة، ولم ينفوا عنه صفة. ويقال في قولهم هذا: هو نفي للنقيضين، سلبوا عن الله جل وعلا النقيضين، لأن نقيض الحياة الموت، ونقيض العلم الجهل، ونقيض السمع الصمم، ونقيض البصر العمى، وهكذا. فهم لم يقولوا في الله جل وعلا إنه حي فأثبتوا لله جل وعلا هذه الصفة، ولا قالوا كذلك إنه ميت، ولا قالوا هو موجود، ولا قالوا هو معدوم. معنى ذلك أنهم نفوا عن الله جل وعلا النقيضين، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان معاً في آن واحد، بل يلزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر، ويلزم من انتفاء أحدهما ثبوت الآخر. مثل الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل. إذا ثبت وصف الحياة انتفى وصف الموت، وإذا ثبت الوجود انتفى العدم، وإذا ثبت العلم انتفى الجهل. فلا يمكن اجتماعهما معاً: حي وميت، عالم وجاهل، موجود ومعدوم، لا يمكن؛ لأن بينهما تناقض. فهذا النقيض... فوجودهما معاً ممتنع، وارتفاعهما معاً في آن واحد كذلك ممتنع. وهؤلاء سلبوا عن الله جل وعلا هذا، فقالوا: الله جل وعلا لا حي ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل. لا أثبتوا ولا نفوا. وهؤلاء هم غلات الغلاة من الفلاسفة والجهمية والقرامطة والباطنية. من سبقهم من الجهمية والقرامطة والباطنية عطلوا الله جل وعلا عن الصفات، وأثبتوا له وجوداً مجرداً، نعم، غير موصوف بوصف، وحقيقته العدم. وهؤلاء صرحوا... صرحوا بهذا، فقالوا: الله لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل. ما هي شبهتهم؟ ذكر المؤلف رحمه الله أن شبهتهم أنهم قالوا: إذا أثبتنا لله جل وعلا الصفات وأقررنا بالإثبات، إثبات الصفات له، شبهناه... شبهناه بالموجودات. إذن إذا أثبتوا صفة لله جل وعلا قالوا: شبهناه بالموجودات. ولماذا نفيتم؟ ولماذا لم تجرؤوا كذلك بالنفي ولم تنفوا عن الله جل وعلا صفة؟ قالوا: لأننا إذا نفينا عنه الصفات شبهناه بالمعدومات. إذن لا نثبت ولا ننفي، لا نثبت لله جل وعلا الصفات، ولا ننفي عنه الصفات. قالوا: لأننا إذا أثبتنا له الصفات شبهناه بالمعدومات... وشبهناه بالموجودات، وإذا نفينا عنه الصفات شبهناه بالمعدومات. إذن ماذا تقولون؟ قالوا: لا نقول لا هذا ولا هذا، لا إثبات ولا نفي، لا إثبات الوجود له ولا نفي الوجود عنه، لا إثبات الحياة له ولا نفي الموت عنه، لا إثبات العلم له ولا نفي الجهل عنه، لا إثبات السمع له ولا نفي الصمم عنه، لا إثبات البصر له ولا نفي العمى عنه. لا موجود ولا معدوم، لا حي ولا ميت، لا سميع ولا أصم، لا بصير ولا أعمى، لا عالم ولا جاهل. يعني لا إثبات ولا نفي، لا إثبات حتى لا نشبهه بالموجودات، ولا نفي حتى لا نشبهه بالمعدومات. هكذا قالوا. قال رحمه الله تعالى: والرد عليهم من وجوه. الأول: أن تسمية الله ووصفه بما سمى ووصف به نفسه ليس تشبيهاً، ولا يستلزم التشبيه، فإن الاشتراك في الاسم والصفة لا يستلزم تماثل المسميات والموصفات. وتسميتكم ذلك تشبيهاً ليس إلا تمويهاً وتلبيساً على العامة والجهاد. ولو قبلنا مثل هذه الدعوة الباطلة لأمكن كل مبطل أن يسمي الشيء الحق بأسماء ينفر بها عن قبوله. ذكر رحمه الله تعالى أن قولهم: إثبات الصفات لله جل وعلا يقضي التمثيل ويستلزم تشبيه الرب جل وعلا بالموجودات التي اتصفت بصفات، هذا باطل؛ لأن هذا لا يستلزم، لأن إثبات الصفات لله جل وعلا تليق به سبحانه وتعالى على ما يليق به جل وعلا، والاشتراك في الأسماء لا يستلزم تماثل المسميات والموصفات، كما تقدم ذكر هذه القاعدة. لأنها إنما تشترك في المعنى الكلي، في المعنى الكلي الذهني قبل التخصيص والإضافة، قبل التخصيص والإضافة. فإذا حصل التخصيص والإضافة كان كل مسمى على ما يليق به. فيقال: سمع الله، ويقال: سمع فلان، وسمع حيوان، وبصر الله، وبصر فلان، وبصر حيوان، إلى آخر ذلك. اختلفت حين حصل التخصيص والإضافة. فالاشتراك كان في الاسم، الاشتراك كان في الاسم، في المعنى الكلي الذهني قبل التخصيص والإضافة، الذي هو يقتضي ما هو في الواقع وأضيف إليه ذلك الوصف. فإذا أضيف إلى الله كان على ما يليق به جل وعلا، وإذا أضيف إلى الإنسان كان على ما يليق به، وإذا أضيف إلى الحيوان كان على ما يليق به الحيوان. وأما تسمية هؤلاء إثبات الصفات لله جل وعلا تشبيهاً، فهذا من التمويه ومن التلبيس على الناس. نعم. وهذه سنة جاهلية قديمة، سنة جاهلية قديمة متبعة إلى يومنا هذا، إلى يومنا هذا. تجد هؤلاء المخالفين من أهل البدع ممن ينتمي إلى مذهب الأشاعرة اليوم، وما أكثر هؤلاء اليوم في الساحة، لا كثرهم الله، يلبسون على الناس. حين يتكلم أهل السنة والجماعة في كتبهم أو في محاضراتهم أو في دروسهم، فيثبتون لله جل وعلا الأسماء والصفات على ما يليق به جل وعلا، من صفة الوجه، وصفة اليدين، وصفة السمع والبصر، والساق، والأصابع، وغير ذلك من هذه الصفات، يلبس هؤلاء الملبسون على الناس، فيقولون: ماذا؟ اسمعوا إلى هؤلاء ماذا يقولون: يصفون الله جل وعلا بأن له وجه كوجه المخلوق، وسمع كسمع المخلوق، ويدين كيدي المخلوق. وهذا كذب وافتراء. هل هكذا يقول أهل السنة والجماعة؟ أبداً والله. إنما يثبت أهل السنة والجماعة هذه الصفات التي ثبتت في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام على ما يليق بالله جل وعلا، وهذا لا يستلزم التمثيل. لكن هؤلاء يلبسون على الناس لينفروا الناس، لينفروا الناس عن أهل الحق، وعن قبول ما يقوله أهل الحق، فيقولون: هؤلاء يمثلون الرب جل وعلا بالمخلوق الذي له وجه، والذي له يدان، والذي له سمع، والذي له بصر. انظروا إلى التلبيس. هذا من قديم، هذا من قديم، ليس هو وليد اليوم كما يقال، وإنما هو من قديم. فأهل البدع في قديم الزمان أطلقوا على السلف حشوية، قالوا فيهم: حشوية، وقالوا فيهم: مجسمة. هذا من قبل مئات السنين. أطلقوا هذا... أطلقوا هذا الاسم على أهل السنة الذين أثبتوا الصفات لرب السماوات، لرب الأرض والسماوات جل وعلا، فقالوا فيهم: مجسمة. ما معنى مجسمة؟ يعني هؤلاء جعلوا الله جل وعلا جسماً كالمخلوق حين أثبتوا هذه الصفات. قالوا فيهم: حشوية، قالوا فيهم: كذا وكذا. وهكذا اليوم هذه المقالة يرددها أتباع هؤلاء، ولكل قوم وارث، ولكل قوم وارث. فالذين ورثوا أولئك أهل البدع السابقين هم الذين يقولون هذا اليوم، ويطلقون على أهل السنة هذه التسميات، قصد التنفير من أهل السنة، وعدم قبول ما جاء به أهل السنة، وهو موافق لما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: لو كان الأمر هكذا لاستطاع كل مبطل أن يرد الحق، كل مبطل استطاع أن يرد الحق بماذا؟ بتسمية أهل الحق بتسميات ينفر منها، وينفر الناس منها، حتى ينفر الناس منها. حتى الذي يثبت قدر الله جل وعلا، نعم، فيقولون: هذا قدري، هذا قدري. نعم. وهكذا المتمسك بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، يقولون: هذا متشدد، نعم، هذا متنطع، هذا كذا. وهكذا. وهو حال أهل البدع الرافضة، أطلقوا على صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام: ناصبة. أطلقوا على صحابة النبي عليه الصلاة والسلام، ومن كذلك أقر بخلافة الشيخين أبي بكر وعمر، قالوا فيهم: ناصبة. لماذا قالوا: ناصبة؟ المراد بالناصب: يعني هؤلاء نصبوا العداء، نصبوا العداء لأهل البيت. لأجل تنفير الناس، لأجل تنفير الناس من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا فيهم: ناصبة، قالوا فيهم: ناصبة. وهكذا المقالات تتتابع، وهي سنة كذلك. سنة المشركين، وهي من سنة المشركين. هذه الألقاب التي تطلق على أهل الحق لتنفير الناس عنهم، وعدم قبول ما جاءوا به من الحق الموافق للكتاب والسنة، هي سنة من سنن المشركين. المشركون كانوا يطلقون على من أسلم: صابئ. فيقولون: فلان صبأ، فلان صبأ، هو أسلم، أعلن إسلامه ودخل في هذا الدين، فكانوا يطلقون عليه: صابئ، فلان صابئ، صبأ. نعم، يعني ترك دين السلف، ترك ملة الآباء والأجداد، دخل في الدين. لماذا قالوا: صابئ؟ لماذا أطلقوا على هذا اللفظ: فلان صبأ، وفلان صابئ؟ لأجل التنفير من الدخول في هذا الدين. نعم. فإذا أراد أحد يسلم، يقول له: تريد أن تكون صابئاً؟ نعم. ويدخل، فيقال: أصبأ، وهكذا. وإلى يومنا هذا نسمع من يطلق على أهل الحق، من يطلق على أهل الحق أنهم ماذا؟ متعصب مثلاً، أو أنهم مثلاً: وهابية، أو أنهم مثلاً: انطوائيون. نعم، نعم. وهكذا من هذه الألفاظ، وهكذا من هذه الألفاظ التي يطلقها أهل الباطل على أهل الحق للتنفير منهم. والآن مثلاً لفظة: إرهابي، إرهابي، هذا يطلق على أهل الحق وعلى أهل الباطل. نعم. الذين أطلقوه أرادوا به ماذا؟ أرادوا به كل من تمسك... نعم. عندهم الإرهابي: المتمسك بكتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذي هو متمسك بدينه، إرهابي. نعم. وهذا خطأ وباطل، لكن للتنفير، للتنفير من أهل الحق. نعم. هناك من يقوم بعمليات إرهابية ويصدق عليه هذا اللفظ، وأن يقال في حقه: إرهابي، وهو الذي خرج عن تعاليم الإسلام، وأفزع الناس، وأرهب الناس. نعم. لكن أن يطلق هذا اللفظ فيقال في حق كل مستقيم ملتزم بشرع رب العالمين جل وعلا إنه إرهابي، فهذا باطل، وهي من الألفاظ التي يراد بها التنفير عن الإسلام، التنفير عن الإسلام. ولذلك نسمع من بعض إخواننا ممن يدعو أهله من أهل الغرب، من الذين هم لازالوا على عدم الدخول في دين الإسلام، يحتجون بهذا، يقولون: كيف ندخل معكم وندخل في هذا الدين، أنتم إرهابيون، أنتم إرهابيون؟ ومع أنهم ليسوا من الإرهابي في شيء، هم بحمد الله على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعلى استقامة على شرع الله، على كتاب الله وسنة رسول الله، فهم السلف الصالح. لكن لأجل أن أولئك الغرب ينشرون بين أوساط من هم تحت سلطتهم هذه الألفاظ تنفيراً من الدخول في الإسلام وقبول الحق، إلى آخر ذلك من هذه التسميات. فهؤلاء يريدون التدليس على العامة بقولهم: هؤلاء أهل السنة الذين يثبتون لله جل وعلا الصفات يمثلون الخالق بالمخلوق، ويجعلون الله سبحانه وتعالى كالمخلوق، لأجل تنفير الناس، وهي دعوة كاذبة باطلة. بل هي دعوة من قديم الزمان، فقد قيل في النبي عليه السلام: ساحر، كاهن، مجنون. كلها ألفاظ لأجل التنفير عنه عليه الصلاة والسلام، وآخذ الأنبياء الذين سبقوه، ما من نبي إلا ورموه بشيء من هذه الألقاب وهذه الألفاظ، لينفروا الناس عنه، وعن قبول ما جاء به من الحق عند رب العالمين سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: الثاني: أنه قد علم بضرورة العقل... من عنده هذه النسخة يصوب فيضيف الهاء. في هذه النسخة أن الصواب أنه لزيادة الهاء: أنه قد علم بضرورة العقل والحس أن الموجود الممكن لا بد له من موجد واجب الوجود. فإننا نعلم حدوث المحدثات ونشاهدها، ولا يمكن أن تحدث بدون محدث، ولا أن تحدث نفسها بنفسها، لقوله تعالى: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾. فتعين أن يكون لها خالق واجب الوجود، وهو الله تعالى. ففي الوجود إذن موجودان: أحدهما أزلي واجب الوجود بنفسه، والثاني محدث ممكن الوجود، موجود بغيره. ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يتفقا في خصائصه، فإن وجود الواجب يخصه، ووجود المحدث يخصه. أو وجود المحدث... وجود المحدث يخصه. فوجود الخالق واجب، أزلي، ممتنع الحدوث، أبدي، ممتنع الزوال. ووجود المخلوق ممكن، حادث بعد العدم، قابل للزوال. فمن لم يثبت ما بينهما من الاتفاق والافتراق لزمه أن تكون الموجودات كلها إما أزلية واجبة الوجود بنفسها، أو محدثة ممكنة الوجود بغيرها، وكلاهما معلوم الفساد بالاضطرار. ذكر المؤلف رحمة الله تعالى في هذا الموضع أنه قد علم بضرورة العقل والحس أن الموجود الممكن لا بد له من موجد واجب الوجود. نحن الآن نرى في ملكوت الله جل وعلا هذه الموجودات التي نشاهدها: السماء والأرض، والجبال، والبشر، والحيوانات، والبحار، والأشجار، إلى آخر ذلك من هذه الموجودات في ملكوت الله سبحانه وتعالى. هل هذه الموجودات أحدثت، أو أحدثت من غير محدث؟ أحدثت من غير محدث، يعني كانت هكذا، محدثة من غير أن يحدثها أحد؟ هذا مرفوض عقلاً، العقل يرفض ذلك، أن يكون المحدث المخلوق قد وجد وقد حدث من غير موجد أوجده، ومن غير محدث أحدثه. فلا بد لهذه الموجودات ولهذه المحدثات من موجد محدث أحدثها، وهو جل وعلا. وهكذا هذه المخلوقات وهذه الموجودات لم تحدث نفسها، لم تحدث نفسها لأنها محدثة ممكنة الوجود، محدثة. فما دامت محدثة فهي إذن لها موجد، ولها محدث. أما أن تكون وجدت من غير موجد، وحدثت من غير محدث، هذا ممتنع، غير مقبول. وهكذا أن تكون هي أوجدت نفسها وأحدثت نفسها، هذا كذلك ممتنع، غير مقبول؛ لأن المخلوق هو مخلوق، ولأن المحدث هو محدث. فكيف يكون محدث ما يكون محدثاً ومحدثاً ما يكون فاعلاً ومفعولاً ما يكون خالقاً ومخلوقاً أبداً؟ فإما أن يكون مخلوقاً، وإما أن يكون خالقاً، وإما أن يكون محدثاً فاعلاً، وإما أن يكون محدثاً مفعولاً. فلا بد من هذين الأمرين. ولذلك قال جل وعلا وأشار إلى هذا في كتابه الكريم: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾. هل خلقوا من غير شيء؟ يعني من غير خالق خلقهم، ومن غير موجد أوجدهم، ومن غير محدث أحدثهم؟ هذه السماوات وهؤلاء كذلك البشر، هكذا وجدوا من غير خالق، ومن غير موجد ومحدث؟ لا. طيب، هل هم أوجدوا أنفسهم؟ هل أحدثوا أنفسهم؟ لا، هم مخلوقون، نعم، وهم محدثون. فكيف يكون أوجدوا أنفسهم؟ ولذلك جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه، كما جاء في الصحيحين، حين جاء به في أسارى بدر، وقد سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ في صلاة المغرب سورة الطور، حتى جاء عند هذا، عند هذه الآية: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾. تفكر في نفسه: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ﴾، يعني هل أنا خلقت من غير شيء؟ يعني من غير خالق خلقني، وأوجدت من غير موجد أوجدني، وأحدثت من غير محدث أحدثني؟ لا. طيب، الثاني: ﴿ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾، هل أنا خلقت نفسي، أوجدت نفسي، أحدثت نفسي؟ لا. إذن هناك خالق خلقني وأوجدني وأحدثني، وهو رب العالمين جل وعلا. فقال رضي الله تعالى عنه: وكان أول ما وقر الإيمان في قلبي، وكان أول ما وقر الإيمان في قلبي. فأسلم رضي الله تعالى عنه وأرضاه. لأن هذه الآية فيها برهان عقلي عظيم، برهان عقلي عظيم، نعم، يسلم له كل صاحب عقل صحيح سليم، وكل صاحب فطرة سليمة. لأنه لا يمكن أن يوجد من غير موجد، وأن يكون قد خلق من غير خالق. نعم. وكذلك لا يمكن أن يكون هو الذي خلق نفسه وأوجد نفسه. إذن ما هو الأمر؟ الأمر أن هناك خالق خلقه، وهو الله سبحانه وتعالى. وقد مر معنا في دروس سابقة ما أجاب به الإمام أبو حنيفة رحمة الله تعالى عليه لطائفة السمنية، الذين هم طائفة من طوائف الهند العقلانيين، الذين لم يقروا بوجود الله سبحانه وتعالى. فضرب لهم أبو حنيفة رحمه الله مثلاً بسفينة كانت على البحر تحمل البضائع، وتنزل إلى البر، نعم، وتخرج هذه البضائع، وتحمل بضائع أخرى، ثم تعود إلى البحر، نعم، وإلى الشاطئ الثاني، وتنزل هذه الحمولات، ثم تحمل بضائع أخرى، وتنزل هذه البضائع في الشاطئ الآخر. وقال لهم: لا يسوقها أحد، لا عليها سائق، ولا عليها حمالون، هكذا من نفسها تمشي وترجع، وتحمل البضائع، وتنزل البضائع، البضائع من نفسها تطلع وتخرج من نفسها، والسفينة تمشي هكذا. فقال هؤلاء لأبي حنيفة: أين عقلك يا أبا حنيفة؟ يعني هل هذا ممكن معقول؟ سفينة تحمل البضائع وتنزل البضائع، وتذهب إلى هذا الشاطئ وترجع إلى الشاطئ الآخر، لا سائق يقودها، ولا عليها حمالون يحملون وينزلون. قال: سبحان الله، وكيف عقلتم أن هذه الموجودات... نعم، هذه الشمس وهذا القمر وهذه السماء وهؤلاء البشر، كل من على الأرض، هكذا يمشي بنفسه، من غير مدبر يدبر أمره، ومن غير موجد أوجده؟ ما عقلتم سفينة أن تكون قد أوجدت هذه الأشياء... نعم، وقد حصلت من غير موجد، سياقة من غير سائق، قيادة للسفينة من غير قائد، نزول بضائع وتحميل بضائع من غير منزل ولا حمال؟ ما عقلتم أن توجد هذه إلا بموجد، سائق، وحمال ينزل ويطلع؟ كيف عقلتم أن هذه تمشي هكذا من غير موجد ومدبر؟ فعلموا أنه قد خاطبهم بعقولهم، وبين لهم هذا البرهان الواضح، أنه لا يمكن أن يكون في الوجود ما يكون هكذا، يعني يسير من غير موجد ومدبر له، ولا أن يكون قد أحدث نفسه، نعم، ولا يمكن أن يكون هو الذي أحدث نفسه؛ لأنه إنما هو ممكن الوجود، يعني قد كان عدماً ثم بعد ذلك كان موجوداً. وبقية الحديث في هذا الفصل في الدرس اللاحق إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.